ارشيف من : 2005-2008
قراءة سيكولوجية لأحداث الشغب الفرنسية :مكبوت الجيل الأول يحل في الجيل الثالث
كتب عدنان حب الله في صحيفة "النهار" 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2005
تشهد فرنسا حاليا موجة من العنف عمّت أكثر المدن الكبرى وبات الفرنسي حائراً ومعه العالم؛ كيف يمكن أن يحصل ذلك علماً أن النظام الديموقراطي إذا كانت له أهمية وتبنته أكثر الدول المتحضرة فليس إلاّ لكونه قادراً على امتصاص الخلافات والحيلولة دون تحوّلها عنفاً متفجراً.
نظرة أفقية إلى المشهد الفرنسي تبيّن لنا أن هذه الشريحة الاجتماعية المتفجرة مقتصرة على مجموعة إثنية من المهاجرين المغاربة تجمعت في فرنسا منذ أكثر من أربعين سنة لأسباب اقتصادية استدعتها الحاجة الفرنسية للأيدي العاملة الرخيصة، إضافة إلى الحقبة الاستعمارية التي جعلت من فرنسا ملاذاً طبيعياً لكل لاجىء أو طالب عمل نظراً إلى أن هذا الاستعمار رغم زواله المرئي لا يزال يحتفظ بجذوره الثقافية والاقتصادية.
ورغم محاولات الدمج التي بذلتها الحكومة الفرنسية طوال العشرين سنة الماضية والتي باءت بالفشل، فإننا شاهدنا ان الفجوة التي تفرق بين الشعب الأصيل والمتفرنس بالضرورة لا تزال قائمة إن لم تكن تعمقت بفضل النزعات القومية والعرقية والدينية.
في فرنسا يعيش ما لا يقل عن خمسة ملايين مسلم معظمهم في أحزمة تطوّق كل مدن فرنسا الكبيرة انطلاقا من باريس. وهذا التجمع السكاني أضحى بحكم التباعد الإثني أشبه بمكب نفايات بشرية وظيفتها مقتصرة على خدمة سكان المدينة والقوقعة على ذاتها في المساء. وهذا التباعد تحول عداءً، ينظر من خلاله كل طرف إلى الآخر بريبة بسبب التفاوت الاجتماعي من ناحية والانتماء من ناحية أخرى.
الفرنسي يحتفظ بالفوقية بسبب أصالته القومية، والأجنبي بدونيته بسبب انتماءه الديني.
دون تهميش العامل الاقتصادي الذي كتب عنه الكثير، أجد من الضرورة التركيز على عامل الهوية لأن أزمة من هذا النوع قادرة أن تفجر شتى أنواع العنف- الوجود مرتهن بالهوية، فالانتماء يعطي معنى للبعد التاريخي في الحاضر وفي تصور المستقبل.
لذلك إذا فقد الإنسان هويته يفقد في آن واحد معنى وجوده ومكانته في هذا العالم.
فدعوة الناس إلى الكراهية أسهل بكثير من دعوتهم إلى الحب، لأن الأولى تطاول الغرائز أما الثانية فهي تناشد الحقل الثقافي.
في المقابل، نرى ان المهاجر ليس فقط غير مرغوب به إنما استدرج إلى الاستغلال لأن فرص العمل اقتصرت على المجالات الدونية، فتساوى المهاجرون في وحدة شاملة تجمع بين ما هو مكروه من اختلافه وما هو مكروه أو قذر في مجال العمل. أي أنه يجمع في آن واحد ما هو منبوذ وما هو نفاية مما يعزز الشعور الفرنسي بنقاوته. لذلك نرى أن كل الأعمال النبيلة أو التقنية كانت مغلقة أمام المغاربة رغم تمتع بعضهم بالكفايات.
عندما نحول الأنظار إلى العالم الغربي نجد أن الانتماء القومي بفضل الإتحاد الأوروبي قد تعدى حدوده اللغوية والثقافية والجغرافية لكي يذوب في هوية أوروبية تختفي فيها خصوصيته المميزة؛ وهذا ما رفضه المجتمع الفرنسي في الاستفتاء الأخير.
هذا النكوص لا بد أن يعزز النزعة النرجسية التي تميز التفاخر القومي وبالضرورة رفض كل ما هو مغاير أو ما هو بربري (حسب المعنى الإغريقي للأجنبي). وقد يُسقط على الغريب كل مساوىء المجتمع وعيوبه كي يحافظ على تماسكه ووحدته؛ وما يدعو إلى ذلك هو أنه كلما ظهر تفكك ما في البنية الاجتماعية تظهر دعوة إلى الوحدة مبنية على كراهية الآخر الغريب- وهذه كانت دائماً دعوة جان ماري لوبن عندما دعى إلى الوحدة الوطنية من طريق الكراهية للآخر بدلاً من الحب.
وجد المهاجر نفسه في منفيين: فهو منفي من بلاده ومنفي في المجتمع الفرنسي. وهنا لم يجد أمامه كي يحافظ على وجوده إلاّ الحقل الرمزي أي التمسك بالهوية الأولى والتعصب لها وإحياء التراث الذي كان قد تنازل عنه طمعا بالاندماج. يجب التوقف عند هذه النقطة كونها تعطي تفسيراً منطقياً لظاهرة هذا العنف المتفجر. الإحصاءات المتداولة في الصحف تشير إلى أن 80 في المئة من المشاغبين هم من الأحداث حيث تراوح أعمارهم بين 15 و20 سنة.
والسؤال: ماذا حصل عند هذا القاصر حتى يرمي زجاجات مولوتوف على السيارات ويضرم النار في المدارس وأماكن الترفيه وغيرها؟ هل هو بيرومان piromane أو عبث عنفي مفتعل دون أن يدرك نتائجه؟ أم أنه يريد الظهور الإعلامي والخروج من الخفاء إلى العلن؟
قد يكون العنف بمثابة رسالة غير مقروءة موجهة إلى مرسل إليه. في ضوء ذلك، إذا أجمعنا أن مرتكبي الأعمال التدميرية هم من القاصرين المراهقين، يتوجب علينا معرفة نفسية المراهق.
أهم تحوّل يدركه المراهق بعد التغيرات النفسية والبيولوجية هو سقوط الأب المثالي من عليائه مما يشكل له صدمة كون هذا الأب الذي كان يمثل له النموذج المثالي، إذا به يتحول في واقعه المأسوي إلى رجل عادي تظهر عيوبه دون وساطة سيما إذا كان هذا الأب مهاجراً قد تنازل عن كثير من حقوقه ومن كرامته، يعيش مهمشاً فقط لكي ينتزع الاعتراف بوجوده من قبل الآخر الفرنسي.
هذا الأب المهاب في البيت الفارض احترامه وهيبته بحكم التقاليد التي تقدسه، إذا بالمراهق يكتشف أنه بمجرد أن يتخطى عتبة البيت يصبح مهمشاً محتقراً مهاناً ومنبوذاً في مجتمع يلفظه. أمام هذا الواقع الأليم يحصل عنده إنشطار في التماهي: من ناحية يتماهى بالأب المثالي حسب المعتقد الديني (رضا الله من رضا الوالدين) ومن ناحية أخرى يتماهى بالأب المهان. وهذا الإنشطار يؤدي على الصعيد النفسي للجوء إلى الدين حيث يتمتع الأب بكل مكانته وإلى الثورة والانتقام من المجتمع الذي أدى إلى هذه الإهانة.
ويترتب على ذلك عواقب سلبية عدائية ضد المجتمع وفي الوقت نفسه رفض الانتماء لأن الهوية في مثل هذه الحالة تصبح بمثابة تثبيت الإلغاء للأب الرمزي المتمثل في الدين. هذا الشرخ المتأصل بالذات يولِّد صراعاً نفسياً يجره بالتدريج إلى اعتماد التهميش كملاذ لا تطاوله سلطة الآخر. هذه الإستراتيجية المعتمدة لمواجهة المجتمع المعادي تفسر لنا الكثير من الإضطرابات المسلكية لأن هدفها الأساس هو الانتقام للأب والحفاظ على اسمه من كل مهانة.
يبدو الدين في مثل هذه الحالة بمثابة هوية تناوىء هوية الآخر لأنه يشعر رغم كل المحاولات التي باءت بالفشل لكي يندمج بها، أنها لا تعنيه ولا تشمله حسب رأي الآخر الفرنسي.
هذا التطور المتأزم ليس وليد الساعة بل هو نتيجة نمو مستمر منذ ثلاثة أجيال. الجيل الثالث عادة هو الذي ينطق على غير علم منه بما هو مكبوت عند الجيل الأول.
والتاريخ يُظهر أن الجيل الأول كان مكوناً من الذين خدموا في الجيش الفرنسي سواء إبان الحرب العالمية الثانية أو الذين هاجروا بسبب الضائقة الاقتصادية.
هؤلاء الفرنسيون من أصل مغربي اضطروا لبذل الكثير من التضحيات في معتقداتهم وعاداتهم وخدماتهم كي ينتزعوا من الفرنسيين الاعتراف الكامل بمواطنيتهم.
وهنا يبدو لنا دور الجيل الثالث الذي استعاد مكبوت الجيل الأول وأخرج إلى العلن ما كان في الخفاء؛ فغصت الجوامع بالمصلين وبنيت جوامع أخرى وتوالوا وتكاثروا حتى أصبحوا يشكلون الدين الثاني في فرنسا. نتيجة لذلك ظهرت ردود فعل عدائية وعرقية من جانب المجتمع الفرنسي. وإذا أردنا أن نضع هذا العنف المتفجر في سياق الكبت المتراكم؛ نقول إن المراهقين يترجمون على الأرض عنفاً ما يقوله الآباء في الخفاء.
عندما يصبح الدين هوية تناهض الهوية الوطنية تظهر الأزمة بأشكال متعددة.
أولاً: الشعب الفرنسي عريق عرف بأصالته في بناء الديموقراطية وقد دفع ثمنها غالياً سواء إبان الثورة الفرنسية أو الحروب التي تلتها، إلى أن تكوّن ما يسمى بالقيم الديموقراطية. فهو شعب غير متديّن وقد فصل الدين عن الدولة. العلمنة لا تعني إلغاء الأديان إنما حريتها شرط أن لا تدخل في السياسة أو أن لا تفرض عنوة في الشارع، فأي ظاهرة دينية كما حصل بالنسبة للحجاب، تنافي العلمنة، تُهاجم حتماً من شتى الشرائح الاجتماعية.
ثانياً: مع ظهور الهوية الدينية تصدّت لها العلمانية كما لو كانت ديناً آخر وأضحت من جراء ذلك ساحة صراع شبيه بصراع بين الإسلام والمسيحية مقنّع بالعلمنة وهذا ما لا يريده الفرنسيون أنفسهم.
ثالثاً: حالة العنف الأخيرة طرحت مأزقاً لا يعرف الفرنسيون كيفية الخروج منه. إذا كان هنالك حلّ فلا يمكن إنجازه قبل العديد من السنوات؛ فهو يتطلب من الفرنسيين إعادة النظر في مفهومهم القومي وما إذا كان بالإمكان تقبل الآخر الغريب المسلم كفرنسي جزء من المجتمع لا كعضو نافر. وبما أن هذا الحل بعيد الأجل فأمام الفرنسيين حلاّن كلاهما مرّ:
1- اعتماد العنف المضاد واستعمال القمع والإجراءات التعسفية من قوانين تجعل من حياة المهاجرين غيتواً متفجراً باستمرار مما يتطلب التضحية بحقوق الإنسان.
2- او مجيء حكومة فاشية تحكم بالحديد والنار وتعمل على فرز عنصري فتكون بذلك قد قضت على كل مكتسبات الثورة الفرنسية ومحت بسبب رد الفعل القيم الجمهورية التي كانت مفخرة لكل فرنسي منذ لافييت ودينتون وكل الثوار والمفكرين الذين كانوا منارة للحرية في العالم.
وهنا تصبح الديموقراطية في خطر.
وما يخاف عليه انطلاقا من فكرة "أن الحرب الأهلية كامنة في كل واحد منا" أن يحصل شرخ وسط الشعب الفرنسي بين مناصرين لمكاسب الديموقراطية مناهضين لها في سبيل حكم فاشي تتحكم به القومية النرجسية والحنين إلى ماضٍِ استعماري ولّى.
في مثل هذه الحالة لا غرابة أن يصبح الشعب الفرنسي على شفا الحرب الأهلية، سيما أن التاريخ الاميركي شَاهدٌ بحربه الأهلية التي اندلعت في 1860 عندما انقسم الشعب الأميركي ما بين مؤيد لحقوق العبيد وتحريرهم، ومناهض يريد الاستمرار في استعباد الآخر.
يجب ألا يغيب عن ذهننا أن الحرب الأهلية كامنة في نفس كل فرد منا.
(*) طبيب نفسي لبناني مقيم بين بيروت وباريس
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018