ارشيف من : 2005-2008
المتمرد
حين كنا نضحك لدريد لحام في مسلسلاته التلفزيونية او افلامه او مسرحياته، كثيرون لم يلتفتوا الى ان خلف كواليس تلك الضحكة او بين اسطر ذلك الحزن.. الذي يلامس الموقف من قضايا كانت محور اهتمام الشارع يقف شاعر كبير يختصر اسمه ولفافة التبغ التي تحترق بين اصابعه حال العرب على مدى نصف قرن من الزمن.
ليس غريباً ان يكون هذا المتمرد هو محمد الماغوط، الذي كتب على جدران السجون بفحم اسود من عمره، ثم تسكع في الحارات الدمشقية العتيقة، وبات لياليه على ارصفة "وادي المسك"، خاطب الحكام وتهكم على حالهم وارسل "التقرير" الى عموم الناس، وحين وجد ان كل ذلك "احلام" .. صرخ "كاسك يا وطن"، معلناً ان "الحدود" بين حارات الوطن العربي هي "غربة".
ولد الماغوط عام 1934 في مدينة سلمية التابعة لمحافظة حماه السورية، ويعتبر شاعراً واديباً وأحد أهم رواد قصيدة النثر في الوطن العربي، هذا على الرغم من انه في سن الرابعة عشرة، توجه الى دمشق لدراسة الزراعة في مدرسة "خرابو" في الغوطة.. يقول الماغوط عن هذا التحوّل من الزراعة الى الادب: "كنت متفوقاً، لكنني أحسست فجأة أن اختصاصي ليس الحشرات الزراعية، بل الحشرات البشرية".
لم تكن السياسة بشوارعها المختلفة مسرحاً لحركة الماغوط، لكن انتماءه لاحد الاحزاب العربية انذاك قاده مرات ومرات الى السجن، "حصل الأمر دون قناعة تُذكر، ربما كان الفقر سبباً في ذلك، فبالنسبة لفتى يافع وفقير مثلي كنت بحاجة إلى انتماء ما.."، لكن في ظلام السجن البارد وفي منتصف الخمسينيات وجد الماغوط ضالته وكتب "أول حرف متوهج" ومن ثم عمّد معظم نصوصه بالنقد السياسي اللاذع.
اولى قصائده نشرها على صفحات مجلة الاداب البيروتية، "ولأن هذه المجلة لم تنشر لأحد إلا إذا كان اسمه مسبوقاً بلقب كبير، فإنني استعرت لقب دكتور ووضعته أمام اسمي، على الرغم من أنني لم أحصل إلا على الشهادة الابتدائية فقط، من مدرسة داخلية".
كتب الماغوط عشرات القصائد وصدرت في دواوين ونشر بعضها، اضافة الى مقالات كثيرة في الصحف والمجلات العربية، ابرز دواوينه: - حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران، الفرح ليس مهنتي، كما كتب عددا من المسرحيات التي ذاع صيتها ومنها المهرج، ضيعة تشرين، شقائق النعمان، كاسك يا وطن، غربة، وكتب عددا من الاعمال التلفزيونية انتجها التلفزيون السوري ومنها وادي المسك وفيلمان سينمائيان هما الحدود والتقرير.
حتى رحيله قبل ايام لم يمتلك الخوف الماغوط بل هو من امتلكه وتمرد عليه حتى خنقه في قصائده، وهو من قال فيه "إنه الشيء الوحيد الذي أملكه من المحيط الى الخليج! ولديّ في أعماقي "احتياطي" من الخوف أكثر مما عند السعودية وفنزويلا من احتياطي النفط".
امير قانصوه
الانتقاد/ خلف القناع ـ العدد 1156 ـ 7 نيسان/أبريل 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018