ارشيف من : 2005-2008
عودة الشهداء: انتصار الشهادة في زمن المتغيرات
الانتقاد/ مقاومة ـ العدد 1138 ـ2/12/2005
انتصار الشهادة أو شهادة الانتصار, معنى واحد لما عاشه جزء كبير من اللبنانيين يوم الجمعة 25 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي واليوم الذي تلاه. قد يكون الزمن تغير... وربما هناك من يعتقد أنه تغير فعلاً وبشكل كبير، وأن مشاهد العزة والإباء لم تصبح فقط من الماضي، بل باتت ممنوعة!
الجموع التي احتشدت في الناقورة ومجمع سيد الشهداء ـ الرويس وعلى الطرقات المؤدية إلى مساقط رؤوس الشهداء، وسام رضوان بواب ومحمد باقر الموسوي، وعلي شمس الدين فرحات ويوسف بركات كانت حاضرة بقوة لم تغيرها المتغيرات والمتحولات، وكانت منسجمة مع طبيعتها ومع نفسها، مؤكدة ثوابت الشهداء التي بذلوا دماءهم من أجلها.
تلك الأصوات النشاز المشككة بخلفيات وتوقيت مواجهات قرية الغجر بين رجال المقاومة والقوات الصهيونية، تدرك تماماً غربتها وسقوط منطقها أمام عظمة هؤلاء الشهداء الذين جسدوا السيادة والاستقلال والدفاع عنهما، ومارسوا فعل الحرية بأغلى ما يملك الإنسان وهو دمهم الطاهر. وبغض النظر عن أهمية وتأثير أصوات النشاز هذه وحجمها، قالت الحشود كلمتها الحاسمة بشكل قاطع، وواكبت رحلة عودة الشهداء من فلسطين المحتلة، ابتداءً من الناقورة وصولاً إلى بلداتهم وقراهم حيث ووروا الثرى.
المشهد كان مألوفاً... لكنه لم يكن عادياً، وكان غنياً بأبعاده ودلالاته وتعبيراته وحتى عواطفه الجياشة. الظروف غير الطبيعية التي يعيشها لبنان أعطت مزيداً من الصدقية لهذه الشهادة، وذلك الإصرار الفريد على خيار ثابت لا تزلزله المتغيرات.
الرد جاء مدوياً وصارخاً من عوائل الشهداء قبل أن يأتي من سيد المقاومة. لقد أظهرت هذه العوائل سيادية واستقلالية وحرصاً على الوطن... على كل حبة من ترابه، أكثر بكثير ممن يدّعون بأنهم أصحاب "عقول كبيرة".
من قلب الألم ولوعة الفراق الأبدي، آباء وأمهات وشقيقات وأشقاء وضعوا عنواناً لشهادة أبنائهم.
"الدفاع عن لبنان، وعن أرضهم ومنازلهم وعن وجودهم". مواساة أم الشهيد يوسف بركات لأم الشهيد وسام بواب بعد يومين على استشهاد يوسف تختصر كل معاني الإباء والوعي والحس الوطني الكبير الذي يتجاوز الألم الشخصي في سبيل حماية الوطن وحفظه... هو نموذج عن إحساس متجذر لدى كل أمهات الشهداء، وهو إدراك يتجاوز مقدرة سياسيين كبار يتبجحون بالوطنية والسيادة!
عودة عزيزة لشهداء حماية الوطن، تلك كانت الصورة، وهي لا يمكن أن تكون غير ذلك كما مع كل استعادة لجثث الشهداء. هو الإصرار نفسه على استعادة جثث الشهداء. تحققت نتيجة الإصرار وفي وقت سريع.
خفقات القلب ضجت شوقاً عند الصباح. عيون شاخصة كما القلوب، قبلتها الجنوب، وعند آخر نقطة على الحدود مع فلسطين المحتلة عند معبر الناقورة. اصطف هناك المجاهدون لاستقبال إخوتهم الشهداء. أدوا لهم التحية العسكرية. الأمهات هناك أيضاً، نثرن الأرز والورود والرياحين والدموع.
وبعض من الوقت للشهداء القادمين من فلسطين، ومن هناك تبدأ المسيرة بعد التحية والأكاليل لينطلق الموكب إلى بيروت إلى مجمع الشهداء.
وفي الطريق إلى بيروت، لا بد من المرور في صيداً التي أبت إلا أن تستقبل الشهداء استقبالاً لائقاً لمن يليق الوطن بهم. محطة أولى غنية الدلالات. جمع من العلماء والشخصيات الصيداوية تقدموا الأهالي، وزفوا الشهداء في عرسهم. وتأكيد العزم على الثبات على خيار صيدا القديم مع المقاومة.
ومضى الموكب إلى مجمع سيد الشهداء(ع) ... المنتظرون هناك يتساءلون عن التأخير. السبب استقبالات غير متوقعة في خلدة وازدحام آخر الموكب الكبير.
سيد المقاومة من على المنبر يدوي صوته بمواقف حاسمة وحازمة مليئة بالرسائل للعدو "يجب ان يفهم الاسرائيلي وكل العالم أن المقاومة الاسلامية في لبنان هي نفسها، وحزب الله هو نفسه، في شجاعته وصلابته وإرادته وعزمه على حماية الوطن مهما كانت التضحيات"، وانتقاد لاذع منه للمشككين بخلفيات وتوقيت المواجهات "نحن أشرف وأنقى وأخلص وأكبر من أن يجرؤ احد على اتهامنا في خلفيتنا الوطنية"، وتحديد أهداف أقلقت الإسرائيلي وشغلت باله "ان من حقنا الطبيعي ان نأسر جنوداً اسرائيليين بل من واجبنا ان نفعل ذلك".
دوت صفارات سيارات الإسعاف التابعة للهيئة الصحية الإسلامية إيذاناً بوصول الشهداء. لحظات من الصمت المهيب ... الترتيبات الأخيرة قائمة لإدخال الشهداء بعد استئذان السيد.
ودخل الشهداء على أكف رفاقهم واختلط الدمع بالورد مرة أخرى... لحظة من السكون. تقدم السيد وخلفه الشخصيات الرسمية والنيابية والسياسية الحشد الكبير ليؤم الصلاة عن أرواح الشهداء.
بعدها ينطلق المشيعون من مجمع سيد الشهداء في موكب مهيب، يخترق شوارع بئر العبد، ويتقدمه فرقة من كشافة المهدي (عج) عازفة لحن التعظيم. وخلفها سارت جماهير المقاومة، ونثرت النسوة من الشرفات الأرز والرياحين حتى ابيض الطريق من كثافة الأرز، وتسابق رفاق السلاح لملامسة النعوش وتقبيلها، والهتاف للمقاومة وسيدها..
مروان عبد الساتر
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018