ارشيف من : 2005-2008
لقاء السنيورة نصرالله:ثلاث ساعات من النقاش ولا نتائج فورية/ قصة حــزب الله مع "الأكثرية" من الانتخابات إلى "الانقلاب"
كتب عماد مرمل في السفير
ثلاث ساعات وخمس عشرة دقيقة أمضاها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في مقر الامانة العامة لحزب الله مجتمعا الى الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله، في محاولة لترميم العلاقة بين تحالف حزب الله حركة أمل من جهة وفريق الاكثرية من جهة أخرى، بعدما وصل التصدع فيها الى حد تعليق التحالف الشيعي عضوية وزرائه في الحكومة، إثر مبادرتها الى طلب تشكيل محكمة ذات طابع دولي وتوسيع التحقيق الدولي، من دون الاخذ بعين الاعتبار تحفظات الحركة والحزب.
خلال اللقاء بين الرجلين، عرض كل منهما وجهة نظره حيال ما آلت اليه الامور وكان نقاش مفصل حول المراحل التي مرت فيها العلاقة السياسية منذ الانتخابات النيابية وصولا الى تعليق المشاركة في الحكومة، ولكن عندما همّ السنيورة بالمغادرة لم يكن قد تمكن بعد من إقناع السيد نصرالله بالعودة عن قرار تجميد المشاركة في مجلس الوزراء، وبقي موقف الحزب بعد الاجتماع كما كان عليه قبله.
تعكس هذه المراوحة، بطبيعة الحال، عمق الخلاف الناشب بين أطراف ما كان يسمى بالتحالف الرباعي، وهو خلاف جاء تعليق عضوية الوزراء الشيعة في الحكومة ليعبر عنه لا ليتسبب به، ذلك ان شهر العسل الذي جمع قوى هذا التحالف عشية الانتخابات النيابية الاخيرة بدأ يتلاشى ويفقد حلاوته تدريجيا غداة الانتخابات مع توالي الاختبارات والاستحقاقات الصعبة التي أظهرت ان البنية التحتية لذاك التحالف لم تكن تملك من مواصفات الجودة ما يكفي للبناء الجدي عليها.
والمفارقة، ان كلا من فريق الغالبية والائتلاف الشيعي يوحي الآن بانه تحمل الكثير في سياق علاقته مع الآخر وانه لم يعد باستطاعته ان يستمر على المنوال ذاته بعدما طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، وهكذا تسمع في أوساط الاكثرية من يقول انها سايرت أكثر من اللزوم شركاءها وانها بالغت في مراعاة خواطرهم الى درجة انعكست سلبا على فعالية الحكومة التي بدت أحيانا عاجزة عن اتخاذ القرار، ما أثار حفيظة قوى في معسكر 14 آذار راحت تضغط في اتجاه تسييل أصوات الغالبية الوزارية لحسم المسائل العالقة.
في المقابل، يملك حزب الله رواية مغايرة للاحداث، تعود فصولها الاولى الى مرحلة التحضير للانتخابات النيابية حين اتفق حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي على خوضها سوية، استنادا الى تفاهم سياسي قوامه الاساسي حماية المقاومة، كشف حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، واعتماد التوافق في مقاربة القضايا الوطنية. هذا التفاهم أفرز تلقائيا التحالف الرباعي الذي يعتقد حزب الله انه أدى واجبه كاملا تجاهه، خصوصا عندما نزل بكل ثقله الى جانب لائحة وليد جنبلاط في دائرة بعبدا عاليه، متيحا ولادة ما بات يعرف لاحقا بالاكثرية النيابية، ويستذكر أحد قادة الحزب اليوم بمرارة ما سمعه من أحدى شخصيات 14 آذار آنذاك، في ختام لقاء تنسيقي عشية معركة بعبدا عاليه، إذ خاطبته قائلة: نحن متكلون على همتكم..
انتهت الانتخابات الى النتائج التي باتت معروفة، ثم تألفت الحكومة الحالية من وحي تلك النتائج وكان البيان الوزاري الذي ترجم التفاهم المشار اليه الى نص سياسي رسمي، ليكتشف حزب الله لاحقا ان هناك محاولات متتالية للتملص منه، ما دفع السيد نصرالله خلال حفل إفطار هيئة دعم المقاومة الاسلامية الى التحذير من الميل المتنامي لدى رئيس الحكومة الى التفرد بمقاربة ملفات حساسة من خارج مجلس الوزراء، تتعلق بترسيم الحدود مع سوريا والسلاح الفلسطيني، ثم جاء تقرير تيري رود لارسن الذي تحدث عن التزام السنيورة بتنفيذ القرار 1559 ليزيد الطين بلة، الى ان بلغت الازمة ذروتها مع اتخاذ مجلس الوزراء قرارا بطلب تشكيل محكمة ذات طابع دولي وتوسيع التحقيق الدولي.
يشعر حزب الله اليوم بانه تعرض الى الخيانة. يبدو التعبير قاسيا ولكنه الاكثر تداولا في الغرف المغلقة هذه الايام، باعتباره التفسير الوحيد للجوء الشركاء المفترضين الى الانقلاب على التفاهم المسبق، عن طريق استخدام سلاح الاكثرية تحت شعار الاحتكام الى الدستور. يستغرب الحزب في هذا المجال الاستقواء باحدى مواد الدستور لتشريع الانقلاب بينما يتم تجاهل مواد أخرى تشدد على ان البت في المسائل الوطنية يحتاج الى توافق وتؤكد ان لا شرعية لاي سلطة تناقض العيش المشترك، وبالتالي فان إتخاذ الحكومة قرارا بحجم طلب تشكيل محكمة ذات طابع دولي وتوسيع بيكار التحقيق الدولي في ظل غياب الوزراء الشيعة يعني ان فئة لبنانية أساسية قد استبعدت عن دائرة المشاركة، وهذا تصرف غير ميثاقي لا يمكن قبوله.
وما زاد حجم الاستهجان في صفوف الحزب، ان النائب بهيج طبارة كان قد قطع شوطا متقدما في النقاش مع القيادة بخصوص طبيعة المحكمة الدولية المراد تشكيلها، وهو أبلغ محاوريه في آخر جلسة معهم ان اسئلة الحزب حول ماهية المحكمة هي أسئلة مشروعة، وانه سيأتي بأجوبة عليها في موعد أقصاه الثلاثاء الماضي، بعد التشاور مع المراجع الدولية المختصة، ولكن ما حصل يوم الاثنين من اغتيال للنائب جبران تويني أعاد خلط الاوراق بالطريقة التي تمت.
وينفي الحزب بشدة ان يكون تمسكه بالتوافق سببا لتعطيل فعالية مجلس الوزراء وشل قدرته على صنع القرار، بل هو يعتبر ان موقفه هذا يحمي الوفاق الوطني وأدوار مختلف الفئات تحت مظلته، لان التسليم بمبدأ التصويت في مجلس الوزراء وبالتالي اعتماد قاعدة الاكثرية والاقلية من شأنه ان يشرّع الباب امام الديموقراطية العددية التي ستقود تلقائيا الى ضرب حقوق الطوائف الصغرى والاقليات، في ظروف أخرى، وإذا كان الدور هذه المرة قد جاء على حزب الله وحركة أمل بما يمثلان فانه قد يأتي في المرة المقبلة على آخرين بما يمثلون.
وما يثير الدهشة في أوساط الحزب، ان ينبري البعض اليوم الى التنظير لفكرة الاكثرية والاقلية وهو الذي كان قد انتفض على الفكرة ذاتها متحدثا عن النوعية والكمية، لمجرد ان السيد نصرالله ألمح في إحدى المناسبات الى خيار الاستفتاء، كما ان هذا البعض نفسه كان يعتبر ان الحكومات التي تكونت خلال فترة الوجود السوري في لبنان ليست حكومات وفاق وطني بسبب نوعية التمثيل المسيحي في تلك الحكومات وانطلاقا من ذلك كان يتم الاعتراض على قراراتها وسياساتها، فكيف لمجلس الوزراء اليوم ان يتبنى خيارات هامة مثل المحكمة وتوسيع التحقيق من دون التمثيل الشيعي بالمطلق.
وتستحضر أوساط الحزب تجارب كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد خاضها في الماضي، للدلالة عى أهمية التوافق وخطورة تغليب منطق الاكثرية، مستشهدة في هذا السياق بموقفه من مشروع الزواج المدني الذي كان مجلس الوزراء برئاسة الرئيس الياس الهراوي قد أقره بالاكثرية من خلال التصويت، فما كان من الرئيس الحريري الا ان استخدم الصلاحيات التي منحها له الدستور، ليضع هذا المشروع في الادراج ممتنعا عن التوقيع عليه، معتبرا ان السير به يحتاج الى التوافق.
ويؤكد الحزب انه ما كان ليرفع الصوت لولا الدلالات الخطيرة التي ينطوي عليها التفرد في تقرير مسألة محورية تتعلق بطلب تشكيل محكمة ذات طابع دولي وتوسيع التحقيق الدولي، ذلك ان أمورا أخرى مرت سابقا في مجلس الوزراء بفعل أرجحية الاكثرية داخله، من دون ان يثير حزب الله أي ضجة على الرغم من ان التصويت جاء على حساب قناعاته، والامثلة في هذا المجال متعددة ومن بينها انه وبعدما أحيلت المديرة العامة لوزارة الشؤون الاجتماعية نعمت كنعان الى التقاعد اختار مجلس الوزراء شخصية كاثوليكية مكانها في حين ان هذا المنصب يجب ان يملأه شيعي، والامر ذاته تكرر في وزارة الداخلية حيث ان موقعا يُفترض ان يشغله شيعي ذهب الى طائفة أخرى، وحصل شيء مشابه في وزارة الاقتصاد التي أطيح بمديرها العام فادي مكي برغم اعتراض الرئيس نبيه بري، والسيناريو إياه طُبق حين جرى إلحاق الحوض البحري المحيط بمسبح السان جورج بسوليدير وتجاوز ملاحظات وزيري حزب الله.. كل ذلك وغيره مرّ بالتصويت ولم تقع مشكلة، لكن ان يصل الامر الى حد المجازفة بانكشاف البلد أمام الخارج من خلال قرارات معينة فهذا غير مقبول، كما يؤكد حزب الله.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018