ارشيف من : 2005-2008
الرئيس خاتمي: لا خلاص للبشرية سوى العودة الى الله
أكد رئيس الجمهورية الإسلامية السابق السيد محمد خاتمي أن ليس للبشرية خلاص من المحنة التي تعانيها "سوى العودة الى الله واذكاء نور الايمان في القلوب وفي صميم مجتمعاتها" مشيراً إلى أن "هذا لا يعني الدعوة للعودة الى الماضي واحياء الاساليب والنظم اللاانسانية تحت ستار الدين" مؤكداً أن "احد اهم اسباب ازورار الانسان المتحضر عن الدين يكمن في الانحرافات والتجنيات المفروضة قسرا على البشرية باسم الدين".
كلام الرئيس خاتمي جاء في كلمة ألقاها في مؤتمر "كلمة سواء العاشر" الذي ينظمه مركز الامام موسى الصدر للأبحاث والدراسات تحت عنوان "التنمية الانسانية أبعادها الدينية والاجتماعية والمعرفية"، ويستمر ثلاثة أيام.
ومما جاء في كلمته: "في حفل مهيب كهذا يقام باسم عالم ديني كبير متبصر عارف لزمانه اي سماحة الامام موسى الصدر، لا بد من الحديث عن الدين، ذلك الدين الذي يحرر الانسان من الجهل والعنف والظلم، وهو بالذات ما نذر الامام موسى الصدر حياته من اجله، فرغم كون الامام الصدر زعيما للشيعة في لبنان، الا انه الاب الرؤوف والمعلم المثقف لاتباع كافة الاديان والطوائف، اذ كان ينشد الاستقرار والحرية والاستقلال والتقدم للبنان العزيز، ويصبو الى العيش المشترك للمسلم والمسيحي والدرزي والشيعي والسني جنبا الى جنب، ينعمون بكل ما من الله تعالى به على عباده، ومعتبرا الجميع جديرين بتلك النعم. واذ ترفع فكره السامي وروحه اللطيفة عن الحدود المصطنعة والتقسيمات والتكتلات السياسية والقومية المفتعلة، فانه اراد، وباسم الاسلام النبراس الحرية والعزة للبشرية جمعاء".
أضاف: "واليوم اذ نفتقد حضور الامام موسى الصدر وتواجده بين ظهرانينا، فإن فكره ومبتغاه يشكلان حافزا لكل لبناني ابي ويرفدان المقاومة اللبنانية البطلة ويسريان دفقا وعطاء في نفوس اولئك الذين ينشدون الرفعة للبنان العزيز، ويتصدون للمؤامرات التي تستهدف استقلال لبنان وكرامته. اننا لا نزال نترقب عودة هذا العزيز المغيب، ذلك اننا في أمس الحاجة اليه في هذا الزمن الصعب".
وتابع: "الدين قديم قدم وجود الانسان وهذا بالذات يدل على انه فطري ومتجذر في الذات الانسانية، فالدين هو الذي اوجد الحضارات والثقافات وحتى في عصرنا الحالي فان الحضارة الجديدة وان نشأت منفصمة عن التراث، فهي مدينة للغاية للثقافة الدينية. فيا ترى من يسعه ان يغض الطرف عن تراث المسيحية الباهر في كل جانب من جوانب الحضارة الجديدة هذه، رغم ان من وضعوا لبنة هذه الحضارة ونظروا اليها يعتبرونها لادينية ولا يقرون هم بنزعتهم الدينية. وربما كان الفارق الاساس بين العالم الحديث وما سبقه، هو ان الحضارات والثقافات الغابرة كانت برمتها دينية ولا تتنكر لطابعها الديني".
وتابع: "لقد واجه الدين في كل مكان وعبر كل الحقب، معارضين شرسين. ولمحاربة الدين كالدين نفسه، ماض سحيق، لكن معاداة الدين في الماضي كانت تنطلق من موقف ديني، اذ كان دين ما يناهض دينا اخر، فيما كان المستهدفون من اتباع الدين ينبرون للدفاع عن دينهم، وفضلا عن الحروب الدينية التي شهدها التاريخ فان الفكر الانساني يدين في رقيه وتطوره اكثر ما يدين للنزاعات الفكرية الدينية".
وقال: "لكن مثلما اختلف شكل الحياة ومضمونها مقارنة بالماضي، فان محاربة الدين ايضا قد اختلفت شكلا، فلقد خلقت الحروب التي نشهدها اليوم وحيث تتحول الافكار والتصورات الى ايديولوجيا يقارع بعضها البعض بسلاح التعصب عالما يختلف عن الماضي. اذ ادت مناجزات المعترك الفكري الى ظهور نوع جديد من علم الكلام واللاهوت يختلف عن اللاهوت القديم موضوعا وقضايا ومنهجا وحتى في العديد من الحالات هدفا وغاية. والسؤال الاساس هو: هل صحيح ما كان يزعمه رواد الفكر المناهض او المجافي للدين من ابناء الحضارة الجديدة في القرن الثامن عشر، وقبل ذلك او بعده، بشأن زوال عهد الدين؟ وهل ان تصنيف اوغست كونت لشهير، والذي قسم حياة البشرية الى ثلاثة عهود، هي الديني والفلسفي والعلمي ويعتبر اهم سمة للعصر الحديث سمته العلمية صحيح ولا غبار عليه؟".
أضاف: "بقطع النظر عن الموضوعات المستجدة في فلسفة العالم، والتي تعتبر وجهة نظر اوغست كونت واضرابه حول العلم سطحية، فانه بالاضافة الى الابحاث الفلسفية الموسعة بشأن هذا التقسيم واراء فلاسفة الغرب ودحضها ونقدها، هناك عالم الواقع القائم الذي يلهمنا اعظم الدروس العبر. لقد كان من المفروض ان يوفر العلم الحديث حلولا ناجعة لكل معضلات البشرية دون الاستعانة بالوحي والعقل الميتافيزيقي. كان من المفترض ان يقيم الانسان المنفعي النزعة، الظاهري التوجه، فردوس الاديان الموعود على الارض. وكان فرضا كذلك حل اكثر عقد الحياة ايلاما بمقاليد العلم. بالطبع، ينبغي الا يغيب عن اذهاننا ان تطورات مذهلة قد حصلت بفضل الحضارة الجديدة. ولكن، الا تواجه البشرية اليوم مشاكل مستعصية اكثر بكثير من معضلات الماضي؟ وهل يمكن مقارنة الحروب في العصر الحديث والدمار المادي والمعنوي الناجم عنها بما كان يحصل من صراعات في العهود السالفة؟ أليس الخوف والقلق الذي ساور الانسان اليوم، وكذلك انعدام الامن الذي يتهدد الحياة في كافة ارجاء المعمورة غربا وشمالا وجنوبا اكثر دمارا مما عانته البشرية من اضطرابات وانعدام للامن في غابر الايام؟".
وتابع: "لا يسعنا ولا ينبغي ان ننبهر من خلال نظرة سطحية بالتطورات المذهلة في حقل العلوم التجريبية وبالتقنية الهائلة التي ينفرد بها عصرنا، ونغض الطرف عن المحن التي تخلف آثارا مريرة وقاسية في عالم اليوم المتلاحم. فالعنف وانعدام الامن والتذمر لم يكن في أي حقبة من التاريخ مكشوفا ورهيبا مثلما هو عليه الان. واسمحوا لي ان استعرض احد جوانب الحياة البارزة في العهد الحديث نقلا عمن يعتبر الحجة والدليل الوجيه على عقلانية الغرب، انه الفيلسوف الالماني الشهير نيتشه. ففي كتابه "العلم الجدل"، يتحدث نيتشه عن مجنون يحمل سراجا في وضع النهار ويعدو في الاسواق صارخا أبحث عن الله، وحين يسخر منه الناس سائلين: هل غاب الله او رحل؟ يرد رافعا صوته: تسألون اين صار الله؟ سأقول لكم. لقد قتلناه انا وانتم فكيف يمكننا نحن القتلة اسياد كل القتلة ان نلتمس العزاء لانفسنا؟ لقد تكالبنا بخناجرنا على من لم يشهد العالم حتى الان أقدس وأقوى منه فمن ذا يطهر ذاته؟ وبأي ماء نغتسل؟ فلا حدث بهذه الخطورة اطلاقا".
وقال: "رغم انه يتعذر الحكم نهائيا على نيتشه، هذا العبقري المتردد الذي لا يقر له قرار، فإن هذا الجانب من فكره يصور في الحقيقة العالم المتطور الذي استلب من الانسان ايمانه بالله، واضحت اللاألوهية فيه روح الحضارة الجديدة. وربما كان ابناء الحضارة مؤمنين على المستوى الفردي، حيث لا زالت الكنائس والمعابد عامرة في الغرب الا ان وهج الايمان بالغيب والتشرب بفيض روح القدس قد خفت وخبا في خضم الحضارة الحديثة. ومهما كان يقصد هذا الفيلسوف، فانه اولا لا يمكن التغاضي عن الحقيقة الكامنة في ذلك التمثيل الذي ينطوي على تعريف بارع بالحضارة الجديدة. وثانيا ان سبيل العلاج الذي يرتأيه للداء وداء غياب الله عن صميم الحضارة الحديثة، هو بدوره مقيم وينتهي الى طريق مسدود ومؤسف للغاية".
أضاف: "يقول نيتشه "يتعين على الانسان اليائس المحبط في عالم يخلو من الالوهية، ان يقيم مجددا كل القيم ويبدعها ثانية. يجب ان يجرؤ ويجازف ويغامر ويحيا مفعما بعنفوان الحياة، وينبغي ان يزيح كل ما يعترض سبيل الحيوية والنشاط في الحياة من عقبات يجب ان يصبح ما هو كائن حقيقة. فهو يعتبر الحياة جوهرة الانسان الاهم، لكن حياة بمثل هذه القيمة ليست هي الغاية وانما هي وسيلة نتحكم بها ارادة القوة، وعلى المرء ان يصبح جبارا بإيلائه الاهمية للحياة وتعزيزه لارادة القوة. ان نيتشه الذي انطلق من صميم الحضارة الجديدة قد سقط ذات الفخ الذي وقع فيه اسلافه ممن لم يبادروا الى تعريف العلم كوسيلة لكشف الحقيقة بل كاداة للقوة والمقدرة، ولم يستخدموه لتفسير الكون بل لتغييره، وهو بدوره اعتبر ارادة الحقيقة وهما وتخرصا واستخلف ارادة القوة بدلا لها، واراد ان يعوض عن غياب الله في النظام الدنيوي بالانسان، فاذا بالجبار في بلده المانيا، يظهر في صورة هتلر، واذا بارادة القوة تتبلور في النازية وتقود العالم الى الخراب والدمار لتنعم بفسحة من الحياة".
وتابع: "الغريب ان اليهود تعرضوا اكثر من غيرهم للاذلال والاضطهاد في ظل النظام القومي الاشتراكي في المانيا. وحينما سرت ارادة القوة من هتلر الى القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وبدلا من ان تضع هذه القوة حدا للنازية والفاشية، حولتها من صعيد حياتها القومية الى الساحة الدولية وكرست عزمها وارادتها لمأساة كبرى كان على شعوب الشرق الاوسط المضطهدة وفي مقدمها الشعب الفلسطيني العزيز، ان تدفع من خلالها ضريبة اللاسامية والعداء لليهود في الغرب، في حين اننا لم نشهد منذ ظهور الاسلام وحتى يومنا هذا في المجتمعات الاسلامية اي عداء لاتباع الديانات الاخرى. فلقد خبر اليهود والمسيحيون والمسلمون في فلسطين وعلى مدى قرون، التعايش السلمي وتحسسوا المصير المشترك، وان بادرت بعض الحكومات المستبدة الفاسدة الى تضييق الخناق احيانا على الآخرين وبدافع لاديني او بسبب ايحاء تصورات خاطئة من قبل غلاة المتعصبين، فان المسلمين براء من العداء للديانات الأخرى. واذا ما أخلي السبيل اليوم للشعب الفلسطيني، فانه يمكن للمسلمين والمسيحيين واليهود ان يعيشوا احرارا في فلسطين وجنبا الى جنب".
وقال: "رغم ان الحضارة العربية قد ادارت نوعا ما ظهرها للغيب، الا ان تاريخ العصر الحديث لم ينأ تماما عن الصراعات والنزاعات المتأثرة بالحوافز الدينية، فبغض النظر عما واجهه المستعمرون ودعاة الهيمنة في المستعمرات والبلدان التي تعرضت لغزوهم من مقاومة مستمدة من منهل الايمان الديني للشعوب، فاننا لاحظنا في مناطق عدة وفي فترات غير بعيدة من عهد الهيمنة الاستعمارية نزاعات دموية مدمرة جابه فيها كل من طرفي الصراع الطرف الآخر بدافع ديني. فلقد عانت الجزائر وطوال سنوات، من كابوس دام، تناحر فيه الأصوليون من أدعياء الدين من جهة والجيش والقوى السياسية والاقتصادية العلمانية من جهة اخرى، وبمقياس مصغر نلاحظ الظاهرة ذاتها في الشرق الاوسط وشمال افريقيا ومناطق عديدة اخرى، وحتى في تركيا التي جرت العادة على اعتبارها بيئة آمنة للتمثل بالغرب وللعلمنة. لكن هذه الظاهرة لم تقتصر على العالم الاسلامي والدول غير الغربية، ففي الغرب كذلك خلق حق المعارضة الدينية المتاعب، وهو حق يرتبط اساسا بتخليص الايمان التقليدي من تجاوزات الديموقراطية العلمانية. بناء على هذا وبعد حوالى قرن من رحيل نيتشه الذي اعلن ان الايمان الديني قد ولى في الغرب، انبرى المفكرون والمحللون للحديث عن ثأر الاله المتمثل في انتفاضة المؤمنين الذين ذاقوا الذل والهوان وتملكتهم العصبية، في حين ان الحقيقة شيء آخر".
أضاف: "من هذا البحث المستفيض، اريد ان اخلص الى القول بأن ما حصل كان نتيجة للاعراض عن الله، فحين يغيب الله عن البال والحسبان، يزول الحب وتتلاشى العدالة. وللخلاص من هذه، المحنة ليس للبشرية سوى العودة الى الله واذكاء نور الايمان في القلوب وفي صميم مجتمعاتها. لكن هذا لا يعني الدعوة للعودة الى الماضي واحياء الاساليب والنظم اللاانسانية تحت ستار الدين، فلا يغيبن عن بالنا ان احد اهم اسباب ازورار الانسان المتحضر عن الدين يكمن في الانحرافات والتجنيات المفروضة قسرا على البشرية باسم الدين، فالعلمانية الخاصة بتاريخ الغرب هي نتاج طبيعي وحصيلة افرزها التشاؤم وسوء التصرف الجامح الذي تم باسم الدين في حقبة ما قبل الحداثة".
وتابع: "عندما اتحدث هنا عن الدين لا يتواءم حديثي اطلاقا مع اولئك الرجعيين من ذوي العقلية المنحرفة ممن يحصرون الدين في الظواهر، وهو ما يعود في جانب اساسي منه الى الانطباعات الخاطئة عن الدين او العادات الموروثة من الماضي والتي تطبعت بطابع القدسية والخلود. فلا اعني بالدين السلوكيات القاسية واللاحضارية التي تعارض متشدقة بالدين كل ما هو حديث ورائد، وتعتبر القتل والارهاب جهادا واطفاء جذوة العقل ايمانا وحرمان المرأة من كافة حقوقها تقوى والتصدي للعلم والتطور زهدا".
وقال: "ان البشرية بحاجة الى الدين، ورسالة الدين هي هداية الانسان، فالدين لم يحل ابدا بديلا للعقل البشري في تصريف شؤون الحياة، بل يؤكد على اهمية التدبر والتعقل وينشد الحرية والحكمة والعزة للانسان. والدين الحق يوجه الحياة التي ينبغي ان تسري في صميم هذه الطبيعة، لكنه يعد الانسان اعظم من الطبيعة بأسرها والطبيعة رهن تصرف الانسان. غير ان هذا التصرف يعني التناغم مع عالم يسبح على الدوام لله، ولا يعني العبث فيه والذي تعاني البشرية اليوم من مضاعفاته السيئة. والانسان اسمى من الطبيعة، لا من حيث تميزه بالعقل وحسب، بل بموهبة الحب التي حرم منها حتى الملائكة".
وختم: "فالانسان الذي اقصده هو ذلك الايمان الذي من شأنه ان يحرر الانسان من رهبة الارتماء في خضم الوجود اللامتناهي ويزيل عنه آفة الحزن والهلع الفتاكة، انه الايمان الذي يصل مدينة الله التي دعا اليها القديس اوغسطينس بمدينة العالم الحديث، ليتقاسم اهاليهما سلطة الشعب والمعنوية والعدالة والنعيم. ولكي يتحرر عصرنا فهو بحاجة الى الدين، الى دين يؤمن فضلا عن الله، بالعدالة والحرية وحقوق الانسان، ويكفر بالفقر والجهل والحرب والارهاب واذلال الانسان.
"وكالات"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018