ارشيف من : 2005-2008
ألسنة اللهب تتصاعد فوق فرنسا. هل سيمكن تجنب الحريق في أوروبا؟
بيوتر رومانوف
وصف الصحفيون الفرنسيون المنفعلون ما يجري في الأيام الأخيرة بضواحي باريس وبعض المدن الفرنسية الأخرى بأنه " حرب أهلية ". ومن الناحية الشكلية فإن رجال الشرطة المحلية والأفراد الذين يضرمون النيران في المئات من سيارات الغير وفي المتاجر والصيدليات والمدارس وينهبون المواطنين العاديين ( بضمنهم السياح الروس أيضا) ينتمون إلى جنسية واحدة ، لكن هذا لا يشكل حجة لوصف ذلك بالحرب الأهلية. وإذا ما نسى الفرنسيون ما هي الحرب الأهلية فدعهم يسألون بشأنها الأسبان أو الروس ، فهم ما زالوا يتذكرونها.
أن ما يجري في فرنسا ليس سوى أحد المشاهد الكثيرة للحرب بين الحضارات التي تدور رحاها منذ وقت بعيد، وذلك بشيء من النجاح بين حين وآخر. إن الحضارة الغربية الأقوى اقتصاديا وعسكريا تنتصر عادة، ولكن ليس دائما. فالعالم الآخر الذي لديه تصورات أخرى عن الخير والشر، وفلسفة أخرى، يوجه أحيانا ضربات موجعة أيضا.
وفي مثل هذه الحروب يكون للإيديولوجية السياسية مجرد حضور شكلي فوق رايات الطرفين المتصارعين. ذلك أن جوهر الصراع أعمق ويتمحور حول تساؤلات مثل ما مغزى الحياة ، والى أين يمضي الإنسان، وبم يؤمن ؟ ولهذا بالذات يغدو بمرتبة واحدة انسحاب بريطانيا من الهند، وهروب فرنسا من الجزائر، وهزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وفشل الولايات المتحدة في فيتنام.
علما أن اشد التدابير حزما قد ساعدت بصورة مؤقتة فقط. وقد طلب تشرشل إطلاق النار بلا رحمة على حشود الهنود من الطائرات، لكن فاز في الحرب بالرغم من كل شيء داعية اللاعنف المهاتما غاندي. وأحرق الأمريكيون فيتنام بالنابالم، لكنها انتصرت وهي باقية. واليوم دخل الأمريكيون إلى العراق بيسر لكنهم يتكبدون هناك هزيمة منكرة. إن الحضارة التجميلية الأمريكية التي وضعت فوق خرائب الفلوجة تشبه أصباغ التجميل الرخيصة التي تزول حالما يسقط أول مطر – فسيبقى العراق بالرغم من كل شيء عراقا. فلديه تصوراته عن المستقبل.
لقد بات واضحا منذ أواسط القرن الماضي وبالأخص في مطلع القرن الحالي أن الحضارات التي أطلق عليها الباحثون السياسيون في الماضي تسمية " العالم الثالث" قد بدأت الهجوم المضاد. ويحدث هذا في بعض الأماكن بهدوء دون أن يلحظه أحد. وحدث على سبيل المثال غزو أبناء أمريكا اللاتينية للقسم الجنوبي من الولايات المتحدة. إنهم قد استعادوا الأراضي التي اغتصبها الجار الشمالي من المكسيكيين في وقت ما ، كما زحفوا أبعد إلى عمق أمريكا. أما في أماكن أخرى فقد جرى ذلك بصوت عال وبإراقة الدماء وتصاعد دخان الحرائق، وباستخدام الأفراد الذين منحتهم أوروبا العجوز الطيبة الملاذ لاعتبارات إنسانية، وسمحت لهم الدخول إلى بيتها من اجل المبيت، وحتى تبنتهم. واليوم توجد مناطق عربية ، وضواحي مدن للسود ، والمساجد الإسلامية في أي بلاد بأوروبا الغربية.
وبخلاف روسيا، التي يعيش فيها بسلام أبناء مختلف الطوائف، وقد تطلب ذلك حدوث "احتكاكات" مؤلمة بين بعضهم البعض على مدى القرون، فإن أبواب أوروبا فتحت على مصراعيها في النصف الثاني من القرن الماضي، وتبين أن تدفق القادمين كان عاصفا. وفي النتيجة لم يتبق الوقت فحسب لدى الأوربيين والقادمين لإيجاد التفاهم المتبادل بينهم. علاوة على ذلك أن أوروبا بنت الآمال أكبر مما يجب كما يبدو بجلاء على الخيرات الاجتماعية التي أسبغتها على الغرباء القادمين إليها، واعتقدت أن هذا يشكل الضمانات لكسب ولائهم. ولم يساعد في ذلك حتى القرع المشترك على الطبول ، وربما جمعت ما بينهم الماريجوانا فقط.
لقد أثبتت التفجيرات في لندن ومدريد والأحداث الراهنة في فرنسا – حيث يمثل " الأوربيون الجدد" اللاعبين الرئيسيين- بأنه حتى الأشخاص الذين عاشوا فترة طويلة في أوروبا، لم يصبحوا "أوروبيين" بكل معنى الكلمة، وبقي في الأساس أسلوب تفكيرهم ومشاعرهم كالسابق، والتي جلبوها من أوطانهم. أنا لا اشك في أن التكيف اللازم سيتم بمرور الزمن، لكن هذا يتطلب ليس الوقت فحسب بل مرور أجيال عديدة.
إن أوروبا، التي تسمى نفسها بـ "الاتحاد الأوروبي"، تذكرني في غالب الأحيان بالبلاشفة الذين حاولوا تحت الشعار الأحمر " في سباق مع الزمن" أن يسبقوا قسرا عجلة الزمن ناسين القول الحكيم المأثور أن لكل شيء وقته. وصارت أوروبا العجوز، وكأنها طفل غير عاقل ، تفتح الأبواب على مصراعيها أمام عالم غريب عنها لا تفهمه كما يجب.
ويجب ألا نعلل أنفسنا بالأوهام أن ما يجري فرنسا اليوم هو مجرد اندلاع معهود للانفعالات العاطفية، كما يحدث مرارا في " الأحياء المتخلفة". انه ليس كذلك. وقد عثر رجال الشرطة الفرنسيون على مختبر كانت تصنع فيه القناني الحارقة قبل أسبوعين من دخول اليافعين البائسين صندوق المحولات بسبب غبائهما واحتراقهما هناك، مما أعطى الذريعة الشكلية لبدء العمليات القتالية. وأنا اعتقد بأنه ستكون في انتظارنا مفاجآت أخرى بعد استعادة النظام في البلاد وحصول المحققين الفرنسيين على الفرصة لممارسة عملهم بهدوء.
وإذا لم يتغير شيء في سياسة الاتحاد الأوروبي فإن ألسنة اللهيب المتصاعدة فوق باريس ستبقى عالقة في الأذهان على مدى نحو نصف قرن وكأنها العاب نارية للأطفال. إذ ستكون نطاقات المصيبة أكبر من هذا. ففي الدانمارك صار البعض "ممن لا يشبهون الدانماركيين كثيرا" ممن ألهمتهم الأحداث في فرنسا يصرخ كما أفاد شهود العيان :" هذه أرضنا". وعموما فإن الدلائل تشير إلى أن القرن 21 سيكون ساخنا.
(*)المعلق السياسي لوكالة " نوفوستي" ـ 8/11/2005
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018