ارشيف من : 2005-2008
وجهة نظر قانونية في قرار الحكومة طلب إنشاء محكمة ذات طابع دولي: مجلس الوزراء ليس مفوّضاً من البرلمان بالتنازل عن صلاحية سيادية للقضاء
دراسة علي حسن برو(*)
لقد كانت للقرار الصادر عن مجلس الوزراء بتاريخ 12/12/2005، تداعيات كبيرة على المستوى السياسي والقانوني.
وقد لفتنا بعض المواضيع القانونية التي عالجناها وفقاً للتالي:
أولاً: في مخالفة قرار مجلس الوزراء للدستور والقانون:
نصت المادة الأولى من القانون الدستوري رقم 18 الصادر في 21/9/1990 على أن "لبنان وطن سيّد حرّ مستقل".
والشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية...
كما نصت المادة 20 من القانون الدستوري المذكور أعلاه: "السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف وجهاتها واختصاصاتها ضمن نظام ينص عليه القانون ويحفظ بموجبه للقضاء وللمتعاطين الضمانات اللازمة.
والقضاة مستقلون في إجراء وظيفتهم وتصدر القرارات والاحكام من قبل كل المحاكم وتنفّذ باسم الشعب اللبناني.
كما نصت المادة 15 من قانون العقوبات على انه:
" تطبق الشريعة اللبنانية على جميع الجرائم المقترفة في الارض اللبنانية...
بناءً على ما تقدّم فإن الشعب اللبناني هو مصدر السيادة بمفهومها الشامل.
وأن من حق الدولة اللبنانية أن تطبق على جميع الجرائم المقترفة على أراضيها الشريعة اللبنانية.
وان تطبق القوانين والأنظمة المرعية الإجراءات لاسيما تلك التي تتعلق بملاحقة المجرمين ومعاقبتهم هو من اختصاص المحاكم اللبنانية.
لذلك فإن الشعب اللبناني مصدر السيادة كما ورد في الاولى من الدستور اللبناني هو الصالح دون سواه للتنازل عن جزء من هذه السيادة أو من يمثل هذا الشعب وهنا مجلس النواب وليس مجلس الوزراء بطبيعة الحال.
بما أن القضاء اللبناني بكافة محاكمه يصدر الأحكام والقرارات "بإسم الشعب اللبناني" أي باسم مصدر السيادة، فإن هذا يعني بأن القضاء اللبناني وعمله يشكّل جزءًا لا يتجزأ من السيادة. وأنه لا يجوز لهذا القضاء ولا لأية مؤسسة دستورية أخرى غير المجلس النيابي ممثل الشعب (مصدر السيادة) أن يتنازل عن صلاحياته ووظيفته وإلا فإنّه يكون قد تنازل عن جزء من سيادة الدولة اللبنانية.
إن القرار الصادر عن مجلس الوزراء بالطلب من مجلس الأمن إنشاء محكمة ذات طابع دولي هو قرار صادر عن جهة غير ذات صلاحية أو اختصاص لإصدار قرارات كهذه، وبالتالي وعلى الرغم من كون هذا القرار لجهة طبيعته يدخل ضمن الأعمال الحكومية غير القابلة للطعن به أمام مجلس شورى الدولة فإنه يمكن وفقاً للاجتهاد السائد الطعن بهذا القرار لصدروه عن جهة غير مختصة.
ثانياً: في اختصاص القضاء اللبناني وفقاً لأحكام القرار 1595:
إن القرار 1595 الذي أنشأ لجنة التحقيق الدولية للتحقيق في جريمة مقتل الرئيس رفيق الحريري ورفاقه أولى هذه اللجنة دورا هاما في مؤازرة القضاء اللبناني ومساعدته في إجراء التحقيقات اللازمة لمعرفة كل تفاصيل العمل الاجرامي المقصود بالقرار 1595.
إن لجنة التحقيق الدولية لم تسلب المحاكم اللبنانية دورها في إصدار القرارات الضرورية لملاحقة وتوقيف المشتبه فيهم ومقاضاتهم وفقاً للأصول والاجرءات القضائية اللبنانية بل أتت بهدف مساعدة القضاء اللبناني على كشف النواحي التقنية والأمنية والميدانية للعمل الإجرامي المذكور، بالإضافة إلى تقديم المساعدة التقنية والفنية وكل أنواع المساعدة التي يراها القضاء اللبناني ضرورية لكشف ملابسات الجريمة ومرتكبيها وإنزال العقوبات اللازمة بحقهم.
كما أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الحكومة اللبنانية من جهة والأمم المتحدة من جهة أخرى أكدت على ان عملية التحقيق التي سوف تجريها لجنة التحقيق الدولية سوف تتم على قدم وساق مع التحقيقات التي يجريها القضاء اللبناني.
أضف إلى ذلك أن المذكرة المذكورة أعلاه أشارت في المادة السابعة منها على ان تقرير لجنة التحقيق سوف يسلّم بعد مهلة ثلاثة أيام من انتهائه الى المحاكم اللبنانية والقضاء اللبناني.
هذا يعني ان القضاء اللبناني يبقى المختصّ للنظر في الجريمة ومقاضاة مرتكبيها وان دور لجنة التحقيق الدولية هو أشبه بدور الضابطة العدلية.
ثالثاً: مخالفة قرار مجلس الوزراء لأحكام معاهدة دولية:
إن مذكرة التفاهم الموقعة تشكل بوصف القضاء الدولي والفقه الدولي والقانون الدولي بمرتبة أولى "معاهدة دولية". (Traite forme simplifier)
هذا النوع من المعاهدات يتصف:
1 بأصول خاصة، فهذا النوع من المعاهدات لا يُبرم بالطرق العادية ووفقاً للأصول العادية لإبرام المعاهدات (لا ضرورة لإحالتها الى رئيس الجمهورية، ومجلس النواب).
هذا النوع من المعاهدات يتصف بتعدد النسخ (هذا ما حصل في مذكرة التفاهم).
يتضح ان هذا النوع من المعاهدات ملزم وله قوة قانونية توازي القوة القانونية للمعاهدات الدولية الموقعة وفقاً للأصول العادية.
وهذا النوع من المعاهدات ملزم لموقّعيه ويجب على الدول ان تحترمه وكذلك المنظمات الدولية.
إذن يتوجّب على لبنان والأمم المتحدة الالتزام بالمعاهدة المذكورة أعلاه أي مذكرة التفاهم.
إذن فالمخالفة التي ارتكبها مجلس الوزراء وتجاوزها مجلس الأمن هي انه كيف يمكن ان يكون هناك إجراء قانوني يتعارض مع مضمون المعاهدة الدولية؟
إضافة الى ذلك انه لا يمكن القول بشرعية قرار مجلس الوزراء الذي يهدف الى الطلب من مجلس الأمن إنشاء محكمة ذات طابع دولي وذلك للأسباب التالية:
1 ـ لأن مجلس الوزراء ليس مفوضاً من قبل مجلس النواب بالتنازل عن صلاحية سيادية تعود الى القضاء اللبناني. (مع الإشارة إلى ان لا يجوز التفويض في المسائل الدستورية).
2 ـ لعدم جواز مخالفة أحكام معاهدة دولية موقعة من قبله مع الأمم المتحدة!
رابعاً: في ضرورة اتخاذ قرارات مجلس الوزراء بالتوافق:
نصت المادة 65 من الدستور اللبناني على انه "تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء وهو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة. ومن الصلاحيات التي يمارسها:
يجتمع مجلس الوزراء دورياً في مقرّ خاص ويترأس رئيس الجمهورية جلساته عندما يحضر.
ويكون النصاب القانوني لانعقاده أكثرية ثلثي أعضائه، ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور.
أما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج الى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. ويعتبر مواضيع أساسية ما يأتي:.... الاتفاقات والمعاهدات".
وبالطبع فإن الاتفاقات والمعاهدات لا تشمل فقط نصوص تلك الاتفاقيات انما تشمل ايضاً الاعمال الممهّدة لتلك الاتفاقيات ومن ضمنها طلبات توقيعها، وهذا ما ينطبق على قرار مجلس الوزراء في هذه الحالة باعتباره عملاً ممهداً لتوقيع اتفاقية متعلقة باقامة محكمة ذات طابع دولي. وعليه، فان موضوع الطلب بانشاء محكمة ذات طابع دولي يعتبر من المواضيع الاساسية التي تتطلب توافقاً حولها خاصة انه يتعرّض للعلاقة مع سوريا التي يفترض ان تنسجم مع المبادئ التي نصّت عليها وثيقة الوفاق الوطني.
ان قرار مجلس الوزراء الذي تضمّن الطلب الى مجلس الأمن إنشاء محكمة ذات طابع دولي فضلاً عن افتقاده:
إلى الشرعية.
ولصدوره عن مرجع غير مختص.
ولتنازله عن جزء من سيادة الدولة خلافاً للقوانين والأعراف والاجتهادات الدولية وخلافاً للدستور والقوانين اللبنانية.
فإن قراراته يجب أن تتخذ بالتوافق، فمجلس الوزراء لا يتخذ قراراته بالتصويت إلا نادراً أي ان القاعدة هي التوافق والاستثناء هو التصويت.
Chapus - Droit administrative general: فضلاً عن ان القرارات التي تتعلق بسيادة الدولة وكيفية المحافظة على هذه السيادة لا يمكن ان تتخذ الا بالتوافق، وإلا تكون مخالفة للدستور ولوثيقة الوفاق الوطني (التي وضعت حداً للخلاف التي هي وثيقة دستورية تمثل موقعاً أسمى من النصوص الدستورية) حيث أكدت على "أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
خامساً: عدم توفر الشروط الشكلية في قرار مجلس الوزراء:
إن نفاذ قرار مجلس الوزراء يتوقف على توقيع رئيس الجمهورية ووزير الخارجية عملاً بأحكام المادة 54 من الدستور.
ما حصل هو أن قرار مجلس الوزراء لم يُذيّل بتوقيع أي من رئيس الجمهورية ووزير الخارجية وهو الوزير المختص والمعني بالقرار، وبالتالي فإن القرار يُعتبر من الناحية القانونية غير نافذ لغاية تاريخه.
(*) محامٍ بالاستئناف وباحث في القانون العام
المصدر: السفير اللبنانية 21/12/2005
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018