ارشيف من : 2005-2008
بعد رفع شعار "لبنان اولاً" في ظل "نجوم اميركا": هل يكون مع "لبنان أولاً" من ير "الأجنبي اولاً.. واخيراً"؟! يكون مع "لبنان أخيراً" من يرَ العرب لا "اسرائيل" عدواً!
هل من قاتل المحتل الاسرائيلي أقل "لبنانية" ممن قاتل معها؟!
صحيفة "الديار"/ بيروت ـ محمد باقر شري
عبارة "لبنان أولاً" يجب تحديد مضمونها.. فإذا كانت تعني الانغلاق على محيطه فلسنا معها، ونحن معها اذا كانت تجسيداً للكرامة والسيادة الوطنية في التعامل مع الجميع وليس تجاه العرب فقط، والا فإنها تساوي "لبنان أخيراً".. بل تساوي العداء للبنان.. وشعار "لبنان اولاً" بالمفهوم الذي يراد تطبيقه كما ورد على ألسنة الذين يرفعونه اليوم من الطبقة السياسية التي ترى واشنطن وباريس (او حتى تل ابيب) اقرب اليها من دمشق والقاهرة والرياض، يعني المروق من الانتماء والتبعية للاجنبي. وهناك فارق بين شعار "لبنان اولاً" بالمفهوم الوطني السيادي الذي يقول بأن "صاحب البيت ادرى بالذي فيه واولى بتدبير اموره" ولكن اذا ألمت بلبنان محنة يريد الاشقاء مد يد العون لانهاض لبنان منها، فإنها لا تكون تخلياً عن السيادة والاستقلال والعزة والكرامة، بل عداء للغيارى العرب على لبنان الذي يريدون له الخير والاستقرار...
وحتى البلد العربي الذي يراد استهدافه واعتباره "العدو" وليس
"اسرائيل" سأل سؤالاً يجب ان نجيب عليه قال: لقد طلبتم ترسيم الحدود فوافقنا وطلبتم اقامة علاقة ديبلوماسية فقبلنا البحث في الموضوع من حيث المبدأ، وما نفيتم انه مبادرة عربية بل هو مبادرة سورية، لم يخرج عن كونه تلخيصاً لما تعتبرونه "مطالب لبنانية" وضعت في ورقة قدمت اليكم، فرفضتموها رغم ان مضمونها هو في الاساس مضمون مطالبكم، فهل وصل الامر ببعض المسؤولين عندكم. درجة رفض المطالب التي انتم تطلبونها لمجرد اعتباركم اياها مبادرة سورية؟! وهذا ليس تطبيقا "للبنان اولاً" بل هو تطبيق لاعتبار هذا الموقف الشاذ من جانب بعض المسؤولين اللبنانيين الذين يرون سوريا "عدواً اولاً".. ولو ان العدو الاسرائيلي استجاب كرهاً او طوعاً لمطالب عربية او لبنانية، فإنه يمكن قبولها لأنها استجابة لمطالب عربية ولبنانية، ولكن يبدو ان التصميم المسبق على العداء جعل حتى الاستجابة للمطالب التي تطالب بها فئات "معادية لسوريا بالفطرة" منذ فجر الاستقلال المشترك المنتزع من الانتداب الفرنسي الذي تزامن اعلانه في وقت واحد في البلدين.. فإن "عاهة الحقد غير المبرر" على سوريا متأصلة عند البعض لأن سوريا عربية.. ولو كانت السعودية او مصر او العراق تقع جغرافياً على حدود لبنان لكان الموقف منها هو ذاته فالشقيق العربي مكروه عند هذا الصنف من المخلوقات العجيبة، حتى لو احتضنهم الشقيق بقلبه ورهن مصيره ومستقبله فداء لهم...
وشعار "أولاً" لكل قطر عربي هو شعار فتنوي ظاهره الرحمة وباطنه العذاب: فلقد سبق أن ارتفعت في مصر دعوة للفرعونية شجعها أعداء التجانس القومي في المنطقة وكان وراءها القوى الأجنبية التي فطرت على العداء العنصري للعرب على وجه التحديد وبعد ذلك ضد كل من يمت الى العرب من دول جوار إسلامي أو إفريقي أو آسيوي، إذا كان هذا الجوار غير معاد للعرب أو متعاطفاً مع قضاياهم.. وهؤلاء يلتقون الحاخام عبادي رئيس حزب شاس الصهيوني الذي لم يتردد في إعلان نقمته على الله الخالق لأنه خلق العرب.. وقد وصل الأمر بأمثال عبادي في المدة الأخيرة الى رفع شعار ابادة اتباع الدين الذي يعتنقه مليار ونصف مليار من بني البشر، بل وهدم مقدسات هذا الدين في الجزيرة العربية بما فيها الكعبة! ولم يرتفع صوت رسمي واحد استنكاراً من الذين يريدون العودة بالبشرية القهقرى الى ما هو ابعد من القرون الوسطى احياء للحريات الدينية والمذهبية التي اعتقدت البشرية انها تجاوزتها الى غير رجعة.
وهنا لا بد من التأكيد على الفارق الهائل بين اولوية الولاء للوطن، وبين اولوية الولاء للسياسة التي يسلكها مدّعو الولاء للوطن بينما هم ينحرون الوطن ويتآمرون على هويته ويسعون لتهجينها أو تطييفها وجعلها رديفا لغرائزهم الطائفية. وهؤلاء موجودون في كل طائفة ولا يقتصر وجودهم على طائفة واحدة معينة كما يزعم البعض ويرجف، علماً أن الطائفة التي ينسب إلى نخبتها وجمهورها الانغزال والعنصرية والعصبية الذميمة هي التي انتجت رواداً في الوطنية والقومية والعروبة، وهي التي أثرت لغة الضاد بانتاجها الثرّ، على نحو يكاد يفوق كل الاطياف السياسية والعائلات الروحية الاخرى!
ونحن نقول للسيد سعد الحريري الذي كنا مخلصين عندما توسمنا فيه خيراً، انه وقد "استنسخ" من بعض الذين يظهرون الغيرة والاخلاص في البحث عن الحقيقة في استشهاد والده، شعار "لبنان اولا" وهو شعار قديم وليس جديدا "لم يكتشف رافعوه "البارود"، فإذا أخذ بحسن نية فإنه يصبح من باب تحصيل الحاصل لأنه ما من لبناني حتى من الذين يحملون جنسيات اكتسبوها من دول شقيقة او اجنبية، يرتضي بديلاً عن وطنه لبنان.. اما اذا كان استنساخاً للأهداف التي كان يطرح فيها منذ عقود، بقصد التنكر لانتماء لبنان العربي، فإننا نقول للسيد سعد: ان روح والدك سوف تشعر بالأسى الذي يفوق الأسى الناشئ عن اغتياله والغدر به.. لانه هو "القومي العربي" السابق هو ابن حركة مغالية في عروبتها كانت تُدعى "حركة القوميين العرب" وكان شعارها "وحدة، تحرر، ثأر دم، حديد، نار" والثأر المطلوب في شعار تلك الحركة هو الثأر من مغتصبي الارض العربية ومن العدو الصهيوني الذي لم يعد عدوا في نظر بعض مَن كان يعتبر نفسه في طليعة من يناهض المشروع الصهيوني في المنطقة ولدرجة التبرؤ من بعض بني جلدته الذين سخرهم العدو لمقاتلة بني قومهم.. وتجنيدهم في جيش دفاعه.. وهل يريد رافعو شعار "لبنان اولا" في وجه الذين قاتلوا الاحتلال، ان يقولوا مثلاً أن انطوان لحد الذي انزلف الى القتال الى جانب العدو الاسرائيلي، ايا كانت ذرائعه اذا ما رفع شعار "لبنان اولا" وهو يقاتل في ظل العلم الاسرائيلي، هو اكثر "لبنانية" من جماعة حزب الله وحسن نصرالله، لأنهم ينادون بالحرص على عدم تصعيد العداء ضد سوريا؟! إذاً فإن التغني بالشعارات لا يعوّل عليه، وخاصة عندما يرفع الشعار وينفذ نقيضه على أرض الواقع. فليس من المعقول ان يكون من يفتدي وطنه بروحه ودمه ضد أشرس محتل عنصري غاصب، هو في ميزان العدل والانصاف أقل لبنانية ممن يرفع "شعار لبنان اولا" وهو في احضان العدو.. فنحن اذاً مع "لبنان اولا" شريطة ان يتجسد مصداقيته على الارض رفضاً عملياً ضد كل انواع الاستنامة للمخططات الخارجية وخاصة المخططات الممالئة او المؤيدة او الضالعة مع العدو القومي العنصري. واذا كان المأخذ على المقاومة التي قاتلت "اسرائيل" انها تلقت العون والدعم والتسهيلات من سوريا، فهذه مأثرة لسوريا وللمقاومة، ويجب الا يخجل بها المقاومون او مؤيدو المقاومة وهي ليست مناقضة لشعار "لبنان اولا" بل هي تطبيق عملي بالدم لهذا الشعار، شريطة أن يكون مبرءاً من شبهة "كلمة حق يراد بها باطل".. ولقد سمّيت الشبهة شبهة لانه شبّه لهم فيها بين الحق والباطل، بحيث اذا لم تتم معرفة الحق والباطل في اي شعار فإنه يتحول الى فتنة بمعنى المصيبة او بمعنى الفرقة والتنابذ والخلاف بين ابناء الشعب الواحد والامة الواحدة.
و"لبنان اولا" لا تتنافى مع التضامن الوطني والطرح القومي او الطرح الديني الداعي الى المحبة، والطرح القومي او الديني والتضامن العربي لا تنساق مع مصلحة اي قطر عربي وقوة العرب لا تتنافى مع مصلحة لبنان بل هي عون له على صعيد الاقتصاد والسياحة والرفاهية عندما يتحقق السلم الصحيح والاستقرار على اساس العدل، لان اي سلم او موقف يظل مهدداً بالانهيار اذا لم يقم على اساس العدالة والانصاف والقناعة.
وكلمة اخيرة الى دعاة او مدّعي الايمان بشعار "لبنان اولا": ليس اخلاصا لهذا الشعار ان يستنهض العداء للبنان مع جواره العربي. واذا زعم الرافضون للمبادرات العربية ان ذلك هو من نوع الاخلاص
"لشعار لبنان اولا" فإننا نقول لهم إنه عداء عملي لهذا الشعار، لأن من يؤمن بأولوية مصلحة لبنان، لا يستعدي عليه الشقيق، فاذا سلمنا جدلا، بمبررات الاستعداء ضد سوريا، فلماذا ذرّ "قرن الشيطان" وقامت حملة التهجم على مصر والسعودية وإيران وكل الذين يغارون على سلامة لبنان واستقراره ووحدته. وهل كتب على لبنان ان يقرر مصيره افراد معدودون مسعورون وهم يرفعون شعار التغيير الديموقراطي، في حين يمارسون كما يمارس حليفهم الاجنبي المحتل الذي استنجدوا به لاجتياح البلد الشقيق ابشع انواع الغشم والتسلط بل والتجبر.. رغم انهم لا يملكون من مبررات التجبر غير الاستقواء بالمحتلين بحيث يضطروننا لاعادة الاستشهاد بمقولة الجواهري:
ورأيت كيف المستظل بغيره يوحي ويوهم انه جبار؟!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018