ارشيف من : 2005-2008

العنف في باريس تحذير لكل أوروبا

العنف في باريس تحذير لكل أوروبا

تريفور فيلبس‏

في منطقة الكاريبي فترة الحداد على الموتى 9 ليال، وأما الليالي التسع من الاضطرابات الفرنسية فقد بدأت في باريس وامتدت إلى المدن الأخرى، وكانت الشرارة التي اشعلت الحريق بمقتل مراهقين فرنسيين من اصول شمال افريقية برصاص البوليس الفرنسي عندما حاولا الفرار تجنبا لتعرضهما للمضايقات الروتينية التي تمارس ضد الشباب السود والعرب.‏

آلاف السيارات التي احرقت حتى الآن في الشوارع الفرنسية تعتبر مؤشرا على انتهاء مفعول الوهم الفرنسي بان الحرية والاخوة سوف تجعل الفرنسيين غير البيض يقبلون بالاضطهاد والتمييز العنصري واليوم اصبحت المؤسسة السياسية الفرنسية التي قامت قبل جيل بابعاد العمال المهاجرين إلى البلدات البائسة المحيطة بباريس في حالة ذعر كامل، فرئيس الوزراء دومينيك دوفليبان دعا إلى عقد اجتماعات طارئة لحكومته والتقى مع ذوي القتيلين وناشد الجميع بالتحلي بالاعتدال.‏

وأما منافسه على الرئاسة الفرنسية نيكولاس ساركوزي وزير الداخلية بعد ان ادان اعمال العنف ووصفها باعمال الحثالة، فقد أمر البوليس بفرض حصار على تلك المناطق التي يسكنها المهاجرون، وكل من ينتصر في هذا الصراع على السلطة سوف يصبح مباشرة المرشح الأوفر حظا بالفوز بالرئاسة الفرنسية.‏

ليست فرنسا وحدهـــا في هذه المشكلة فهولندا التي اعتبرها معظم العالم بالبلاد المتعددة الثقافات والأكثر استقرارا وتقدمية في العالم تعاني من ردة فعل معادية للمسلمين فكل من المحافظين الرجعيين والعلمانيين الليبراليين يتحدثون صراحة واحيانا بتشجيع لفضائل تخصيص مدارس للبيض ومدارس للسود لتحصين الهولنديين الاصليين من "سموم الإسلام".‏

وعلى الضفة الأخرى للمحيط الاطلسي تقلقلت عقلية الجيتو والتهميش حتى في صفوف الاحزاب السياسية التيار الرئيسي من المجتمع، فمنظر الآلاف من الفقراء وكبار السن من الاميركيين السود الذين تركوا مكدسين في الاستادات الرياضية بعد ان فقدوا منازلهم بسبب الاعصار كاترينا نزع القناع الذي صنعته مظاهر النجاح الذي حققه السود في مجالات صناعة التسلية والترفيه والرياضة والسياسة ليكشف عن حقيقة الدولة التي ما زالت غارقة بعمق في الانقسام اثنيا، فتلكؤ الحكومة الاميركية في التجاوب مع احتياجات كارثة الاعصار كانت نقطة البداية لتراجع شعبية الرئيس جورج دبليو بوش.‏

حيثما نظرت تجد ان الاقنعة التي تحجب حقيقة العلاقات الاثنية تتعرض للتثقيب، ولذلك لم تعد كافية تلك الاساليب التي يتبعها السياسيون وقادة الاقليات لمعالجة المشكلة، فقد اصبحت سياسة كبيرة ويتوقف عليها صمود وسقوط الحكومات خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات أحدثت العلاقات الصناعية خطا فاصلا في المجتمعات الغربية فالنزاعات اندلعت في فترات منتظمة بصورة مواجهات خطيرة وعنيفة مثل "أورغريف" و"غرونويك" و"وابينغ" التي هددت الحكومات وأسقطتها أحيانا فالعلاقات الاثنية أصبحت تهدد بالتحول إلى جبهة حربية خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.‏

قبل 40 عاما تم اقرار أول قانون جدي ضد التمييز العنصري وقبل جيل مضى أرسينا ما أصبح اليوم شبكة من المجالس المحلية للمساواة العنصرية وتضم عدة مئات من العاملين بدوام كامل وعشرات الآلاف من المتطوعين للعمل مجانا وكثيرا ما أدى عملهم الصبور على المستوى المحلي إلى منع التوترات واندلاع نزاعات علنية ولكن المواجهات التي حدثت في بيرمينغهام قبل اسبوعين تبرهن على اننا مازلنا بحاجة لمزيد من العمل بجلد وذكاء، ولا يمكننا ان نراهن على ان كل شيء سيكون على ما يرام اعتمادا على النوايا الحسنة ومرور الوقت.‏

هناك خطآن كبيران يمكن ان تقع بهما، ويتمثل الخطأ الاول بتوهم ان النزاع العنصري ناجم فقط عن خطأ بعض المتطرفين البيض أو من قبل اشخاص سود أو بيض يعانون من امراض عقلية أو نفسية فقاموا بتدنيس مقبرة للمسلمين في بريمنغمهام فحوالي مليون ناخب صوتوا العام الماضي لصالح الحزب القومي البريطاني ليسوا جميعا "عنصريين متطرفين فالكثيرون منهم اناس عاديون خائفون من سرعة وتيرة التغيير الذي تشهده مجتمعاتهم وبالامكان اقناعهم بطريقة ما بان هذا الخلل مسوؤل عنه أناس يختلفون عنهم بأشكالهم.‏

وأما الخطأ الثاني فيتمثل في الاعتقاد بأن توليد مناطق مخصصة للأقليات الفقيرة سوف يحل كل المشكلات، فيجب أن نعترف بأن الفقراء يحتاجون الى وظائف ومساكن أفضل ولكن هذا لن يكون كافيا، ففي نيواورليانز اشتكى السود من كونهم مهملين، وفي باريس عندما سئل الشباب الساخطون "ماذا تريدون؟‏

" قالوا"توقفوا عن مخاطبتنا باحتقار".‏

كما أن هناك عدم مساواة في السلطة، لماذا لا توجد سوى قلة من السياسيين الذين يمثلون الأقليات في جميع البلدان التي تتجلى فيها الاضطرابات الاثنية؟‏

حتى قصة النجاح الأميركي التي يكثر الحديث عنها لا يوجد منها سوى عضو مجلس شيوخ السود واحد، ونحن في بريطانيا نجد أن بين ما لا يقل عن 60 عضوا في البرلمان يمثلون الاقليات لا يوجد سوى 15 عضوا.‏

أخيرا نحتاج لتحقيق المساواة في التفاعل فأقصى اليمين السياسي يزدهر على التمييز في المناطق السكنية الذي يتيح له تخويف الناس من الاقليات التي لا يعرفونها ولا يفهمونها وعندما تسنح لنا الفرصة للاندماج مع الناس الذين لا يشبهوننا نزداد اصرارا على الامتناع.‏

نحن في لجنة المساواة العنصرية لدينا اجندة للاندماج قوامها المزيد من تطبيق المساواة وتحديد اهداف جديدة للحكومة وتدقيق افضل في القوانين وتنويع أكثر في المناصب العامة، ولكن هذا ما نستطيع عمله ضمن إمكاناتنا فهذا التحدي مطلوب من قبل الجميع التصدي له وهي مسألة سياسية محصنة وحتى الآن ما زالت السياسات مرتاحة في خوضها لمعارك عنصرية قديمة أو في التهليل والاحتفال بالتنوع الثقافي الوهمي.‏

جيراننا الفرنسيون يعطوننا إنذارا قويا وينادون بأعلى اصواتهم استيقظوا جميعا.‏

2006-10-30