ارشيف من : 2005-2008
موضوع الغلاف / الفتنة الأميركية التكفيرية : تدمير المقامات .. لتفتيت الأمة
لبّى عشرات الآلاف من المسلمين دعوة حزب الله الى المشاركة في الاعتصام تنديداً بالاعتداء الآثم على مقام الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (ع) في ملعب الراية في الضاحية الجنوبية.
الملعب نفسه والشوارع المحيطة به التي احتضنت قبل أسبوعين محبي الإمام الحسين (ع) في يوم العاشر من المحرم، عادت واحتضنت المحبين إياهم الذين رددوا الهتافات المنددة بالجريمة النكراء التي تعرض لها مقام حفيدي الرسول (ص)، ولمّا يجفّ حبر الرسوم المسيئة للرسول الأكرم (ص) من قبل بعض الصحف الغربية. وقد تكرر المشهد العاشورائي ذاته من حيث كثافة الحشود ورفع القبضات الغاضبة والمنددة، والهتافات الساخطة على المجرمين.
رفع المعتصمون العديد من الهتافات المنددة بالجريمة النكراء، وشعار "لا سنّيّة لا شيعية وحدة وحدة إسلامية"، و"الموت لأميركا"، و"الموت لإسرائيل"، و"لبيك يا رسول الله"، و"هيهات منّا الذلة".
الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله أطل على المعتصمين وألقى كلمة مهمة تناولت الحدث الجلل في إطاره الإسلامي العام، كما تطرق إلى الشؤون المحلية اللبنانية.
وشدد السيد نصر الله على التمسك بالوحدة الإسلامية ووأد الفتنة، محدداً ثلاثة مستفيدين من الاعتداء الآثم: أولهم الإدارة الأميركية، وثانيهم التكفيريون، وثالثهم الصهاينة.
وحذر الأمة الإسلامية من المخططات التي تهدف إلى صرف النظر عن الرسوم المسيئة للرسول الأكرم (ص).
وفي الاتجاه الداخلي شدد السيد نصر الله على اعتماد لغة الحوار والتفاهم بعيداً عن لغة التحريض وتأجيج التجاذبات، مؤكداً مشاركة حزب الله في الحوار الذي دعا إليه رئيس مجلس النواب نبيه بري برغم الإساءة والظلم الذي تعرض له حزب الله.
وانتقد سماحته زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كونداليسا رايس إلى بيروت ومواقفها المتعلقة بالقرار 1559 والمطالبة بنزع سلاح حزب الله، وسأل: من سينزع هذا السلاح؟
بعد آيات بينات من القرآن الكريم وزيارة الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (ع)، تحدث السيد نصر الله فقال: "في بيت من بيوت الله التي لطالما قام فيها رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإتيان الزكاة، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب الأبصار، في هذا البيت قامت قبة ومآذن، وبالأمس كان هذا البيت الشريف والمبارك الذي يحوي أجساد رجلين عظيمين كبيرين من رجال الله العظماء، يتعرض للتدمير وللتدنيس وللإهانة وللاعتداء. هذا أدمى قلوبنا وعيوننا وأحزن نفوسنا، إنه في مثل هذا العصر بعد مئات من السنين يتعرض مقام مقدس لاعتداء وإجرام ووحشية من هذا النوع، إنما يعبر عن طبيعة الفاعلين ونفسيتهم ووحشيتهم وإجرامهم".
وبعد التوجه بالتعزية إلى صاحب الزمان وإلى كل المسلمين في العالم قال: "في هذه المناسبة الأليمة لا بد من وقفة مع العاطفة، مع الروح والقلب الدامي، ولا بد من وقفة أيضاً مع العقل ومع الحكمة والمسؤولية لنتطلع ونفهم ما جرى، ولنعرف العدو من الصديق، ولنوضح ونرسم معالم الطريق التي يجب أن نسلكها، والتي فيها لله رضا ولمحمد (ص) سعادة وبهجة في عالمه الآخر".
ثلاثة مستفيدين
وأضاف: "هناك للوهلة الأولى ثلاثة مستفدين: أولا الاحتلال الأميركي للعراق، الإدارة الأميركية التي تريد تكريس احتلالها من خلال تثبيت وإِشعال الفتنة الطائفية والمذهبية والعرقية بين صفوف الشعب العراقي ليشعر الجميع بأن ضمانتهم الأمنية والسياسية هي قوات الاحتلال.. ليشعر الشيعة في العراق بأن ضمانتهم وحمايتهم تتمثل وتتجسد في قوات الاحتلال الأميركي، وليشعر السنة في العراق بأن حمايتهم إنما تتجسد في قوات الاحتلال.. الشرطة والجيش هما طرفان في الفتن.. هكذا يراد أن يصور الوضع، والمطلوب أن تفلت الأمور بشكل كامل في الساحة العراقية ليقف الجميع ويقول لا بد من استقرار الاحتلال، ولا بد من الإصغاء إليه. هذه هي المصلحة الأميركية الأكيدة، وخصوصاً أن الشعب العراقي بأغلبيته الساحقة لجأ إلى جانب خيار المقاومة الذي يؤمن به بعض العراقيين بمختلف الطوائف والعرقيات. لجأوا إلى العملية السياسية، وشاركوا في الانتخابات النيابية، بل ان نسبة المشاركة السنية في الانتخابات الأخيرة فاقت المشاركة الشيعية، ولم يصغ السنة في العراق إلى نداءات التكفير التي تكفر من يشارك في الانتخابات، أو التي تكفر من يدعو إلى هذه المشاركة. أخذ السنة في العراق خيارهم وشارك الجميع في العملية السياسية ونتج مجلس سياسي منتخب يمثل بنسبة كبيرة الشعب العراق".
وأردف قائلاً: "العراقيون الآن أمام استحقاق تشكيل حكومة نابعة من إرادتهم، والأميركي يريد أن يفرض حكومة على الشعب العراقي لا تنسجم مع إرادته ومع مصالحه. الأميركي خائف من أن تتزايد الأصوات في المجلس النيابي وفي الشارع العراقي التي تطالب برحيله، وهي كانت تزداد وتزداد في الآونة الأخيرة. ما يمنع العراقيين من أن يطالبوا برحيل قوات الاحتلال هو فقدان الأمن والفتنة والاقتتال الداخلي.
ثانياً: المستفيد الثاني أصحاب الاتجاه التفكيري الذي يدعو الى القتل. هؤلاء مشروعهم الحقيقي في العراق إحداث حرب أهلية بين الشيعة والسنة.. وأنا لا أفتري عليهم، هم يعلنون ذلك، وهذا موجود على مواقع الانترنت وفي تسجيلاتهم وغيرها. هؤلاء يعرفون ان تفجير مقام شريف ومقدس من هذا النوع بعد تراكم الأوضاع النفسية والآلام التي أحدثتها عملياتهم الانتحارية التي استهدفت المساجد والحسينيات والكنائس والأسواق والمطاعم، تأتي ذروة الاستهداف في تدمير قبة الإمامين العسكريين لتشعل نار الفتنة في العراق، وليتحقق مشروعهم في حرب أهلية شيعية سنية. وهؤلاء في خدمة الاحتلال قطعاً، سواء أكانوا متصلين به عضوياً وعملياً أو غير متصلين، ولكنهم بأعمالهم وحماقتهم وإجرامهم وحقدهم يخدمون عدو هذه الأمة ويلحقون بأمتهم أفدح الأضرار.
ثالثاً: الصهاينة الموجودون في شمال العراق وفي أكثر من مدينة عراقية، وفي غطاء مختلف وفي عناوين مختلفة.
وقال: إن وجه استفادة "إسرائيل" من هذه الأحداث جانبان على الأقل: الأول تدمير العراق، أنا دائماً كنت أقول ان المشروع الأميركي قد يكون السيطرة على العراق أو تقسيمه أو نهبه. أما المشروع الصهيوني فهو تدمير العراق، وأن لا يبقى فيه حجر على حجر ولا بشر مع بشر.
من هو المتضرر
وثانياً: هل المطلوب أن يساء إلى رسول الله ويسكت العالم، ثم يصبح هذا الأمر عادياً غداً وبعد غد، لنتعود على الإساءة؟! إذا كانت الإساءة الأولى استلزمت حضوراً وصراخاً وتهديداً فهل سوف نجد انفعالا عند الأمة في الإساءات الآتية على هذا المنوال نفسه؟ هل المطلوب أن يصبح خبر تهديم وتفجير القبب والمساجد والمآذن أمراً عادياً لدى المسلمين؟ الخطر أين؟ هل أصبح أمرا عادياً ومألوفاً؟ هذا بالتحديد تخطيط صهيوني لتعتاد الأمة على أن تُدمر قبابها ومآذنها ومقاماتها الشريفة! هل يسهل على الأمة أن تتقبل يوماً أن يدمر فيه اليهود الصهاينة مسجدها الأقصى؟
ثانياً: من هو المتضرر
أولاً: المسلمون الشيعة، لأنه تم النيل من مقدساتهم وكرامتهم.
ثانياً: المسلمون السنة، لأن هذا التفجير وضعهم في موضع الاتهام وعرضهم لبعض ردود الفعل غير المرتبطة وغير المطيعة للمرجعية الدينية. والمسلمون الشيعة والمسلمون السنة معا لأن هذه الأفعال تضعهم في دائرة الفتنة التي يخسر فيها الجميع. والمتضرر أيضاً العراق كله، وكل العالمين العربي والإسلامي. اذاً من الذي يقدم على هذه العملية؟ المستفيد أم المتضرر؟ نحن في التعاطي مع هذا المقام الجلل، مدعوّون للتعبير معاً عن حزننا وألمنا وغضبنا وسخطنا، لكن بشكل سلمي كما دعت إليه المرجعيات الدينية في النجف الأشرف، وكما دعا اليه سماحة الإمام القائد (دام ظله)، وهذا أولاً.. وثانياً عدم توجيه الاتهام الى إخواننا أهل السنة، لماذا؟ مدينة سامراء التي تحتضن مقام الإمامين العسكريين هي منذ البداية وعبر مئات السنين كانت وما زالت مدينة سنيّة، ولم يحصل هذا التفجير وهذا الاعتداء.. هذه ليست مسألة تعني أهل السنّة وأهل سامراء، هذان المقامان الشريفان يعنيان الكثير من أهل سامراء، هذا من جهة، ومن جهة ثانية ما هي مصلحة أهل سامراء في ذلك؟ ما هي مصلحة سنّة العراق في ذلك؟ في هذه النقطة يجب أن نكون واضحين وحاسمين، لا يجوز إطلاق الاتهامات وتحريض الناس وإن كانت المناخات سلبية في الإطار الأشمل والأوسع في الدائرة الشيعية والسنية، لأن هذا يخدم أميركا و"اسرائيل" والتكفيريين الذين سيكونون سعداء عندما يقتل السني شيعياً والشيعي سنياً، وعندما يهدم الشيعي مسجداً او يهدم السني مسجداً. يجب ان نفوت هذه الفرصة عليهم، ويجب حصر التهمة بالمستفيد الحقيقي من هذا الاعتداء الإجرامي، أي الاحتلال الأميركي بعملائه المباشرين وبالتكفيريين القتلة الذين يلتزم هذا العمل مع سلوكهم وطريقة تفكيرهم ومعالجتهم للمسائل بعدما فعلوه سابقاً بالمساجد والحسينيات والكنائس وقتلوا النساء والأطفال. من يفعل كل هذه الجرائم يقدم على جريمة من مستوى الذي حصل يوم أمس. التهمة موجهة الى هؤلاء بالتحديد، الى الأميركي وعملائه والتكفيريين القتلة القتالين، وباتجاه هؤلاء يجب ان يكون سخطنا وغضبنا ويقف عند هذه الحدود، أما بقية الناس فلا ذنب لهم ولا جرم لهم.
وقال: إنني باسمكم جميعاً نتوجه الى إخواننا وأحبائنا في العراق وندعوهم الى الصبر والتحمل كما صبر نبيهم وأئمتهم (ع)، على مبدأ أننا أتباع أوفياء لأولئك الصابرين المحتسبين. يجب ان نمشي في مسيرة الصبر على خطاهم، ويجب ان نتذكر ونسترشد بقول مرجعياتنا الدينية التي لا تخاف في الله لومة لائم، ولا تخاف غضب الجماهير ولا سخطها ولا تخلي الساحة.. يجب ان نتذكر أن دم المسلم على المسلم حرام، وأن ماله وعرضه حرام، وبالتالي أياً يكن غضبنا وسخطنا في العراق وفي لبنان وفي أي مكان من العالم، هذا لا يسمح لنا على الإطلاق ـ لا ديننا ولا نبينا ولا أئمتنا ولا انتماؤنا ولا تاريخنا ـ بأن نتجاوز حدود الله سبحانه وتعالى.
أنظروا ايه الاخوة والاخوات إلى إمامكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان يقول: والله لو أعطيت الأقاليم السبع بما فوقهن وما تحتهن على أن أعصيَ الله في نملة أسلبها جُلْبَ شعيرة ما فعلت، هذا إمامكم علي بن أبي طالب الذي يرفض أن يظلم نملة يسلبها جلب شعيرة، أمّا نحن أتباعه والذين نفتخر بأننا نتشيع له، فيجب أن نكون أشد التزاما بدين نبيه ورسوله محمد صلّى الله عليه وآله وسلم.
إنهم يريدون أن يضعونا في كل مكان على خط زلزال الفتنة، ونحن هنا في لبنان أيضا مدعوّون جميعا شيعة وسنة أياً تكن الآلام والأخطاء والأحزان أو الجرائم التي ترتكب في العراق، لا يجوز أن تنعكس هنا في بلدنا، ولا يجوز أن نسمح لمندس أو سفيه أو مجنون أو عميل ليلعب في ساحتنا، مهما حصل في العراق. الشيعة والسنة في لبنان سيكونون معاً موحدين متلاحمين يوجهون نداء الوحدة لإخوانهم في العراق ويبذلون كل جهد، لأنّ الصحيح هو مواجهة وإطفاء الفتنة في أضيق دائرة.. من يعمل على توسيع الفتنة هو خائن لله ورسوله ولآل بيت رسوله وصحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
في هذه المناسبة الأليمة نتوجه بالتحية والتقدير لمرجعياتنا الدينية في النجف الأشرف وإلى القيادات السياسية والوطنية في العراق عموما التي تعاطت مع الأحداث الأليمة بالحكمة والشجاعة المطلوبة والمسؤولية المطلوبة، ونناشدهم باسم الشيعة والسنة في لبنان، وأستطيع أن أقول باسم الشيعة والسنة في كل العالم، أن يستوعبوا هذه المحنة وأن يَئدوا الفتنة في مهدها، لأنّ في هذا رضا لله ولرسوله.
يريدون أن يأخذونا إلى ساحة أخرى، بالتأكيد قد أذهلهم منظر المسلمين المتوحدين في كل العالم في الدفاع عن نبيهم، يريدون أن نترك تلك الساحة وأن ننشغل ببعضنا وأن ننسى نبينا ونتقاتل في موقع آخر.. نداؤنا يجب أن يكون في لبنان وفي العراق وفي فلسطين وعلى امتداد العالم العربي والإسلامي، وليفهم هؤلاء أيّاً تكن الآلام التي أصابتنا في العراق والتي تصيبنا جميعا، لن ننسى الدفاع عن نبينا (ص)، وسنتابع مسيرة الدفاع عن نبينا (ص) ليبقى الشعار الأعلى والأول "لبيك يا رسول الله".
أيها الإخوة والأخوات، ما جرى في مدينة سامراء هو استكمال للحملة التي بدأت من الرسوم المسيئة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في الدنمارك، نحن كأمة موضوعون على خط الفتن، الإمام الخامئني قال وكان واضحاً وصريحاً: الصهاينة يقفون وراء الرسوم المسيئة ويريدون إحداث الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في العالم. وبالأمس الأميركيون والصهاينة والحمقى أرادوا أن يضعوا الأمة على خط آخر للفتنة في مدينة سامراء.
في مسألة الرسوم المسيئة، حتّى الآن لم تُختم ولم تحسم هذه المسألة، وبدأ التخطيط لتنسى الأمة، فلا اعتذار ولا قوانين أوروبية أو دولية تحول مستقبلا دون أن يُسَاء إلى نبينا أو إلى أنبياء الله، وكل ذلك بحجة الحفاظ على حرية الرأي والتعبير! وأنا أقول لكم وللأمة: يجب أن تتابع هذه القضية حتى يعتذر هؤلاء، وحتى تُسَن القوانين المطلوبة، لا يجوز لهذه الأمة أن تخون نبيها مهما طال الزمن ومهما كانت التضحيات، هكذا في مسألة الحرية نواجه ازدواجية المعايير.
وكذلك في مسألة الديمقراطية نواجه ازدواجية المعايير لينكشف من جديد نفاق الأميركيين، في هذه الأيام تزور منطقتنا واليوم زار بلدنا وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية، عندما نستمع إلى السيدة رايس في بيروت تجاوب عن كل الأسئلة:
ـ ما رأيك بالاستحقاق الرئاسي؟ تجيب: الشعب اللبناني يقرر.
ـ ما رأيكم بالتطورات؟ تجيب: الشعب اللبناني يقرر. والله أوادم وديمقراطيين!! وتشيد بالديمقراطية اللبنانية.
كونداليزا رايس في لبنان تشيد بالديمقراطية اللبنانية. عندما تأتي إلى السعودية ومصر تريد أن تمارس شتّى الضغوط على الدول العربية لمحاصرة حماس المنتخبة ديمقراطيا، الديمقراطية في فلسطين عندما تأتي نتائجها كما جاءت تحاصر وتحارب وتجوع ويوضع الشعب الفلسطيني أمام خيارين: إمّا الجوع أو الفتنة بين حماس وفتح أو بين حماس وبقية الفصائل، هذه هي كونداليزا رايس. في لبنان تشيد رايس بالديمقراطية، وأنا أسأل: لو حصلت انتخابات مبكرة أو بعد ثلاث سنوات حصلت انتخابات وجاءت بأكثرية ما لا تحسبها الإدارة الأميركية موالية لها أو صديقة لها أو متعاونة معها، هل سنسمع ترحيبا بالديمقراطية اللبنانية أم ستكون الديمقراطية اللبنانية مزورة وملفقة وديمقراطية إرهابية؟
وفي العراق أيضا الشعب العراقي انتخب ممثليه إلى مجلس النواب وسقطت الكثير من اللوائح التي دعمها الأميركيون المحتلون بالإعلام وبمليارات الدولارات، هل يسمح الأميركيون للعراقيين بأن يبنوا مؤسساتهم؟ وهل يسمحون لمؤسسات العراق المنتخبة بأن تحكم؟
هنا في لبنان تقف رايس لتقول إنّهم لا يتدخلون والشعب اللبناني يقرر، وهناك في العراق زلماي خليل زاد يقف ويقول ويضع شروطا وضوابط وموانع لتشكيل الحكومة العراقية.. يتدخلون في تشكيل الحكومة العراقية وفي الانتخابات ويمسكون بالأمن والعسكر ويمنعون الحكومة المنتخبة شعبيا وديمقراطيا من ممارسة سلطتها، ثمّ بكل وقاحة يقف من زلماي خليل زاد إلى وولش إلى كونداليزا رايس إلى رامسفيلد إلى تشيني إلى بوش ويطلبون من دول الجوار وتحديدا من سوريا وإيران أن لا يتدخلوا في الشؤون العراقية الداخلية! هل وجدتم مستعمرا ومحتلا أوقح من الأميركيين؟ هل ستوافق لو طلبت غالبية أعضاء المجلس النيابي العراقي خروج قوات الاحتلال من العراق، هل ستخرج وتخضع لإرادة ممثلي الشعب العراقي؟ أبدا..
لا يجوز أن ينطلي خداع أميركا وشيطنة وتلبيسات وَوَسْوَسات أميركا، في العراق ولبنان وفلسطين وفي كل مكان ليس لنا خيار سوى وحدتنا الوطنية واللجوء والاعتماد على إرادة شعبنا وإرادتنا الوطنية الواحدة وخياراتنا الوطنية في كل بلد، لا يجوز أن نراهن إلا على تلاقينا الوطني، أمّا أؤلئك الآتون من خلف البحار فهم آتون لينهبوا ثرواتنا وليسرقوا أسواقنا وليتحكموا برقابنا وليستعبدونا، ولكن بشكل حضاري جديد.
أعود إلى لبنان، بعد كل الذي جرى وأنا أتسلح بكم وبحشدكم الكبير الذي لبّى خلال ساعات قليلة، أدعو في لبنان بعد كل الخطابات النارية وبعد أن قال كلٌ ما عنده من أفكار وآراء ومواقف ومن شتائم أيضا، استنفد القاموس ولم يعد هناك من "مسبّات" لم تُقَلْ، الوضع في لبنان لا يحتمل كما هو الوضع في المنطقة، أدعو إلى الهدوء وإلى التهدئة وإلى تخفيف حدة الخطاب السياسي.. سيقال إننا ندعو إلى ذلك لأنّ هناك مشروعا لدى بعض قوى 14 آذار للإطاحة برئيس الجمهورية، كلا، أنا أتحدث على المستوى الوطني، ليسمعوني جيداً، لا يمكن لأحد أن يستند إلى شارع خاص ثم يقول إنني من خلال هذا الشارع أريد أن أفرض إرادتي على كل اللبنانيين، هذا غير منطقي. لا يمكن لأحد من أجل أن يفرض خياراته على الآخرين أن يلجأ إلى الشارع، هذا أمر خطير على المستوى الوطني. أقول بوضوح وصراحة لا نحن ولا هم ولا أحد في لبنان يمكن أن ينجح في أي استحقاق من الاستحقاقات الحالية أو القادمة إلاّ على قاعدة الوفاق الوطني وعلى قاعدة الحوار والتوافق.
الذي يظن أنه يستطيع أن يلجأ إلى الشارع ليفرض خياراته في أي معركة من المعارك السياسية في لبنان فهو مخطىء وفاشل في نهاية المطاف.
هناك طاولة للحوار ـ قبل جمعتين وصّوا عليها بس أمس شفناها بالتلفزيون ـ من يرد مصلحة لبنان ومن يرد أن لا يضع لبنان أمام المأزق ومن يرد إخراج لبنان من التوترات السياسية والشعبية تمهيدا لبناء الدولة ومعالجة الوضع الاقتصادي الاجتماعي ومواجهة بقية الاستحقاقات الوطنية، يجب أن يأتي إلى طاولة الحوار، من يرفض المجيء ويضع شروطا مسبقة للمجيء إلى طاولة الحوار ما زالت تتحكم فيه عقلية الغَلَبَة.. وأقول لهم إن عقل الغلبة سيفشل في لبنان، لا مكان في لبنان لمنطق الغالب والمغلوب، المنطق الطبيعي والسلوك الوطني الطبيعي: تفضلوا إلى طاولة الحوار.. إذا "كان فيه حدا زعلان ويحق له أن لا يأتي إلى طاولة الحوار هو نحن"، لأنه أسيء إلينا وظُلمنا وتم التجرؤ علينا ونحن لم نرتكب خطأ ولا خطيئة، وأنا أتعمد وأصر على هذا المعنى، ومع ذلك ومن أجل المصلحة الوطنية نحن نتجاوز كل الأخطاء وكل الخطايا وكل الحساسيات ونقول تعالوا لنجلس إلى هذه الطاولة.
يؤسفني أن أقول، ولكن يجب أن أقول، أنا أعرف مشاعركم وأعرف مشاعر كل إخواننا وأخواتنا، حتى كوادر الصف الأول في حزب الله كانوا يناقشونني في الأيام الماضية ويقولون: نحن لا نتصور كيف ستجلس أنت بعمامتك وعباءتك على هذه الطاولة، فليذهب أحد آخر.. لكن نحن من أجل المصلحة الوطنية ولأنّ الطريق الوحيد لخروج لبنان من معاناته وآلامه ومصائبه هو الحوار، نحن ذاهبون إلى الحوار وسنتجاوز كل حساسية وكل اعتبار، وهذا هو الطريق، أما الطرق الأخرى إلى أين يريدون أخذ هذا البلد؟ وإلى أين يريدون الوصول بهذا البلد؟..
على كل حال يجب أن ننتظر الليلة وغدا ثمار وبركات الزيارة الكريمة للسيدة رايس إلى بيروت، ليس مهماً ما قالته في مؤتمراتها الصحافية، المهم ما قالته في جلساتها مع المسؤولين.. نعم برغم كل التحفظ والوجه الذي حاولت أن تظهر به كديمقراطية، إلاّ أنها لم تخفِ أن على لبنان أن يطبق القرار 1559 وأن ينزع سلاح حزب الله.
من سينزع سلاح حزب الله؟ بدل أن توظّف أميركا من أجل "إسرائيل" الانقسامات اللبنانية والحساسيات اللبنانية وتقوم باستهداف هذا السلاح، وبدل أن توظف الدولة ومؤسساتها لاستهداف هذا السلاح، فلتتفضل القوات الأميركية ولتأتِ إلى البحر المتوسط ولتنزل على شواطئنا ولتنزع هذا السلاح.. تريد كونداليزا رايس أن يكون الدم اللبناني دفاعا وحماية لـ"إسرائيل" كما تطلب أن يكون الدم الفلسطيني حماية ودفاعا عن "إسرائيل"، وهذا الأمر لا يجوز أن يقدمه أحد لها في لبنان.. لم أعرف حتى هذه اللحظة ما جرى في الجلسات، ولكن هناك كلمة صغيرة أثارت فينا بعض الفضول ونأمل أن تتضح الصورة: عندما يقف أحد المسؤولين إلى جوار كونداليزا رايس ـ وبالمناسبة نحن نحترم هذا المسؤول ونقدر له العديد من مواقفه ـ وعندما يقدم السيدة رايس لتتكلم، يتحدث عن صبرها! على ماذا تصبر كونداليزا رايس؟ وما هو هذا الصبر الذي يجب أن نتوجه كلبنانيين لنشكرها عليه؟! هل طلبت منّا أن ننزع سلاح المقاومة وسلاح المخيمات وأن نفعل بالفلسطينيين الأفاعيل، فقلنا لها لا نستطيع أن نفعل ذلك، فقبلت أن تصبر؟! على ماذا صبرت كونداليزا رايس لنشكرها؟ هذا سؤال.. وعلى كل حال سنعرف ونحن شركاء ـ على ما يقال ـ في هذا البلد وفي إدارة هذا البلد.. أيها الإخوة والأخوات، هذا هو الخيار الطبيعي الذي نرسم من خلاله المستقبل، الحوار وطاولة الحوار والتفاوض والتلاقي والنقاش واستبعاد الشارع، هذه هي المصلحة الوطنية وهذا ما تقتضيه المصلحة الوطنية.
وختم السيد نصر الله: أعود إلى سامراء عند أعتاب الإمامين العسكريين لأختم بالجريمة وأميركا، لقد سمعنا بالأمس ـ وتصوروا الوقاحة ـ جورج بوش يقول إنّ الشعب الأميركي حاضر لإعادة بناء مقام الإمامين العسكريين، هل يوجد قاتل ومجرم وسفاك ومفسد بهذه الوقاحة! أقول للسيد بوش: لا تدمروا مقدساتنا ولا تعيدوا بناءها، أنتم الذين تدمرون المقدسات، من تخادعون؟ وعلى من تضحكون؟ نحن المسلمون أبناء الشيعة والسنة نعيد بناء مقدساتنا بأموالنا، نحن بدمائنا نحرر أوطاننا وبسواعدنا المتشابكة نحفظ وحدة أمتنا وندافع عن نبينا ونرفض الفتنة.
الانتقاد/ موضوع الغلاف ـ العدد 1150 ـ 24 شباط/فبراير 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018