ارشيف من : 2005-2008

كلمة من القلب إلى القلب، إلى سعادة السفير الأميركي

كلمة من القلب إلى القلب، إلى سعادة السفير الأميركي

صحيفة السفير/ بقلم الرئيس سليم الحص‏

لست في وارد التدخل في السجال بينكم وبين جريدة "السفير". فالصحيفة كفيلة بنفسها. ولكن ما قرأت في ردكم حفزني على إبداء بضع ملاحظات:‏

إن بلدكم العظيم ديموقراطي في الداخل واستبدادي في الخارج. تمارسون الحرية والديموقراطية على اوسع نطاق داخل اميركا، وتملون على الشعوب الأضعف في الخارج ما تشاؤون. إنكم تتدخلون في شؤون لبنان الداخلية. ألم تُملوا علينا موعداً محدداً للانتخابات النيابية وفرضتم علينا الأخذ بقانون انتخابات العام 2000 على الرغم من شبه اجماع بين اللبنانيين آنذاك على رفضه.‏

ثم إنكم تسخّرون الشرعية الدولية على هواكم، تنفيذاً لمآربكم الخارجية. والقرار 1559 مثال على ذلك. هل جشّمتم أنفسكم مؤونة استطلاع رأي اللبنانيين في هذا القرار قبل استصداره؟ ألم يكن هذا القرار، الذي كان من صنع ايديكم، إملاء على اللبنانيين ضد ارادتهم؟ لا بل ظهر بما لا يقبل الشك انه مشروع فتنة تراد للبنان بين أهله. أين هي الفتنة من قيم الحرية والديموقراطية التي تأخذون بها؟‏

ثم إن دبلوماسيتكم، كديموقراطيتكم، انتقائية. إنكم تختارون من يحلو لكم الاستماع إليهم، وتقاطعون من لا يطيب لكم الاستماع إليهم. وأنا، مثلاً، من الذين تقاطعون منذ أمد طويل، فيما تسرفون على لقاء من يشنّف آذانكم. وعندما يأتي موفَدون من بلدكم، وكان آخرهم السيد وولش، يلتقون مع اطراف دون اطراف آخرين. هل هذا من الحرية او الديموقراطية او العدالة في شيء؟ أليس من صلب الديموقراطية الاستماع الى الرأي الآخر واحترامه؟‏

ثارت ثائرتكم على حديث صحيفة عن رغبة مزعومة منكم في التخلص من حزب الله. بصرف النظر عن صحة ما نسب إليكم او عدم صحته، فالكل يعلم في لبنان علم اليقين انكم لا تكنون اية مودة لهذا الحزب وتطالبون بلا هوادة بتجريده من السلاح. نحن ايضا نريد التخلص من اي سلاح في بلادنا، بما في ذلك سلاح حزب الله. وننصحكم بأن السبيل الى ذلك يكون عبر اهداء انتصار لحزب الله. لن يكون في لبنان من يحبذ احتفاظ حزب الله بالسلاح بعد تحرير مزارع شبعا، وبعد وقف كل الاعتداءات الجوية والبحرية على لبنان، وتحرير الأسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية. حققوا كل هذه المطالب المشروعة يسقطِ السلاح من يد حزب الله. بمعنى آخر، أمّنوا الانتصار لحزب الله بتحقيق مطالبه تتخلصوا من سلاحه.‏

إنكم تأخذون الكلام الذي أدلي به في هذا الصدد على محمل المناهضة لأميركا Anti- Americanism. هذا غير صحيح على الاطلاق. إنني من المتخرجين من الجامعات الاميركية ومتشرب بالثقافة الاميركية في وجهها الأبهى. لا بل إنني ازعم، على نقيض ما يقال، انني من المجارين للاميركان في رأيهم. فإذا كانت استطلاعات الرأي في اميركا هذه الايام تظهر ان اكثر من 60 في المئة من الرأي العام الاميركي يعارض سياسة الادارة الاميركية في العراق خصوصاً، وفي الشرق الأوسط عموماً، فإنني اجد نفسي الى جانب اكثرية الاميركان في رأيهم. فهل هذا يعني المناهضة لاميركا؟‏

إننا نتهم الادارة الاميركية بازدواج المعايير في سياستها الخارجية. تحت لافتة مكافحة الإرهاب ترتكب الفظائع، لا بل تمارس ابشع ألوان الإرهاب. الإرهاب لا يُكافَح بأبشع منه. القتلى في العراق وافغانستان اصبحوا مجرد إحصاء يومي، ولا تفريق في عمليات القتل التي ترتكبها القوات الاميركية بين مسلح واعزل، بين رجل وطفل وامرأة. أليس هذا هو الإرهاب بعينه؟ أليس الإرهاب هو قتل الأبرياء العزل في خدمة اغراض سياسية او غير سياسية؟ ماذا فعلتم في الفلوجة وشوارع بغداد وسائر المدن والقرى العراقية؟ ماذا فعلتم وتفعلون في سجني ابو غريب وغوانتنامو وسواهما؟‏

يبدو لنا ان الإرهاب في المفهوم الاميركي مجرد وجهة نظر: إذا مارس العنف لبناني او فلسطيني او عراقي فهو إرهابي. وإذا مارسه الإسرائيلي، ولو على ارض سواه التي يغتصبها، فهو من باب الدفاع عن النفس. وإذا مارسه الاميركي فهو من باب خدمة الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. يا للمفارقة!‏

ومن ازدواج المعايير في السياسة الاميركية حديث مسؤولين اميركيين عما يسمونه "فوضى بناءة او خلاّقة". بالله عليكم، كيف تكون الفوضى بناءة او خلاقة؟ أليست الفوضى الهوجاء ما تنفذون في العراق على حساب كل القيم الإنسانية؟ واخشى ما نخشاه ان يكون لبنان هو المسرح المقبل لمثل هذه الفوضى، والعياذ بالله. اللبنانيون، بوعيهم، يجب ان يكونوا كفلاء بإحباط مثل هذه المحاولة.‏

2006-10-31