ارشيف من : 2005-2008
وراء الستارة .. الفرنسية المحترقة: نكران "جميل".. وإحباط.. واستغلال انتخابي
"إلى ماذا يطمح شاب يعيش في حي لا روح فيه، في مبنى بشع تحيط به أبنية تضاهيه بشاعة، وجدران رمادية تطل على مشهد رمادي لحياة رمادية، مع مجتمع حوله يفضل ان يشيح بنظره عنه ولا يتدخل إلا ليغضب ويمنع!!!
جملة شهيرة للرئيس الفرنسي الراحل "فرنسوا ميتران" جاءت في افتتاحية إحدى الصحف الفرنسية، التي قالت بأن ما جاء على لسان ميتران عام 1990 هو بمثابة اعتراف بوجود مشكلة في التعاطي مع المهاجرين الذين يقطنون الضواحي الفرنسية، وهي بحسب صحيفة "لوموند" ليست مشكلة فرنسا وحدها.
نعم أزمة التعاطي مع المهاجرين والتصادم معهم ليست أمراً جديداً على صعيد الدول الغربية، فالأمثال كثيرة تضرب في هذا المجال، إذاً لماذا التهويل والتضخيم أو بالأحرى إعطاء الأحداث الأخيرة في فرنسا حجماً أكبر منها على صعيد وسائل الإعلام؟
سؤال مشروع وقد يتبادر الى أذهان الكثيرين، وجزء من الإجابة ذكرته "لوموند"، وهو أن فرنسا التي لطالما عرفت كبلد يحترم حقوق الانسان، ولطالما كانت نموذجاً لنظام كريم من الخدمات الاجتماعية تبدو عاجزة عن تأمين الظروف والبيئة اللائقة بشباب فرنسيين، حارب أجدادهم من المهاجرين في صفوف الجيش الفرنسي ضد ألمانيا النازية، فخلال الحرب العالمية الثانية كان هناك 500 ألف جندياً من البلدان الإفريقية من المقاتلين في صفوف الجيش الفرنسي ينحدرون من مالي والبينين وبوركينا فاسو والكامرون والكونغو وساحل العاج والغابون وموريتانيا والنيجر وتشاد وتوغو، ومن الجزائر والمغرب وتونس. و حوالي 150 ألفا من هؤلاء الجنود كانوا من ضمن صفوف الحلفاء في عملية الإنزال بمقاطعة "البروفانس" يوم 15 آب/أغسطس 1944. وكانت كورسيكا وإلبا وتولون (بفرنسا)، وكذلك لوراش ونويشتادت وفالدسهوت وكونستانس (بألمانيا) ضمن الأماكن العديدة التي تم تحريرها بمشاركة جنود تلك الوحدات، وماذا حصد أحفاد هؤلاء بالمقابل؟
..البطالة والعنصرية واللامساواة.
إن ما يحدث في الضواحي الفرنسية هو مجموعة من المشاكل والأزمات التي تركها المسؤولون الفرنسيون تتراكم لتنفجر على هذه الصورة. والشباب الذين يقومون بإحراق السيارات هم ضحايا نظام قبل أن يصبحوا "رجال مافيا" صغار هكذا بررت "لوموند" التضخيم في التعاطي مع الأحداث الفرنسية الأخيرة، وهو منطقي ولا نقاش فيه إذا ما تم تحييد الأحداث الفرنسية عما يحدث في الدول الغربية والأوروبية، خصوصاً وإن أصوات هؤلاء الفرنسيين تمسي غرضاً يطلب مع انطلاقة كل انتخابات برلمانية أو بلدية في فرنسا من أجل الفوز على الاخصام ، أما إذا ربطنا ما يحدث في فرنسا بالمشهد العام في هذه الدول فيضاف الى هذا الجزء من الإجابة جزء آخر لم تورده الصحيفة الفرنسية، وهو أن الصورة الفرنسية التي رأيناها جميعاً على مدى العشرة أيام الماضية ربما كانت الجزء الناقص في مشهد "المؤامرة التي تحاك ضد العرب والمسلمين"، من خلال تصويرهم على أنهم "بربريون" و"رجال عصابات".
هذا المشهد للأسف أصبحت فرنسا مشاركة في بطولته، سواء بطريقة مباشرة إذا ما كانت سياستها تسير في اتجاه مواز للسياسة الأمريكية والبريطانية تجاه العرب، أو بطريقة غير مباشرة من خلال التعتيم على الأسباب الحقيقية للأحداث الأخيرة والتي تندرج كلها ضمن سياق سياسة الإهمال والتعاطي بلامبالاة وإجحاف بحق شريحة كبيرة من الفرنسيين.
"لوموند" الفرنسية ختمت افتتاحيتها "لقد حان الوقت لهؤلاء الذين يتطلعون الى قيادة البلاد ان ينسوا المظاهر السياسية ليفكروا أكثر في الأحياء والضواحي وفي إعادة بناء جزء من المجتمع الفرنسي ينتظرهم".
ميساء شديد
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018