ارشيف من : 2005-2008
نجاد يضرب تحت الحزام
كتب عبد الستار قاسم
تصريحات الرئيس الإيراني الأخيرة بخصوص نقل اليهود الصهاينة إلى أوروبا تعود بقضية إسرائيل إلى المربع الأول الذي ابتدأت به، وهو مربع رفضها وعدم القبول بوجودها في فلسطين. بعد كل هذه الجهود والحروب التي بذلها الغرب وإسرائيل من أجل تطويع العرب والمسلمين وسَوقهم نحو القبول بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها والدفاع عن أمنها، يبرز رئيس دولة إسلامية كبرى يستهتر بكل المنجزات الغربية ويقول إن المسألة ما زالت في حيز القبول بإسرائيل وليس في كيف نقبلها. المشكلة ليست في الضفة الغربية وغزة، وليست في كيفية صياغة اتفاق سلام، وإنما في جذور القضية التي تتمثل في غزو مدعوم غربيا أدى إلى اغتصاب أرض إسلامية مقدسة.
يلاحق الغربيون البرنامج النووي الإيراني، ولا ينبسون ببنت شفة حول إنتاج إسرائيل للقنابل النووية، بل إن بعضهم مثل الولايات المتحدة يرى المبررات الكافية لقيام إسرائيل بإنتاج سلاح نووي. التهديد لإيران يتصاعد، والتلويح بإنزال عقوبات مستمر. ومن ناحية إسرائيل، فهي لا تتوقف عن التهديد بضرب المفاعلات النووية الإيرانية بوسيلة أو بأخرى، وتعتبر أن التطوير النووي الإيراني تهديد لها. وكأن الرئيس الإيراني يرد التهديد بالتذكير. إنه لم يهدد ولم يتوعد، ولم يقل لنا إنه يريد تدمير إسرائيل، أو إنه سيهاجم غدا، لكنه ذكر العالم بأن إسرائيل تقوم على أرض طُرد أهلها، وأنها كيان مغتصب؛ وإذا كان هناك من يعشقها مثل ألمانيا فبإمكانه أن يوفر المكان على حسابه الخاص.
ثارت ثائرة الغرب بسبب هذه التصريحات مثلما ثارت في 26تشرين أول/ ديسمبر2005 عندما دعا الرئيس الإيراني إلى إزالة إسرائيل من الوجود. كره أهل الغرب في بريطانيا وفرنسا وروسيا وبولندا اليهود ونكلوا بهم على مدى قرون فقتلوهم وعذبوهم وطاردوهم وصدّروهم إلى فلسطين. فهل بقيت الكراهية أم أن عشقا لليهود قد تطور مع الزمن؟ إذا بقيت الكراهية، وظني أنها باقية، فبالتأكيد لا يريد الأوروبيون إعادة اليهود إلى أوروبا. وإذا الأمر عشق قد تطور لديهم لإسرائيل فإنهم أيضا لا يتحملون تهديدها.
ذهب الأوروبيون إلى مجلس الأمن للتنديد بأقوال الرئيس الإيراني، واستذكروا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه لا يجوز التشكيك بالمحرقة اليهودية. إنهم يتذكرون القرارات الخاصة باليهود، لكنهم لا يستطيعون تذكر قرار الجمعية العامة الرقم 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين. ازدواجية الأخلاق لا تفارق الساسة الأوروبيين، وفي كثير من الأحيان يثبتون أنهم يمارسون الدعارة الفكرية والانفلاش الأخلاقي. ماذا كانوا سيصنعون (لو) قال الرئيس الإيراني إن من حق الشعب الفلسطيني أن يستعيد وطنه؟ هل كانوا سيصفقون للشرعية الدولية التي تنص بوضوح على عودة اللاجئ إلى بيته وممتلكاته؟ من أجل إسرائيل يصر الأوروبيون على تشريد الفلسطينيين، ويصرون على ملاحقتهم حيثما ثقفوا. إن من يرتضي طرد شعب من وطنه لحساب آخرين، لا يمكن أن تُقبل منه نظرية أخلاقية أو تصريحات إنسانية. الأوروبيون والأميركيون يغرقون بدماء الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين والأردنيين والمصريين والليبيين والإيرانيين والأفغان والسوريين، ولا يملكون حق توزيع الشهادات الأخلاقية.
لم تتلكأ وسائل الإعلام العربية في دعم الموقف الغربي من وراء باب مزاول. لقد ركزت على أن الرئيس الإيراني قليل الخبرة ولا يحكم عقله قبل الإدلاء بتصريحات، ويخرج في كثير من الأحيان عن مقومات الاحتراف الدبلوماسي والمناورة السياسية. إنها تقول إنه ما زال بعقلية الطالب الذي كان شابا مع بداية انتصار الثورة الإيرانية. إنها تحاول بهذا الهروب من تحديد موقف. كأنها تريد أن تقول للرئيس إنه "سارح والناس مروحة"، أي أنه يجدف في الوقت الضائع، وعهد التشكيك بحق إسرائيل في الوجود قد ولّى. تتناسى وسائل الإعلام أن الذين باعوا فلسطين هم الحكام وكبار المثقفين وأصحاب الفن الدبلوماسي؛ أما الطالب والفلاح والعامل فلا يرضون على أنفسهم مد يد لإسرائيل مصافحين. العار يأتينا من ذوي "المقام الرفيع"، أما البسطاء فسيبقى الخير فيهم، ولن تنتصر الأمة إلا بهم. في فلسطين، الذين يفاوضون وينسقون أمنيا مع إسرائيل ويطبعون هم رجالات السلطة والعديد من المثقفين والأكاديميين وأصحاب رؤوس الأموال، أما الفلاح فما يزال يلقي بنفسه تحت عجلات الجرافة الإسرائيلية دفاعا عن الأرض، والطالب ما يزال يحزّم نفسه بالمتفجرات انتقاما وثأرا لدماء شهداء فلسطين. هؤلاء البسطاء الذين لا يفهمون لغة الدبلوماسية ورفاهية الفنادق هم الذين يبقون القضية الفلسطينية على قيد الحياة. ولا أرى أن تلك الفذلكات المخملية قد خدمت أو أنها ستخدم القضية الفلسطينية. هذا لا يعني أننا يجب أن نعود إلى مرحلة الجعجعة، وإنما علينا ألا نفقد قضايانا تحت وطأة "الأسلوب الحضاري" في مقاربة حل المشاكل.
ما العار في دعوة الرئيس الإيراني لتخصيص قطعة أرض لليهود في أوروبا؟ الأوروبيون يعشقون اليهود الإسرائيليين، ومن الأفضل جمع شمل الأحباب؛ أما نحن فنكرههم، والأفضل إبعادهم عنا حتى لا تستمر الحروب. المسألة لا تحتاج إلى عبقرية في التحليل السياسي ولا في فهم تآلف القلوب، وهي عبارة عن جزء من مهام الحياة اليومية التي تصادف الأفراد والجماعات. الأحبة يجتمعون، والبُغضاء يفترقون. أوروبا تدفع ثمنا باهظا لقاء الحروب التي تندلع في المنطقة، وهي تكلف نفسها عناء السفر في كل مرة تريد تقديم الهدايا. ويبقى من المهم أن يكرم العاشق على أحبته مما يملك وليس مما يملك الآخرون.
(*) استاذ جامعي
المصدر: صحيفة السفير 27/ 12/2005
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018