ارشيف من : 2005-2008

المازوت

المازوت

نفّاذة رائحته وهي تعبر فضاء الأنف، لهيبه نار تشبه ضوء الشمس في عزّ الظهيرة، ودفؤها أكثر حنواً من حضن الأم، ودخانه المتصاعد مع الهواء يرسم أجمل اللوحات..‏

انه شيء من الأرض، ومن الخبز ومن حبات المطر.. انه الثلج الذي يكلل الجبال والصقيع الذي يخترق جدران الطين ويحولها الى عوازل واهية.. هو أغصان الأشجار وجذوعها، هو الأحراج التي تتحول إلى جرد.. هو كل شيء في زمن صار فيه الدفء أول المطالب.‏

"المازوت".. وهل في غيره تكتب القصائد، وهل لبطل غيره ترفع البيارق وتلتقي المناطق!‏

"المازوت" هو الحكاية.. حكاية المتعبين في أطراف الوطن الباحثين عن الرغيف، حكاية الكد والتعب الذي تحوله السياسات الزراعية للدولة إلى حصاد لا ثمن له، فيبقى في الحقول التي منها خرج، ويعود الفلاح خاوي الوفاض إلا من فقره وعوزه.‏

في حسابات الأرقام هو عشر ليترات في اليوم، خمس عشرة "تنكة" في الشهر، أكثر من مئة "تنكة" في الموسم (موسم الشتاء في المناطق الداخلية يمتد من منتصف تشرين الأول إلى منتصف نيسان)، أي نحو مليون وثمانمئة ألف ليرة لبنانية يدفعها المواطن عدّاً ونقداً خلال موسم الشتاء في أكثر المناطق اللبنانية.‏

كان شعار التظاهرات المطلبية المتعارف عليه خلال عقود من الزمن "نريد خبزاً"، وكان الكثير من المتظاهرين يعمدون إلى رفع رغيف اختصاراً للمطالب وعنواناً للكثير من الحاجات.. اليوم بات "المازوت" هو عنوان المطالب، و"الغالونات" الفارغة والمواقد الباردة هي الشعار.. فمن حق المواطن قبل الخبز والماء والتعليم والسكن والنقل والعمل أن يشعر بالدفء، ويجد ما يقاوم فيه الصقيع.. أن يجد دولة دافئة تحنو عليه وتتقدم منه لتحتضنه، لا أن تبتعد عنه فتدفعه ليحرق أي شيء يمكنه أن يحدث لهيباً فيتدفأ عليه.‏

أكثر من ألف دولار يدفعها المواطن ثمناً للدفء في سبعة أشهر، ليس مبلغاً كبيراً اذا احتسب الأمر من منظار سلاطين المال، لكن بالنسبة الى من لا يجد عملاً وخبزاً، المشكلة هي: من أين يأتي بثمن "المازوت"، وقد رفعت الحكومة يديها إلى الأعلى معلنة العجز عن التخفيف من كارثة تلمّ بأكثر المواطنين، فتستسلم أمام حقيقة جلية لا تحتاج الى كل المال الذي تستهلكه حقيقة "المونتيفردي"!..‏

ولمن لا يصدق، فليذهب إلى بلدات البقاع من شمال الهرمل الى راشيا، ومن جرود عكار الى جبل لبنان والجنوب حتى شبعا وحاصبيا.. فسيدرك ساعتئذٍ أن الصقيع قد ثار ولا من نار تلجمه.‏

ملاحظة: هذا الملف ليس من اختصاص الملحقين في السفارة الأميركية ليضمّوه في تقاريرهم خلال تجوالهم في مناطق المازوت.‏

أمير قانصوه‏

2006-10-30