ارشيف من : 2005-2008
لكي يُفْلِت عون من براثن اغراءات وابتزاز فيلتمان و"الفالتين" الآخرين : المرشح لأن يكون "ديغول لبنان" امام "بروق المطامع" التي تفُلّ عزائم الرجال
الولايات المتحدة ـ محمد باقر شري
هناك مَن يقول بأن ركون العماد عون "لهجمة العشق" عليه من جانب اللقاء الديموقراطي وتيار المستقبل عائد الى ان الجهة الاميركية التي سعت "لاصلاح ذات البين" بينه وبين هذين "الطيفين السياسيين" (الطيف يعني احيانا الشبح)، قد لوّحت له مداورة بأن لديها مستمسكات عليه، تؤكد انه خلال فترة الجفاء بل العداء بينه وبين سوريا والتيارات الوطنية والاسلامية، قد وصل به الأمر درجة تحريض الاوساط الصهيونية او الممالئة للصهيونية في اميركا ضد الذين كان يعتبرهم خصوماً مباشرين له. وانه ربما يكون قد خضع لهذا النوع من الابتزاز، بحيث تنكشف مساعيه السابقة امام الفرقاء الذين حرص على عدم التصادم معهم بعد عودته من "المنفى".. والذين كاد يصبح متحالفا معهم بصورة مباشرة او غير مباشرة بحيث وصلت ذروة تقاربه معهم درجة الحديث عن احتمال عقد لقاءات معهم بين يوم وآخر، وخاصة مع الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ناهيك عن ان لقاءاته مع رئيس مجلس النواب ورئيس حركة "أمل"، كانت متوفرة ولو بشكل عادي بحكم كون العماد عون نائباً ولا بد ان يلتقي برئيس مجلس النواب، وان كانت لقاءاته معه لم ترتدِ طابع اجراء محادثات طويلة وعلى انفراد.. ولكن هذا الكلام الذي هو اقرب الى الاستنتاج والتكهن، تبدّده حقيقة ماثلة للعيان عند اصحاب الذاكرة، وهي ان العماد عون لم يكن يخفي لقاءاته مع الجهات الاميركية والفرنسية، وان بدت في تلك الفترة مع الاميركيين اشد حدّة في عدائيتها للدور السوري في لبنان، كون فرنسا شيراك، لم تكن قد انقلبت على نفسها وعلى سياساتها عندنا، قبل ان تظهر العداء لسوريا وللعهد القائم في لبنان وللمقاومة، وقبل ان تمارس الانحياز السافر لكل الطروحات الاسرائيلية عبر القرار 1559 الذي كان بمبادرة منها وبالتعاون مع عناصر داخلية لبنانية، والذي حظي بتبنٍ اميركي مطلق، بحيث اصبح جزءاً من "خريطة طريق" لتنفيذ ما تضمنه من طروحات هي اسرائيلية قلباً وقالباً، حتى انها لو صيغت بقلم شارون او شالوم او موفاز لكانت اقل سفورا في عدائيتها لسوريا وللمقاومة، سواء كانت مقاومة لبنانية او فلسطينية، اسلامية او جبهة شعبية لتحرير فلسطين او جبهة شعبية (قيادة عامة)! معتبرة كل من يشهر السلاح في وجه الاحتلال، ارهابا، استنادا الى مقياس شاذ، لو طبق مفهومه بأثر رجعي على المقاومة الفرنسية ضد النازي التي تباهي بها فرنسا، وخاصة فرنسا الديغولية لأمكن وصم تلك المقاومة الفرنسية الباسلة، بأنها ارهاب، الا اذا اعتبر "الاحتلال الصهيوني" احتلالا مميّزاً يختلف عن الاحتلال النازي كون اسرائيل في نظر شيراك اصبحت بلد ابعد ما يكون عن ممارسة العنف والارهاب الرسميين!
والجميع يعرف ان العماد عون - بعد وصوله الى لبنان عائدا من المنفى - قد وضع الحقبة السوداء المظلمة من الصراع بينه وبين الاشقاء السوريين وراء ظهره، معتبرا ان اعلانه الاستعداد لاقامة علاقات طيبة بل مميزة بين لبنان وسوريا هي الوضع الطبيعي الذي يجب ان يكون سائداً بين البلدين، وان ما هو شاذ ومخالف لطبائع الأمور هو تلك الجفوة التي عاشها، وهو يقول انه اضطر ان يعيشها تجاه السوريين. والسوريون كانوا من "المرونة" بحيث استطاعوا ان يتجاوزوا سيئات تلك الفترة ضدهم ليفتحوا صفحة جديدة مع اي جهة او شخصية سياسية لبنانية تمد يدها الى سوريا باخلاص ولو بعد صدام وطول عداء.
واذا كانت نظرية الامام علي (ع) القائلة: "اكثر مصارع الرجال تحت بروق المطامع" - ونسارع الى القول بأن المصارع هنا ليست مصارع جسدية للرجال، بل هي في الغالب مصارع معنوية، - فان "بروق المطامع اوالمطامح (الطموحات) عند العماد عون، لا تتجاوز "مشروعية" طموحه الديموقراطي الى المنصب الأول في البلاد، ضمن "ثوابت" وضعها لنفسه. فهو اذا ما التقى به السيد وليد جنبلاط مباشرة او غير مباشرة، فلن يتخلى على الارجح، عن اعتبار "سَوْق جميع الناس بعصا الشتائم" خطأ فادحاً يرتكبه السيد وليد جنبلاط بحق نفسه وسمعته قبل ان يرتكبه بحق الذين تستهدفهم هذه الشتائم التي لا تليق بقيادي يحترم الرأي العام ويحترم ذاكرة الشعب اللبناني. وهو اذا التقى مع تيار المستقبل والشيخ سعد الحريري بصورة مباشرة او غير مباشرة فانه لن يصل به الامر درجة الغاء شعاره المركزي القائل "بوجوب عدم سيطرة رأس المال على الحكم". وهو مهما بلغ في لقائه مع الطروحات المطالبة باتباع سياسة "استقلالية" عن كل من سوريا والعرب، لن يصل به الامر تحت اي ظرف من الظروف ان يطالب دولة اجنبية مهما بلغ شأوها باجتياح بلد عربي شقيق او ارسال جيوشها لاسقاط نظام قائم في سوريا او لبنان او اي بلد آخر، علما ان مَن يطالب بذلك من السياسيين نراه من طرف اخر متلهفاً على اقامة افضل العلاقات مع انظمة اخرى تمتلك المال والسلطة وتتصرف بمصير شعوبها وكأنه "ملك خاص" لها.. ذلك ان العماد عون او سواه ممن لا يستخف بعقول الناس، يعرف ان الاجنبي الذي يُدْعى لاحتلال بلد شقيق او لتغيير نظام في بلده هو، لا يمكن ان يكنّ الاحترام لسياسي من هذا النوع، وخاصة ان الرأي العام في الولايات المتحدة نفسها وفي بريطانيا بالذات وفي فرنسا على الاخص، وهي الدول الثلاث التي تبدو اكثر اهتماما بتنفيذ القرار 1559، هو ابعد ما يكون عن تأييد احتلال بلد عربي آخر بعد "ورطة" العراق!
واذا كانت حجة الذين يستسيغون دعوة الاحتلال لاجتياح اراضي اشقائهم لاسقاط النظام في ذلك البلد الشقيق، انه قد اصبح لديهم "وحدة حال" في الطروحات مع القوى الاجنبية التي ذاقت الاوطان العربية منها مرّ العذاب والاحتلال، فان عليهم ان يتذكروا بأن احتلال فلسطين واغتصاب ارضها وزرع كيان عنصري فيها لم يتم لأن فلسطين كان يحكمها قبل الاحتلال "نظام ديكتاتوري" جاءت "الديموقراطية الاسرائيلية" لتسقطه، بل جاء قيام اسرائيل لاحلال اناس لا يملكون مقومات شعب واحد، بل من مستوطنين جاءوا من بلاد وشعوب شتى لا يجمعهم غير نزعة دينية عنصرية. والنزعة الدينية تبقى مشروعة، الاى ان تصبح نزعة عنصرية متعصبة حاقدة وتستبيح لنفسها كل المحرمات لتحقيق "نموذجها" العنصري. وعلى هذا فان رفع شعار: "الاحتلال من اجل الديموقراطية" يسقط من خلال "ملف" الاحتلال في البلاد العربية. فاذا كان الغزو الانغلو - اميركي للعراق قد تم تحت شعار نزع اسلحة الدمار تارة واسقاط النظام الديكتاتوري تارة اخرى: وهما امران لا يبرران الاحتلال حتى ولو كانا صحيحين، علماًان الدولتين اللتين نادتا بنزع اسلحة الدمار، لا يوجد مَن ينزع اسلحة الدمار التي يتواجد عندهما منها اضعاف ما يمكن ان يتوفر عند النظام العراقي قبل اسقاطه.. فكيف اذا تبين عدم وجود اسلحة الدمار؟! اذاً فالشعارات تارة حول نزع اسلحة الدمار وتارة حول "وجوب تحقيق الاصلاح الديموقراطي" هي مجرد غطاء آن في نظر من أوتي الحد الأدنى من الوعي وهو يدرك بطلانه..
وميشال عون الذي يرقب ذلك كله، يعرف ان رئاسة الجمهورية بالذات لن ترفعه عن مكانته الحالية.. اذا ما تخلى عن الشعارات والمبادئ التي اطلقها بعد سنوات النفي، وانه كان من حظه ان عرقل المعرقلون تمثيله في الحكومة.. فازدادت اسهمه ارتفاعا.. ولو توصل الى اتفاق مع الذين يظهرون "العشق" له اليوم، دون ان يأخذ منهم التعهدات القاطعة والضامنة لبقاء صوته مرتفعا داخل الحكومة وحتى لو اعطوه المواثيق بانتخابه رئيساً، بحيث يحدّ ذلك من حريته في طلب الشفافية ومحاسبة المرتكبين ومثيري الفتن الطائفية، فان اسهمه سوف تنخفض.. وسوف يكون مصيره مثل مصير ذلك النائب الذي لاقى الشعبية الكاسحة من جانب جميع الطوائف، عندما طالب بحقوق الشعب المحروم، ولكن عندما لوّحت له "النقطة الرابعة" الاميركية ببعض "المكاسب" الهزيلة خلد الى الراحة.. وفجع الشعب به.. وكان "مصرعه" المعنوي تحت بروق هذه الترضيات الهزيلة!
ولا نريد ان يكون العماد عون صريعاً تحت بروق المطامع. وحتى لو لوح له ورثة "النقطة الرابعة" بأن يجعلوه يفوز "بالنقطة الاولى" فلقد سبق ان قال عون: "هكذا انا.. لا استطيع الا ان اكون وفق قناعاتي! فاما ان تقبلوني كما انا.. والا فابحثوا عن سواي!" واذا خسر عون هذه الميزة. فلن يجد رأيا عاما.. يكون عونا له في ان يكون "ديغول لبنان"، لأن ديغول ربح نفسه والرئاسة والخلود في تاريخ فرنسا عندما رفض ان يكون الا نفسه! فاما ان يفلت عون من براثن فيلتمان و"الفالتين" معه على شعبهم وأمتهم والا فليكن الشيطان في "عونه"!
الديار: 14 / 1/ 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018