ارشيف من : 2005-2008

معارضة التعريب لكن مع التدويل ؟؟!‏

معارضة التعريب لكن مع التدويل ؟؟!‏

كتب جورج بشير‏

لاحظ المراقبون انه في غمرة البحث "اللبناني" الجاري عن حلول للأزمة التي تسبّب بها انسحاب ‏وزراء حركة امل وحزب الله من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، فأن جامعة الدول العربية ‏وامانتها العامة دخلا على خطّ هذا البحث، لا بل هذا الحوار الجاري على هذا الصعيد.. لكن ‏كلاً من النائبين سعد الحريري "زعيم الاغلبية النيابية" وحليفه وأحد اركان هذه الاغلبية ‏الممثلة والمعروفة بالحلف الرباعي الذي قام عشية الانتخابات النيابية بين حركة امل وحزب ‏الله من جهة والنائبين الحريري وجنبلاط من جهة ثانية، اعلنا، كل واحد منهما في صورة ‏مستقلة عن معارضتهما لما اسمياه "بتعريب الازمة اللبنانية" وذلك في اشارة واضحة الى ‏المهمة التي انتدب الامين العام للجامعة عمرو موسى ذاته للقيام بها على طريق بيروت - دمشق ‏لمنع المزيد من التداعيات على صعيد العلاقات بين لبنان وسوريا، من دون ان يسلك الامين ‏العام عمرو موسى لا الخط العسكري الذي كان يسلكه سابقاً جنبلاط او الحريري ولا عبر عنجر ‏التي تعود جنبلاط والحريري وحلفاؤهما المرور عليها في الذهاب من بيروت الى دمشق وفي العودة ‏منها، بل ان مهمة موسى مباشرة بين قصر بعبدا والسراي في لبنان من جهة، وقصر الرئاسة ‏السوري في المهاجرين في دمشق من جهة ثانية.‏‏

ان الامين العام لجامعة الدول العربية المستاء على ما يبدو من المناخ المتشنّج القائم ‏حالياً بين العاصمتين اللبنانية والسورية بفعل الحملات الاعلامية المتبادلة من جهة، ‏والتصريحات العنيفة لبعض المسؤولين والسياسيين سواء كانوا سوريين ام لبنانيين يمكن ان تؤدي ‏لا سمح الله في نظر جامعة الدول العربية وامينها العام الى قرار غير منطقي مثلاً بأغلاق الحدود ‏المشتركة بين سوريا ولبنان وان من جانب واحد كما حصل في الماضي القريب عندما جرى تنفيذ ‏تدابير من الجانب السوري ابطأت حركة الترانزيت العربية بين البلدين والحقت خسائر مادّية لا ‏تحصى بهما وبالمستفيدين من حركة الترانزيت هذه، مما اضطر رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد ‏السنيورة الى تجشُّم مشاق السفر وزيارة العاصمة السورية ومقابلة كبار المسؤولين فيها بهدف ‏التوسط، والطلب من هؤلاء المسؤولين تخفيف تلك الاجراءات التي الحقت خسائر بعشرات الملايين ‏بالتجار وبالمستوردين وبالصناعيين والمزارعين في لبنان وفي سوريا، كما في بلدان عربية ‏تستخدم الحدود اللبنانية السورية طريقاً للترانزيت العربي... فأذا كان الامين العام ‏للجامعة لا يهتم بمثل هذه القضايا والمشاكل التي تقوم بين الدول العربية خصوصاً الجارة ‏منها، فمن تراه يهتم؟!..‏‏

إبان المشاكل التي نشبت بين اللبنانيين والمنظمات الفلسطينية في منتصف السبعينات وكان ‏المرحوم ابو عمار وجماعة الحركة الوطنية يريدون تحويل لبنان وحده الى دولة مواجة، ‏ويريدون إفساح المجال امام الفلسطينيين لاستخدام منطقة جنوب لبنان وحدها، نعم وحدها من ‏دون سائر الدول والاراضي العربية، خصوصاً تلك المحتلة اراضيها من اسرائيل طالب ‏اللبنانيون، خصوصا الدولة اللبنانية بتدويل الوضع اللبناني وباعتبار ما يجري في لبنان ‏مسؤولية عربية ودولية مشتركة فقامت قيامة ابو عمار، وكذلك حليف النائب جنبلاط ومعهما ‏جماعة الحركة الوطنية معارضين التعريب ومعه التدويل وبذلوا جهودا سياسية واعلامية ‏وسياسية مضنية لمنع حصول التدويل والتعريب بهدف ترك لبنان وحده يواجه المؤامرات ‏الاقليمية والدولية التي حيكت ضدّه...‏‏

سبحان الذي يغيّر، ولا يتغيّر!!! فالسيد وليد جنبلاط و"اليساريّون" السابقون واللاحقون من ‏جماعة المدرسة اللينينية والستالينية ايام الاتحاد السوفياتي السيىء الذكر يبدّلون ‏مواقفهم هذه الايام ويتقدمون صفوف المطالبين بالتدويل ولكن من دون التعريب؟! فهم ‏يرحّبون بالوسطاء الدوليين، وخصوصاً الاميركيين والفرنسيين والبريطانيين على اساس ضرورات ‏تدويل الوضع اللبناني، ولكنهم في المقابل يرفضون بقوّة التعريب ومبادرة عمرو موسى الامين ‏العام لجامعة الدول العربية وزيارته الى كل من دمشق وبيروت معتبرين مع النائب سعد ‏الحريري ان ما يقوم به عمرو موسى هدفه محاول انقاذ "المجرمين، والنظام السوري"... ‏‏

في أي حال، وبالفعل فأن ما جرى وما يزال يجري في لبنان منذ السبعينات. هو مسؤولية ‏عربية ودولية وصراع بين دول وانظمة واصحاب مصالح... والذين طالبوا بتدويل الازمة ‏اللبنانية في الماضي، ما زالوا على رأسها اليوم الا وهو ضرورة تدويل الازمة في لبنان وحتى ‏تعريبها لأن ما جرى في الماضي وما يزال يجري اليوم على الساحة اللبنانية والشرق اوسطية ‏هو بالنتيجة من انظمة ودول هدفها ضرب الوحدة اللبنانية والحاق الاذى بها، وتهجير ما تبقى ‏من بعضهم في الوطن... وكما كان الصراع في السبعينات بين اميركا والاتحاد السوفياتي، فان ‏صراع اليوم سنة 2005 هو بين اميركا وحلفائها من جهة، وايران وسوريا من جهة ثانية وإن ‏بدّل حلفاء الامس واعداء اليوم البارودة والكتف التي يحملها...‏‏

الواضح في غمرة هذه المواقف والصراع حولها هو ان الحلف الرباعي انفرط، لانه قام اساساً مع ‏اولئك الذين تعاون معهم في الانتخابات النيابية (القوات والرئيس الجميل، وبقايا قرنة ‏شهوان). من دون الاتفاق مسبقاً على خطة عمل او على برنامج. فانعكس هذا "الانفراط" بعد ‏الوصول الى احتلال مقاعد الاغلبية في مجلس النواب والوزراء، على الحكومة التي يشهد ‏اللبنانيون اليوم فصولاً مأسوية على طاولة مجلس وزرائها، ولعلّ اهم ما يشهده اللبنانيون ‏على هذا الصعيد الفصل المتعلق بالاختلاف على تفسير بنود الدستور، ومحاولة تغطية عجز ‏الحكومة واهمالها، وعدم تحميلها مسؤولية ما جرى ولا يزال يجري في ظل وجودها، ووجود بقايا ‏الاغلبية الفارطة...‏‏

صحيفة الديار23/12/2005‏

2006-10-30