ارشيف من : 2005-2008

من نيو اورليانز إلى ضواحي باريس ... أي ديمقراطية؟ أي حقوق اجتماعية؟

من نيو اورليانز إلى ضواحي باريس ... أي ديمقراطية؟ أي حقوق اجتماعية؟

كتب ميخائيل عوض في صحيفة اللواء اللبنانية‏

التهبت الاحياء والضواحي الباريسية، وانتقل أللهيب إلى العديد من المدن في طول البلاد وعرضها، بينما الخوف والحذر سيدا الموقف في بريطانيا وألمانيا من خطر امتداد الشرارة إلى الضواحي الفقيرة، خاصة بعد أن تم حرق عدد من السيارات في برلين كمؤشر على أن العدوى قد تمتد لتصل إلى البؤر الموزعة في ضواحي المدن الأوروبية والتي تعيش نفس الشروط الحياتية والأزمات المقيمة في الضواحي الباريسية منذ عقود·‏

لماذا انفجر الموقف على النحو الذي يصفه الكثير من المراقبين الفرنسيين والأوروبيين بأنه ثورة الملوّنين والملعونين في وطنهم في وجه السياسات اليمينية المتطرفة، التي تمثلها حكومة دوفيلبان ووزير داخليتها ساركوزي" الذي أطلق شعارات ووصف شباب الأحياء الباريسية الفقيرة بأقذع الأوصاف العنصرية مما سرع من انتشار ظاهرة الانتفاضة وتسبب في تأجيجها" بل وفي وجه رئيس الجمهورية الذي تبنى مواقف ليبرالية يمينية على المستويين الاقتصادي والسياسي، وسارع بعد سقوط بغداد إلى طلب عطف واشنطن وقدم أوراق اعتماد النخب الحاكمة الفرنسية لتأمين الالتحاق بالنظام العالمي الأميركي وليبراليته وسياساته العدوانية ووعد بتركيز الجهد الفرنسي لتمرير المشروع الأميركي الإسرائيلي في المشرق العربي عبر بوابة لبنان - سوريا، وأوفى بوعده في استصدار قرار 1559 وما يتبعه من قرارات وأعمال وسياسات، وسارع إلى خطب ود شارون ومصالحته على حساب الموقف الفرنسي التقليدي في الصراع العربي الصهيوني، بل وأطلق قانون منع الحجاب في تحدٍّ صارخ لأبسط حقوق الأقلية العربية والمسلمة، وخطوة تنفيذية لاستراتيجيات صراع الحضارات ناهيك عن الدور المميز لفرنسا في إعاقة دخول تركيا الاتحاد الأوروبي لأنها مسلمة ومشرقية فحسب·‏

لماذا جاءت الانتفاضة الباريسية، ولماذا التوقيت، وما هي نتائجها المرتقبة ودروسها المستفادة:‏

يجمع المتابعون، وتشير الوقائع الملموسة والحية إلى أن الأحياء الباريسية الفقيرة كما ضواحي المدن الأساسية، تشترك مع المدن العربية ومدن دول الجنوب بظاهرة التهميش والفقر، وافتقاد الأمان، وأبدية الحرمان من ابسط قواعد ومقومات الحياة الإنسانية، فنسبة البطالة كبيرة، والأحياء مهملة،والسلطة غائبة والخدمات العامة والاجتماعية مفتقدة، من الحق بالعلم، إلى الحق بالطبابة والعمل، إلى الرعاية الاجتماعية والصحية، والتربوية للأسر المقيمة، يضاف إلى ذلك حصر الأقليات من أصول غير فرنسية في غيتوات مقفلة على أزماتها وانفلاتها ما أشاع ظواهر المافيا، والتهريب، والتهرب، وعصابات السرقة، والاعتداءات، وتراكم المشكلات النفسية والاجتماعية·‏

إذن يبدو السبب الأول والاهم وجود ظاهرة عارمة وعامة في المدن والسياسات الأوروبية تنتمي إلى القرون الوسطى، كظاهرات التمييز العرقي والطبقي، والعنصري، وزاد في الطنبور نغم تصاعد ظاهرات اليمين الفاشي في أوروبا عموما وفي فرنسا مع صعود لوبان والهجوم السافر على التقاليد والأصول غير الفرنسية بما فيها حق التدين وممارسة الشعائر، إلى انهيار سياسيات وخطط الاستيعاب والدمج التي مورست من قبل البيروقراطية الأوروبية على نحو منفر بل يعمق الانقسامات والتمييز، ثم جاءت الممارسات والسياسيات الليبرالية الاقتصادية وتقليد النموذج الأميركي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير ودفعت بالأزمات إلى حالة الاحتقان ثم الانفجار عند أول شرارة عابرة" مقتل شابين صعقا بالكهرباء خوفا من ملاحقة الشرطة"·‏

بينما أسهمت مواقف فرنسا وألمانيا من حرب العراق، ورفض العدوانية الأميركية في ترقيد المشكلات الاجتماعية والسياسية للجاليات غير الفرنسية وأكسبت السلطات تأييدا لمواقفها، وانعكست انفراجات سياسية وتجميد للمشكلات الحياتية، جاءت الانعطافة الشيراكية التي دفعت بالسياسات الفرنسية إلى حالة عداء تصادمي ضد العرب والمسلمين، في المواقف التي اتخذتها السلطات الفرنسية بشأن سوريا ولبنان، والعراق، وفلسطين، وإيران، وتركيا لتذكي الصراعات وتدفعها مع إقرار قانون منع الحجاب وتضعها في موقع حرب الحضارات وتعزيز الانقسامات الأفقية في المجتمعات وأدت إلى إطلاق شرارة الهجوم على الأقليات المهاجرة، وعزلها، والسعي لتهجيرها وطردها من فرنسا وأوروبا التي يراد لها أن تكون ذات ثقافة مسيحية، وزادت قوانين الهجرة، ومكافحة الإرهاب، والملاحقات القضائية، والاتهامات الارتجالية لقطاعات واسعة ولحالات اجتماعية ذات تأثير، مما أدى إلى تراكم المشكلات وتقاطعها بين الاجتماعي الإنساني، والوطني القومي والديني، وتعزز الشعور بالعزلة والاضطهاد المزدوج مما وفر البيئة الخصبة لاشتعال النار عندما اقترب عود الثقاب من البارود·‏

لم تعر الإدارة الفرنسية كما الإدارات الأوروبية إذنا صاغية ولا عقلا منفتحا على التحولات التي جرت منذ حين في اتجاهات الرأي الفرنسي والأوروبي ولم تدرك بأن الوقائع المتراكمة تشير إلى تداعيات خطيرة، فأدارت الظهر لحقيقة أن أول من أطلق حركة مقاومة العولمة كانت فئات فرنسية، وأوروبية تنتمي إلى الطبقات الوسطى " المزارعون نموذجهم جوزي بوفيه الذي قاد جراره ودمر مطعم ماكدونالد" التي تسحقها الليبرالية والعولمة، ولم تعر همًّا لكون الشعب الفرنسي اسقط الدستور الأوروبي لأنه ليبراليا، وبأن استطلاعات الرأي في فرنسا أفادت أن أكثر من 61% يرفضون النظام الرأسمالي، هذه هي الحالة التي أسست إلى التداعيات وعمقتها وتفتحها على آفاق جديدة كليا، كما في فرنسا كذلك في ألمانيا التي تأزمت فيها الحياة السياسية وشلت الإدارة وافتقدت لقوى ناهضة بسبب الإجراءات الليبرالية والتخلي عن دور الدولة الاجتماعي ومغادرة اقتصاد السوق الاجتماعي لصالح تقليد النموذج الأميركي والالتحاق به في نظام ودولة قوامها وقيمها وتاريخها مختلفا جوهريا عن النموذج الأميركي تأسيسا وتطورا·‏

اثنا عشر يوما من انتفاضة الضواحي كشفت عسف السلطات، وعنصريتها وأسقطت بضربة واحدة كل ما كان يشاع ويقال عن ديمقراطية فرنسية، وعن حريات، وعن رخاء، واستقرار، وتوازن اجتماعي، وتلبية لحاجات الجميع، فسارعت الحكومة الفرنسية وكأنها حكومة افريقية أو عربية، تنتمي إلى دول الجنوب المتهمة بالتسلطية، والاقلوية، والقمعية فبادرت من فورها وبعد أيام قليلة من الاضطرابات التي مازلت تحت السطيرة ومحدودة الأثر ومعزولة، بوسائل تعبيرها، ومدى تأثيرها على الاستقرار العام إلى اللجوء للعنف الأعمى، وإطلاق الأفكار والممارسات العنصرية من عقالها، ولجأت إلى نفض الغبار عن قوانين بائدة تنتمي إلى أيام حرب الجزائر لعام 1955وفعلتها لتفرض منعا للتجول وتطلق يد السلطات بالاعتقال والتوقيف بل ذهبت ابعد بكثير عندما سنت قانون" على الواقف بسرعة البرق" يجير التوقيف والمحاكمات الفورية، وتوسيع دائرة الاشتباه، وتنفيذ اعتقالات بالجملة قارب عدد المعتقلين أكثر من 1500 معتقلا وإعلان تعبئة عامة وحشد أكثر من 8000 عنصر شرطة، ومنع التجول، ويجري الحديث عن إقحام الجيش في عملية القمع، بل والأخطر أن الدولة الفرنسية الداعية أبدا إلى الديمقراطية والسلام الاجتماعي ومنع أجهزة الأمن والجيوش من التدخل في الحياة السياسية تبادر من فورها وعند اقل حراك إلى إطلاق يد الأجهزة والأمن، والاعتقالات والمحاكمات، بدون أن تكلف نفسها عناء البحث عن الأسباب المادية ومعالجتها والعمل على تخفيف وطأة الحياة عن تلك الأحياء لكسبها وخرطها في المجتمع علما أن المنتفضين هم الجيل الثالث من المهاجرين" الذين جاؤوا مع انكفاء الاستعمار الفرنسي لأنهم كانوا أدواته في اضطهاد شعوبهم، او لان عجلة الاقتصاد الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية كانت بحاجة إلى يد عاملة رخيصة وشابة " أي ولدوا لاب ولام فرنسيين منذ عشرات السنوات·‏

لم تسأل الحكومة الفرنسية ومثيلاتها من الحكومات الأوروبية لماذا عششت عصابات المافيا، وتكثف وجود الفقراء المحرومين من ابسط قواعد وأسباب الحياة في هذه الأحياء، التي تحولت إلى سجون وغيتاوات كمثل التي كانت في نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا منذ عقود وانتهت· سجوناً كبيرة طائفية ودينية واثنية·‏

فالشيء المؤكد" كما يقول سامي كليب" هو أن لا علاقة لما حصل بالعمليات الإرهابية التي شهدتها فرنسا، أو التي أقلقتها بعد الكشف قبل أشهر عن شبكات لها ارتباط بتنظيم القاعدة، وإنما الحرائق مرتبطة بنقمة كبيرة كانت كامنة لدى هؤلاء الشبان عبروا عنها بهذا المنطق العنفي· وتزخر الضواحي أيضا بالسارقين وقطاع الطرق وأصحاب السوابق وتجار المخدرات، صغاراً وكباراً، وبالانفلات الأمني، وما حصل خلال الأيام الماضية ليس جديدا، وإنما حجمه هو الجديد، ذلك أن فرنسا عرفت على مدى الأشهر العشرة الماضية إحراق أكثر من 28 ألف سيارة، و70 ألف عمل عنفي، و442 اشتباكاً مع رجال الشرطة و3832 اعتداءً على أجهزة الأمن وقوات النجدة·‏

ولكن ما حصل في الأيام الماضية فتح الأعين واسعة على وضع الهجرة والمهاجرين، ومن المرجح أن يكون لذلك انعكاسات، ليس في فرنسا وحدها وإنما على المستوى الأوروبي، خصوصا أن السنوات القليلة الماضية عرفت الكثير من موجات التطرف ضد المهاجرين·‏

ضواحي باريس ليست أفضل حالا من اورليانز، وشقيقاتها الأميركية:‏

هكذا يقدم لنا الحدث المتسارع من نيويورك، إلى باريس مرورا بلندن، أن عالم العالمية الأميركية، والنظام الكوني الأميركي الأوروبي متساويا لجهة طبيعته العنصرية والاضطهاد الطبقي المسيطرة فيه، بل والكذب والخداع الذي تمارسه النخب الحاكمة والمالكة عندما تقدم نظمها عبر الإعلام والترويج على أنها نظم ديمقراطية اجتماعية متقدمة، تعطي المواطنين حقوقا متساوية وفرصاً متساوية دون تمييز أو عسف، أو تحكم لاقليات هامشية متنفذة بشؤون العباد والبلاد، تحتكر المال والسلطة، والتصرف بالقانون·‏

بين اورليانز وضواحي باريس والعواصم الأوروبية حقائق تتكشف بالجملة وتكشف عن عسف وطبيعة تلك النظم والمجتمعات، التي لا تختلف جوهريا عما هو قائم في العالم العربي والإسلامي والشرق أوسطي الذي توحدت الإدارة الفرنسية الأوروبية مع الأميركية الإسرائيلية "لإصلاحه" وإعادة هيكلته تحت ذريعة ترويج الديمقراطية والعدالة، لإقامة نظم على أسس طائفية مذهبية محتربة، بينما هي ترفض تطبيق هذه الوصفة في بلدانها التي تأكد بالملموس لكل ذي عقل أنها لا تختلف كثيرا عما هو في النظم العربية والإسلامية فلماذا لا يعطى السود والملوّنين والكاثوليك في أميركا حق المشاركة في النظام بحجم نسبة تمثيلهم ولماذا لا يعطى المهاجرون حق تمثيلهم في السلطات بقدر حضورهم وتعدادهم وحجم مشاركتهم في العملية السياسية والاقتصادية·‏

الدروس المستفادة كثيرة، في أولها:‏

على العرب ألا ينخدعوا من الدعوات الأميركية والفرنسية وان يدركوا أنها نظم تمييز عنصرية وطبقية وان الديمقراطية المزعومة فيها ليست سوى دكتاتوريا الأقليات المالكة والحاكمة ذات الطابع العنصري·‏

على العرب والمسلمين أن يدركوا أن فاقد الشيء لا يعطيه فمن يحتاج نظامه ومجتمعه لإصلاح جذري ومهدد بالانفكاك والذهاب إلى الحرب الأهلية بسبب التمييز العنصري والطبقي والديني، لا يمكن أن يصدر الإصلاح للشعوب الأخرى·‏

على الجميع أن يتبين أن الأزمة عامة، وعميقة، كما تضرب عندنا تضرب عندهم، وان ما يعدونه لأوطاننا ليس سوى محاولة محمومة لتصدير الأزمات وإشغال الرأي العام العالمي والمحلي بخطط لإخفاء الوجه البشع للنظم الليبرالية سياسيا واقتصاديا·‏

الأزمة المتفجرة في فرنسا، وفي الولايات المتحدة باعتبارها أزمات داخلية لم تحفز عليها الإدارات والدول العربية والإسلامية المستهدفة إنما من شأنها أن تخفف الضغوط عليها، ومن الضروري العمل على استثمارها اقله في تعرية تلك النماذج وكشف أهدافها العدوانية وطبيعتها العنصرية·‏

يا عرب، يا لبنانيين، يا مسلمين، أيتها الشعوب والأمم المضطهدة من نظمها أو من الرأسمال العالمي وقيمه، ما حك جلدكم أفضل من ظفركم، ,ليس من احد أفضل من الآخرين·‏

هذه هي حقيقة اميركا تظهر بقوة من اورليانز، وهذه هي حقيقة فرنسا وأوروبا تظهر جلية من باريس ولندن، وبرلين·‏

كاتب فلسطيني - دمشق‏

2006-10-30