ارشيف من : 2005-2008
التصويت في مجلس الوزراء من منظار قريبين من "القوة الشيعية": ضربة للتحالف الرباعي وخطأ استراتيجي لمسيحيي السلطة
كتبت هيام القصيفي اليوم في صحيفة النهار:
لم يكن التصويت الذي حصل في مجلس الوزراء محطة عابرة، ولا هو تفصيل صغير من تفاصيل العلاقة التي تربط بين القوى السياسية، على اختلاف توجهها السياسي والطائفي. فما حدث في مجلس الوزراء اول الاسبوع لا يزال يتفاعل ويترك تداعيات يطرح بعضها علنا فيما بعضها الآخر تتداوله الاوساط المعنية.
واول التداعيات ان مجرد مبدأ التصويت هو في رأي القوة الشيعية، خروج على مبدأ التوافق والشراكة التي ارتضت هذه القوى منذ الانتخابات النيابية وصولا الى تأليف الحكومة والمشاركة فيها، ان تتخذ كل القرارات على اساسها. وكانت هذه القوة علّقت في البدء مشاركتها في الحكومة رغبة في الابتعاد عن الدخول في منطق التحدي والمواجهة وجر البلاد تاليا في مأزق سياسي كبير. والا كان في مقدورها ان تعلن منذ اللحظة الاولى لانفجار الوضع الحكومي استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة وادخال البلاد في نفق مظلم. لكن ما حصل على ما يقول قريبون من "حزب الله" ان هذا الحزب شرع الباب امام المشاورات والاتصالات الديبلوماسية والسياسية المحلية من اجل تخفيف الاحتقان، فيما كان رئيس مجلس النواب نبيه بري يبدأ من جهته تحركا لطرح مبادرة جدية تعيد لملمة الوضع الداخلي. وتشير مصادر مطلعة في "حزب الله" الى ان منطق الشراكة لم يكسره الحزب ولا حركة "امل"، اللذان كانا يحاولان طرح موضوع المحكمة الدولية اولا وتوسيع صلاحيات لجنة التحقيق الدولية من منظار قراءتهما الدقيقة للنظرة الدولية "المستجدة" الى واقع لبنان، على خلفية تقرير المحقق الدولي ديتليف ميليس، مما يعني ان توجه الفريق الشيعي كان صائبا على نقيض الخطوات غير المحسوبة التي اتخذتها الحكومة تحت ضغط بعض تحالف 14 آذار.
ويقول هؤلاء ان المشاورات مع النائب سعد الحريري كانت تسير في اتجاه جيد، لكن الحكومة دخلت على الخط بعدم قراءتها الدقيقة للمتغيرات ولما يجري بدقة بين مصر وسوريا وللتحول الدولي الملحوظ وادخلت البلاد في مأزق كانت في غنى عنه. ووقعت جريمة اغتيال النائب جبران تويني لتساهم في استغلال فريق حكومي الاغتيال ويدفع في اتجاه عزل القوة الشيعية، واحداث ضغط في موضوع رئاسة الجمهورية، في حين ان التقرير الدولي اعطى صك البراءة لرئيس الجمهورية، وان مجلس الامن لم يأخذ بتوجه بعض الافرقاء في الحكومة.
ويضيفون ان تغليب موضوع الاكثرية في مجلس النواب مسموح، كما حصل اخيرا في موضوع قانون المجلس الدستوري، رغم ان احد اسوأ انعكاساته رد رئيس الجمهورية له، وهم يقرون بأن الكباش الاكثري والاقلي في مجلس الوزراء يمكن ان يؤدي الى الحؤول دون تمرير كثير من القضايا الحساسة، ولكن من غير المسموح المس بالتوافق في مجلس الوزراء، مما يعني ان لا عودة الى مجلس الوزراء الا على قاعدة عدم تغليب منطق الاكثرية العددية في مجلس الوزراء، والا فان القوة الشيعية مستعدة للمغادرة على قاعدة الانضمام الفعلي الى جبهة المعارضة من خارج الحكم، تماما كما هي حال النائب العماد ميشال عون.
اما ثاني التداعيات فهو ان دخول الوزراء المسيحيين على خط التصويت، لا يمكن ان يمر مرورا عابرا في رأي القريبين من القوة الشيعية. ويقول هؤلاء ان المسيحيين يقاربون لعبة حساسة في مجاراة الاكثرية العددية. لان هذه المجاراة سيف ذو حدين، وعلى مسيحيي الحكم والغالبية ان يستشعروا خطرها. فاعتماد الغالبية العددية ومشاركة المسيحيين في هذه اللعبة، هو منطق يمكن ان يطبق على بقية المفاصل الاساسية في البلاد والتي لا تقتصر على مناقشة القضايا الكبرى، بل يمكن ان تتعداها الى كثير من المواضيع ذات الصلة بالتوافق على مشاركة المسيحيين والمسلمين مناصفة في كل الدوائر التمثيلية في البلاد.
واذا كان الانتقال من مبدأ الديموقراطية العددية الى مبدأ الديموقراطية التوافقية تم على اساس الاتفاق على اتخاذ قرارات توافقية في ما يتعلق بالقضايا الوطنية والمصيرية فلا يصح ارتكاب المسيحيين "خطيئة" تكاد تكون مميتة في حق وجودهم السياسي في الحكم، على قاعدة التزام جانب الاكثرية لطرف ضد آخر. وهذا ما يطرح سؤالا عن المشاركة المسيحية في الحكومة وامكان تعديلها على قاعدة تعزيزها بقوة مسيحية فاعلة قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية بحجم الدخول في لعبة التصويت على القضايا الحساسة. وهو أمر كان مطروحا الاسبوع الماضي، قبل حصول التطورات الاخيرة، على أساس تشكيل حكومة وطنية جرى البحث فيها على نطاق ضيق في بعض الكواليس السياسية.
واذ يحمل أصحاب هذا الرأي الوزراء المسيحيين مسؤولية الانزلاق نحو خطوة غير محسوبة في شكل كاف ويمكن ان تنعكس على العلاقة بين القوى المسيحية والشيعية، يحذرون من انعكاسات مستقبلية لهذا الموقف، وخصوصا في قضايا حساسة يقبل عليها لبنان وخصوصا قانون الانتخاب، وغيره من الملفات التي يحتاج فيها المسيحيون الى التوافق، كما حصل في موضوع اخراج الدكتور سمير جعجع من السجن، اذ تجاوب الرئيس بري مع طلب عقد جلسة لاقرار قانون العفو عنه الذي نال أصوات نواب حركة "أمل"، في حين ان من رفضوا قانون العفو، مثل نواب "حزب الله" فانسحبوا من الجلسة. مع العلم ان المسيحيين في السلطة اليوم لم ينالوا حتى اليوم اي مكسب سياسي لا من فريق تحالف 14 آذار ولا من كامل التحالف الرباعي، وهو ما ظهر أخيرا في بعض التعيينات الامنية والادارية.
المصدر: صحيفة النهار 17/12/2005
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018