ارشيف من : 2005-2008

المحكمة.. والعقبات

المحكمة.. والعقبات

بذلت جهود دبلوماسية، في مجلس الامن، خلال الساعات الثماني والاربعين الماضية، لتغيير عبارة واحدة في مشروع القرار الذي كان مطروحا قيد المناقشة، خصوصا في البند المتعلق بإنشاء محكمة ذات طابع دولي. كان الهدف، استبدال عبارة: "يأخذ مجلس الامن علما..."، بعبارة "يطالب مجلس الامن...".‏

كان واضحا أن مجلس الامن قد ناقش مطالب لبنان الثلاثة: تمديد مهمة لجنة التحقيق الدولية حتى الخامس عشر من حزيران المقبل، وإنشاء محكمة ذات طابع دولي، وتوسيع صلاحيات لجنة التحقيق لتشمل جرائم التفجيرات الاخرى، بدءا بمحاولة اغتيال الوزير مروان حماده، وصولا الى جريمة اغتيال الزميل النائب جبران تويني.‏

لقد أخذ مجلس الامن بمطلب واحد، وهو تمديد مهمة لجنة التحقيق فترة ستة أشهر، قابلة للتجديد، و"أخذ علما" بالمطلبين الاخيرين، من دون البتّ بهما بصورة نهائية.‏

يمكن الاستنتاج ان في الامر انتكاسة معنوية للحكومة، وللرئيس فؤاد السنيورة تحديدا، لأن السؤال الذي كان يفرض نفسه أمس، ويردد في كواليس دبلوماسيّة ضيقة: كيف تقدم الحكومة على هذا الطلب بإنشاء محكمة ذات طابع دولي، قبل أن تكون قد ضمنت النتيجة سلفا من الولايات المتحدة الاميركية، وفرنسا، وبريطانيا، والصين، ورسيا، الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن؟. ثم هل خذله سفراء هذه الدول المعتمدون في بيروت، والذين هم على تواصل مستمر، وشبه يومي، معه، بمعنى أنهم لم يضعوه في الصورة الحقيقية السائدة لدى دولهم، أو أنهم قد أكدوا له أن هذا الطلب سوف يأخذ طريقه الى التنفيذ، ما إن تتقدم حكومته بكتاب رسمي الى الامانة العامة للأمم المتحدة بهذا المعنى؟. وهل من "قطبة مخفيّة" قد حيكت، بعد ان قدم القاضي ديتليف ميليس تقريره الاخير الى مجلس الامن؟.‏

لا بل هناك من يذهب الى الابعد في تعاطي مجلس الامن مع هذا الطلب بفتور، لا بل "ببرودة" واضحة، متسائلا عن حقيقة الاسباب التي دفعته الى ذلك، علما بأن رئيس تيار المستقبل، النائب سعد الحريري، كان قد قام بأوسع شبكة من الاتصالات الدولية، لتمرير هذا الطلب بمرونة، عندما يطرح على المجلس، حتى إن بعض الوزراء والنواب كان يتحدث قبل اسبوعين من تقديم تقرير ميليس، بأن موضوع المحكمة مبتوت به، ولا ينتظر سوى عملية الإخراج؟!.‏

هناك من يقول إن المجتمع الدولي "بدأ يتعب من لبنان. في كل فترة قضية، وفي كل مرحلة زمنية مطلب؟!"، بينما الجهود الداخليّة تكاد ان تكون معدومة، ولا تتوافق مع الآمال الدولية المعقودة على اللبنانيين، لكي يكون هناك شيء من التوازن بين "الموجبات" الداخلية، و"الواجبات" الخارجيّة؟!.‏

وهناك من يقول إنه يتوجب على لبنان أن يضبط ساعته وفق التوقيت الدولي، لا العكس. بمعنى أن ليس لبنان هو الذي يتحكم بمجلس الامن، ويحمله على التجاوب فورا مع ما يطلبه منه، بل إن الأخير هو الذي يحدد الوقت، والنوعية، والحجم، والفعالية، لأي مساعدة، او تجاوب، او التفاتة مع المطالب اللبنانيّة. وهناك مصالح دوليّة، و"لعبة مصالح"، يتحكم بها المجتمع الدولي، ويجب أن يقرّ بها الجانب اللبناني، ويأخذها بعين الاعتبار.‏

وهناك من يتحدث عن عقبات خمس فرضت نفسها في الاجتماعات المغلقة في مجلس الامن، خلال مناقشته الطلب اللبناني بإنشاء المحكمة: عقبة التمويل، من يموّل، ويتحمل الاعباء والتكاليف؟. العقبة اللوجستية. ما هي المعايير الدولية واللبنانية لهذه المحكمة؟، صلاحياتها؟، قوانينها؟، ظروف عملها؟، مكانها؟... العقبة الثالثة تتناول طبيعة تأمين التوازن بين مطلب لبنان بالمحكمة من جهة، ومطلبه بأن تشمل صلاحيات لجنة التحقيق الدوليّة، الجرائم الاخرى، وإمكانية حصول "تشويش" على مجريات التحقيق في القضية الأم، قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. الرابعة: اعتراض روسي جدّي، في أن تتحول هذه المحكمة الى سابقة، يمكن أن تصبح مثالا يحتذيه المجتمع الدولي، يطبّق في حالات مماثلة في العالم، ويحظى هذا "الاعتراض" بدعم من الصين أيضا. الخامسة: ان الصوت العربي الذي تمثله الجزائر في مجلس الامن كان ملتبسا، لم يكن متحمسا للتجاوب مع الطلب اللبناني، ومدّه بالدعم الصريح والقوي، وإن كان لم يعلن معارضة علنية حاسمة!.‏

في مطلق الاحوال، هناك من يؤكد أن المجلس قد وضع "طبخة المحكمة" على نار هادئة، خصوصا ان الحاجة إليها ليست ملحّة، لأن التحقيقات لم تستكمل بعد، وقد مدد المجلس للجنة التحقيق فترة ستة أشهر، (حتى الخامس عشر من حزيران المقبل)، لإنجاز مهمتها، فضلا عن أن مناقشاته قد تفضي الى تسوية تراعي بين ما تطمح إليه الحكومة اللبنانيّة، وبين الاعتبارات والمصالح الدولية.. والمخارج التي كانت متداولة، وراء الكواليس، كانت وفيرة العدد، ومتعددة الخيارات؟!.‏

السفير ـ جورج علم‏

2006-10-30