ارشيف من : 2005-2008

الرئيس خاتمي : العالم اليوم اصبح مصغرا للغاية بفضل تطور وسائل الاعلام

الرئيس خاتمي : العالم اليوم اصبح مصغرا للغاية بفضل تطور وسائل الاعلام

عقد في مقر الحركة الثقافية في انطلياس، مساء اليوم، لقاء مع رئيس الجمهورية الايرانية السابق الدكتور محمد خاتمي، بدعوة من مجلس كنائس الشرق الاوسط والحركة الثقافية - انطلياس. وحضر اللقاء ممثل البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير المطران شكرالله حرب، ممثل بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام المطران سليم غزال، وزيرة الشؤون الاجتماعية نائلة معوض، النواب: غسان مخيبر، حسن يعقوب، المطرنان كيغام ختشريان وجورج صليبا، الوزير السابق يوسف سلامة، السفير الايراني مسعود الادريسي، الشيخ شفيق جرادي، السيدة رباب الصدر، ممثل العلامة أية الله السيد محمد حسين فضل الله الشيخ خنجر حمية، مدير المركز الكاثوليكي للاعلام الاب عبده ابو كسم، وشخصيات سياسية ودينية وفكرية وثقافية واجتماعية. أبي صالح افتتاحا النشيد الوطني، ثم رحب الامين العام للحركة جورج ابي صالح بالرئيس الضيف فقال: "يدعو خطاب الرئيس خاتمي الى حوار دائم بين الاديان والحضارات، والى اعتماد الديموقراطية نهجا سياسيا، وهو خطاب حضاري، خصوصا أنه صادر عن شهية دينية ثقافية مميزة شغلت مركزا بارزا في رأس نظام سياسي ديني حيث خاضت تجربة فذة وفريدة من نوعها في العالم المعاصر، وشكلت موضع مراقبة دائمة واهتمام متواصل من قبل العديد من الاطراف والدول في هذه المنطقة، كما في سائر انحاء العالم. صالح وألقى جرجس صالح كلمة مجلس كنائس الشرق الاوسط، اعتبر فيها "أن الرئيس خاتمي هو المؤمن الذي جاهد ليبني جسور التواصل بين المسيحية والاسلام، وليؤكد انتماء المؤمنين جميعاالى اله واحد رحوم، عادل، محب، ملك السموات والارض، متعال عن البشر واقرب اليهم من حبل الوريد في آن معا".‏‏‏

الرئيس خاتمي‏‏‏

وألقى الرئيس خاتمي كلمة استهلها بالقول: "هناك سؤال اساسي من الاجدر ان نعيده مرة اخرى في اجتماع المفكرين في حقل الدين: "في اي عالم نعيش؟ وما هي رسالة الدين في هذا العالم؟" قيل ان الفلسفة الاغريقية كانت تدور على محور الكون, والتفكير السائد في العصر الوسيط كان يدور محور "الاله"، كما أن التفكير السائد في عالمي الفن والفلسفة في العصر الفكري الحديث يدور على محور الانسان". أضاف: "من المفيد أن نتأمل قليلا في معنى الكون قديما وحديثا. قديما، كانت الارض تشكل مركز الكون بمعناه الفلكي. كما كان الانسان المتعقل يشكل مركز الارض, فكان في إمكان العقل الانساني المتصل بالعقل المتعالي المسيطر على العالم, ان يعرف الكون, ليجد طريقه في هذا الكون من خلال الاستعانة بهذا العقل نفسه - او العقل المستمد من الوحي الالهي. اما النظريات الفلكية الحديثة فتعتبر الارض مركزا للكون, وانما هي - اي الارض - تمثل ذرة ضئيلة في رحاب الطبيعة والكون اللامتناهي. كما ان الانسان يمثل كائنا قد رمي به الكون. وبما انه كائن واع بالذات, فإن هذا الشعور بالانقذاف والاجتثاث من الجذور يقلق باله ويجعله مضطربا, ان هذا الشعور بالاجتثاث من الجذور يسفر عن آثار كلامية وفلسفية وفنية عديدة جرت دراستها على مختلف الأصعدة".‏‏‏

وتابع: "في الماضي شكى العرفاء الصوفيون معاناة الانفصال عن الاصل او الطرد من الجنة حسب تعبير الاديان, الا لنهم قد تغلبوا على هذا الاضطراب وهذه المعاناة من خلال امكان الرجوع الى الاصل في ظل الجهد والعمل والتقشف وترويض النفس، وطالما ليس في عالمنا المعاصر شيء من "ما بعد الطبيعة" او على اقل تقدير, تعجز عقلية هذا الانسان عن فهمها, فكيف يمكن يا ترى ايجاد علاج لهذا الاضطراب؟. وبغض النظر عن هذا التعبير النظري الذي طرأ على المفهوم الفلكي للكون، وما ترتب عليه من آثار، اسمحوا لي ان اتطرق الى وجه آخر للكون, الا وهو يتمثل في الصورة المتصورة عنه. ليس بمعناها الفلكي, وانما بمعنى المجال المتخصص للبشرية على وجه المعمورة". وقال: "لو عدنا الى الماضي، لرأينا ان العالم بالنسبة إلى البشر كان ذا طابعين: محلي وتجريدي. والمقصود من الطابع المحلي للعالم ان العالم بالنسبة إلى كل قوم كان يشكل تعميما او صورة مكبرة للمحل الذي يعيشون فيه, او بتعبير آخر، كان هناك عالم ثان من نسيج اذهان الناس، وعلى اساس المقارنة بمحل حياتهم وعالمهم. وإذا كانت هناك فروق, فهي تتمثل في امور ظاهرية مثل المناخ والطقس وأساليب الزراعة والصناعة. لكن العالم كان ذا طابع تجريدي في الوقت نفسه. إذ أن المعرفة بالآخر كانت ضئيلة، وبالتالي، كان الناس يخلقون هذا الآخر من خلال تعميم تجربتهم الخاصة بهم على غيره. أما العالم المعاصر، فيشهد من هذا الحيث وضعا مختلفا".‏‏‏

وأشار إلى "أن التطور الذي حصل في مجال الاتصالات وتسهيل الملاحقة البحرية والجوية، وفي حقل السياحة، زاد من معرفة أبناء البشر - كما ونوعا - لسائر المجتمعات، إلا أن زيادة المعرفة هذه لم تتسم دوما بالطابع السلمي - الانسان مع الأسف. سيطر الاوروبيون في العصور الجديدة على أراضي الآخرين. ولكن حاول الانسان الغربي السيطرة على روح الآخرين وثقافتهم - كما سيطر على أراضيهم - وذلك لحساب مصالحه وتطلعاته وأطماعه. ظل "الانسان الغربي الأبيض" هو الانسان المعيار في العالم الجديد، وذلك حتى أواخر القرن التاسع عشر. كأن العهد الاستعماري جعل الرقعة الاغريقية تكبر وتمتد الى الرقعة الاوروبية كلها. إذ أن المعروف عن الدولة الاغريقية انها كانت تعتبر كل انسان غير اغريقي من "البربر".‏‏‏

أضاف: "لا بد من ملاحظة حقيقة أخرى، وهي أن هذه النزعة الأثنية والمبنية على محورية اوروبا، تبقى المسيحية بريئة منها على أي حال. وقد ظلم المسيحية من استند الى كلام أو مكتوب لأحد المنظرين المسيحيين ليربط بين محورية اوروبا والنزعة العنصرية من جهة، وبين المسيحية من جهة أخرى. فإذا رجعنا الى التعاليم المسيحية الأصيلة الواردة في الكتاب المقدس، وما ورد في كلمات القديسين المسيحين بصورة متكررة وواضحة، لرأينا ان المسيحية ليست هي السبب. فلا بد من البحث عن سبب آخر لتلك الظاهرة. إذ لا يمكن إلصاق مثل هذه الأمور بدين جعل حب الآخر على امتداد حب الله. فإله المسيحيين هو إله البشرية جمعاء شأنه شأن إله المسلمين. وان المسيحية -كالاسلام- لا تخص زمانا من دون زمان أو مكانا من دون مكان أو عرقا دون عرق".‏‏‏

وتابع: "إن عالم اليوم، أصبح عالما مصغرا للغاية. وكان من المتوقع أن تزداد فيه معرفة أبناء البشر لبعضهم البعض عمقا ودقة، وذلك بفضل التطور الهائل الذي شهدته وسائل الاعلام في هذا العالم الانساني المصغر جدا. وعلى ضوء التطور الحاصل في فروع وحقول كالاستشراق، والدراسات الاسلامية والهندية والتركية والايرانية والمصرية والصينية واليابانية وفي مجالات الاثنولوجيا وعلم اللغات وما الى ذلك، فإنه من المفروض أن نكون نحن أبناء البشر تعارفنا في ما بيننا بدرجة تجعل شجرة المحبة والسلام والتعايش والتضامن تؤتي أكلها الحلوة في شكل أسهل وبتكلفة أقل، بينما ان الواقع ليس كذلك مع الأسف".‏‏‏

ولفت إلى "أن القرية الكونية المعاصرة تختلف عن القرية القديمة اختلافا رئيسيا من نواح عدة. ففي القرية القديمة كان يعرف الأهالي بعضهم البعض. حتى في حال نشوب خلافات أو نزاعات، لم يكن الناس عاجزين عن فهم أسبابها. بينما في القرية الكونية يعجز - مع الاسف - كثير من اهاليها عن فهم بعضهم ولا يسود السلام والمحبة أجواء حياتهم. وقلما يتوفرا لهم إمكان الاستماع الى بعضهم البعض على الرغم من وجود الإمكانات الهائلة المتاحة للتواصل والاتصال". وشدد على "أن الطامة الكبرى التي يعانيها عصرنا تتمثل في ما عبر عنه القرآن الكريم: "نسوا الله فأنساهم أنفسهم".‏‏‏

نسي الله في عالمنا المعاصر. وبالتالي، جعل الله الذين نسوا ذكره غرباء على انفسهم. إن هذه "الغربة عن الذات" ادت الى العمي والصمم الثقافي والسياسيين، وجعلت الحياة ضيقة ومرة لجميع الناس في مشارق الارض ومغاربها، رغم انهم يعيشون في خضم الانجازات المبهرة في مجال التقدم العلمي والتقني والاتصالاتي المعاصر. إن طريق علاج هذا العجز هو العودة الى الله، واحياء ذكره، واكتساب الاهلية للتواجد في عالم لا تشكل له الطبيعة إلا غطاء مظلما .فإن الانسان يعيش في عالم هو أكبر من عالم الطبيعة بكثير .فإذا استذكر ذلك العالم الكبير، ستكون الحياة في عالم الطبيعة حياة منشودة مفعمة بالهدوء والسكينة لاي إنسان يظل بعيدا عن الترعات العرقية والاثنية واللغوية والمذهبية. والبحث عن هذا العلاج يشكل المسؤولية الكبرة الملقاة على عوائق المتدينيين في هذا العصر". وتابع: "إن مستقبل التدين، مرهون بالبصيرة والمعرفة بالظرف الزمني، والابتعاد عن العصبيات القومية والطائفية والاستعداد لتغيير العادات الذهنية. في تلك الحال، سيبقى جوهر الدين مصونا محفوظا، كما ان النفس الانسانية المخيرة المتعلقة بالدين في تلافيف ضميرها، لن تفر في تلك الحال من الدين"، مشيرا إلى "أننا من خلال التفاهم والتسامح، وبعد النظر، بإمكاننا ان نعيد الى الاديان طابعها الفوق زمني - الفوق مكاني، رغم وجود الخلافات الظاهرية فيها، وإنه لمن حسن الحظ اننا نشهد خطوات واعدة تبعث على الامل في هذا الاتجاه من قبل المفكرين الواعين سواء من العالم الاسلامي او العالم المسيحي او سائر الاديان".‏‏‏

ولفت إلى أن "الحوار بين الحضارات - وفي مقدمته الحوار بين الاديان، وعلى وجه خاص بين الاسلام والمسيحية - يبقى امرا حيويا لا مفر منه. وإن كثيرا من الامور التي تشكل واقع عالمنا المعاصر يزيد من ضرورة هذا الحوار وطابعه الفوري الملح". وقال: "أصبح الاتجاه المعارض للدين يهدد بشدة، القيم الروحية والحياة الانسانية اللطيفة. وإن الحوار بين علماء الدين من شأنه ان يعزز في نفوسنا الامل في إنقاذ الحياة الروحية للانسان. - في الوقت الذي صار فيه اصحاب القدرة في العالم يعملون على زيادة سوء الفهم بدلا من العمل على تقليصه، ثم إزالته في النهاية, فإن الحوار الديني من شأنه أن يتغلب على حالات سوء الفهم الموجودة، وأن ينقذ الإنسان من البكم والصمم. - إن الحوار بين الأديان - خاصة بين الإسلام والمسيحية - من أجل تحقيق هدف مهم هو إيجاد حلول للمشاكل العالقة في العالم والمنطقة, من شأنه أن يفتح الباب للآخرين من الباحثين والكتاب في الحقلين الإجتماعي والفلسفي, والصحافيين والإعلاميين, وأن يقود الأجواء الذهنية والإعلامية الى التفاهم والعمل على توفير آليات للتواصل وإيجاد لغة مشتركة بين مختلف الأجناس والشعوب, وذلك بدلا من الإتجاه نحو المضامين الباعثة على التراع والصراع والتعسف الأناني. عندئذ سنواجه باحثين متواضعين أمام الحقيقة حرصاء عليها, بدل أن نواجه دوما كتابات وبرامج تتحدث عن التعارض بين الإسلام والغرب أو بين الإسلام والمسيحية, أو بين الدين وحقوق الإنسان وأنظمتها. وإن هؤلاء الباحثين بدل أن يعتمدوا الرؤى السطحية وإصدار الأحكام المتسرعة, سيتعلمون أن الوصول الى رحاب وأعماق ديانات كالاسلام والمسيحية لا يتيسر من خلال الإستناد الى بعض الأحداث أو قراءة صفحات من الكتب والمقالات فقط. - إن إمكان العيش في العالم المعاصر من خلال الحوار والتفاهم وتبادل التجارب, سيكون أوفر وأكثر, كما أنه يمكن في عالمنا المعاصر من خلال نشر المبادىء الأخلاقية الدينية ودعمها, ولا شك في أن ذلك لن يتيسر إلا إذا قدمنا الدين في وجه الذي يدعو الإنسان الى السلام والتعايش والعدالة والكرامة والحرية, وليس الى الحرب والحيف والرجعية والهيمنة, لنجعل عالمنا المرهق من الظلم والهيمنة والحرب, عالما يصلح للبشرية جمعاء, وذلك من خلال العمل من أجل السلام والعدالة والحرية".‏‏‏

الصور للزميل موسى الحسيني‏

2006-10-30