ارشيف من : 2005-2008
أوكرانيا في الذكرى السنوية الأولى للثورة البرتقالية
أعلنت أوكرانيا عن عيد وطني جديد اسمه (يوم الحرية) بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لـ (الثورة البرتقالية) وهي المرة الأولى بتاريخ أوكرانيا التي يُعلن فيها عن يوم وطني بهذا الاسم. نذكر أن أوكرانيا كانت قد شهدت تظاهرات واعتصامات جماهيرية نظمتها أحزاب المعارضة في نهاية تشرين الثاني من العام الماضي 2004، على خلفية رفض المعارضة القبول بنتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي أُعلن فيها عن فوز المرشح ينكوفيتش الموالي لموسكو، مقابل هزيمة المرشح يوشينكو عن المعارضة والذي كان يمثل التيار الأوكراني الداعي إلى الاندماج مع الغرب ومؤسساته. وانتهت أحداث الثورة البرتقالية بإعلان المحكمة العليا نتائج المرحلة الثانية لاغية، وتحديد يوم 26/12/2004 موعد لإعادة الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. فكان فوز يوشينكو بالرئاسة.
في تلك المرحلة برزت وجهتي نظر رئيسيتين بخصوص ما يجري في أوكرانيا. وجهة النظر الأولى تعاملت مع ما يجري على أنه انقلاب تُستغل الجماهير كأداة فيه للسيطرة على الرئاسة، واتهم هؤلاء الرئيس يوشينكو وأحزاب المعارضة التي التفت حوله بأنهم جزء من مخطط غربي يرمي إلى تطويق روسيا بدول موالية لواشنطن، كما أشاروا إلى أن التوجه بأوكرانيا نحو الغرب والابتعاد عن روسيا سياسة لا تخدم مصالح الشعب الأوكراني الذي تعود علاقات الأخوة بينه وبين الشعب الروسي إلى تاريخ أبعد بكثير من العهد السوفييتي، والعلاقات المصيرية بين الدولتين لا تقتصر على رابطة الدم بل تشمل المجالات الاقتصادية والسياسية أيضاً.
أما وجهة النظر الأخرى فاعتبرت أن أوكرانيا قد بدأت تستيقظ أخيراً وبأن (الثورة البرتقالية) هي حدث تاريخي سيضع الأسس السليمة لأوكرانيا كي تحقق قفزة نوعية، وترتقي إلى مستواها الطبيعي اقتصادياً وسياسياً. ووردت الإشارة إلى رغبة بعض القوى الكبرى في العالم بأن تلعب أوكرانيا دور قوة إقليمية بديلة عن روسيا. في هذا الشأن لا بد من الإشارة إلى محاولات الرئيس يوشينكو بالتعاون مع الرئيس الجورجي ساكاشفيلي إنعاش منظمة غووام التي تضم كلاً من (جورجيا وأوكرانيا وملدافيا وأذربيجان، مع أوزبيكستان التي أعلنت عن انسحابها من هذه المنظمة) لتكون البديل عن منظمة مجلس دول التعاون الاقتصادي التي تلعب روسيا فيها الدور القيادي. وكانت (غوام) قد عقدت اجتماعاً لها في شهر أبريل 2005، وصفه أغلبية المتتبعين لشؤون المنطقة بأنه اجتماع (العداء لروسيا).
لكن ما أربك المحللين هو التناقض الظاهري بين رغبة القيادة البرتقالية لأوكرانيا بالاندماج مع الغرب، وإعلان الرئيس يوشينكو عن سحبه لقوات بلاده من العراق، أي الانسحاب من التحالف الأمريكي في الحرب العراقية. ومع أن البعض رأى حينها في هذه الخطوة محاولة لتهدئة الشارع الأوكراني الذي عبر عن استيائه إثر مقتل عدد من الجنود الأوكرانيين في العراق، إلا أن القرار لا بد وأن يحمل أكثر من معنى. هذا الموقف وغيره من مواقف متصلة بالابتعاد ومن ثم التقرب من روسيا، يعكس حسب المراقبين، ارتباك القيادة الأوكرانية الحديثة في وضعها لأولويات سياستها الخارجية.
المناورة بين الحفاظ على العلاقات مع روسيا من جانب وإرسال إشارات لدول الغرب بأن أوكرانيا قادرة على لعب دور الحليف والشريك في المنطقة كانت الصفة المميزة للسياسة الأوكرانية خلال الأشهر الأولى من عهد (الثورة)، لكن سياسة رئيسة الحكومة الأوكرانية (يوليا تيموشينكو) حملت طابع مواجهة مع المؤسسات النفطية والغازية الروسية العاملة في أوكرانيا والتي تسيطر على سوق الطاقة فيها، وشكلت هذه السياسة مقدمة لأزمة حكومية ترافقت مع الكثير من الفضائح وانتهت بإعلان الرئيس يوشينكو عن إقالة مجموعة من زعماء الأمس رفاق الدرب أثناء (الثورة البرتقالية) وعين شخصيات جديدة بما فيهم رئيس حكومة جديد بديل عن تيموشينكو.
بتعيين إيخانوروف رئيساً للحكومة الأوكرانية خلفاً لتيموشينكو رأى الأغلبية رغبة الرئيس الأوكراني بتصحيح ما خربه دهر تيموشينكو من علاقات مع روسيا، خصوصاً وأن بعض القرارات التي أصدرتها أدت إلى خلق أزمة بنزين في أوكرانيا بعد إيقاف الشركات الروسية توزيعها هذا النوع من الوقود على المحطات في أوكرانيا، كرد على قرار تيموشينكو بتحديد الأسعار وتخفيضها. وبغض النظر عن المخرج من الأزمة النفطية الأوكرانية الذي انتهى بتغيير الحكومة، فإن الحدث أتى ليشير إلى معاني العلاقة مع روسيا وأهمية روسيا لأوكرانيا واقتصادها.
من هذا المنطلق ما زال البعض يؤكدون أن إصرار القيادة الأوكرانية على التوجه نحو الغرب يمكن وصفه بحالة مرضية سياسية لا تتوافق مع واقع أوكرانيا الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وتجدر الإشارة إلى أن الخلافات الحالية بين روسيا وأكرانيا بخصوص الأسعار التي ستعتمدها روسيا لبيع النفط والغاز لأوكرانيا يهددان أوكرانيا بأزمة جديدة قد تكون أشد وطأة من سابقتها التي أتت في فصل الربيع. وما قد يجعل التهديد بالأزمة شبح قد يسيطر على أوكرانيا في أي لحظة هو فشل أوكرانيا في التوصل إلى تفاهم مع تركمنستان التي تسعى نحوها كييف لتلبية احتياجاتها من الغاز والنفط والتخفيف من التأثر بالمصادر الروسية. لكن تركمنستان ما زالت حتى تاريخ وضع هذه المقالة مصرة مثلها مثل روسيا على أن يتم التعامل بالأسعار الدولية التي تشتري بموجبها أوروبا الغاز والنفط من روسيا وتركمنستان.
من جانب آخر، كما هي أوكراينا بحاجة لروسيا، روسيا أيضاً بحاجة لأوكرانيا، وخصوصاً من حيث تمرير روسيا لأنابيب النفط وخطوط الغاز عبر أوكرانيا إلى أوروبا، وهي خطوط تمر عبرها الصاردات الرئيسية للطاقة الروسية نحو الأسواق الأوروبية. وهناك الجانب العسكري الذي يجعل أوكرانيا على أهمية كبيرة بالنسبة لروسيا ويفرض عليها أن تبحث عن حلول وسط لخلافاتها مع أوكرانيا على أمل عرقلة الاستمرار نحو نشر الناتو قواته هناك. العلاقة بين البلدين هي علاقة مصيرية إذاً، ويعود الأمر في الحفاظ عليها إلى أصحاب القرار في موسكو وكييف.
ختاماً ، ومع الاحترام المطلق للسيادة الأوكرانية، لا بد من القول بأن روسيا كانت وما زالت تشكل المحور الرئيسي الذي تبنى عليه السياسات الأوكرانية، إما للمضي قدما معه، أو لتدميره. روسيا التي أصبحت تدرك مدى خطورة التوجه الأوكراني نحو الغرب والدعوة مؤخراً إلى الإسراع بالانضمام إلى حلف الناتو، بدأت تبحث عن طرق بديلة لنقل الغاز والنفط إلى أوروبا، في هذه الأثناء أعلنت تركمنستان عن رفضها بيع أوكرانيا الغاز بأسعار مخفضة ورفع الأسعار إلى الدولية مع بداية العام 2006، ما يعني أن أوكرانيا التي تحتفل اليوم (بيوم الحرية) قد تجد نفسها في الأشهر القادمة من الشتاء أسيرة أزمة ناتجة عن سياستها التي تقوم على بناء الوضع الداخلي بما يتناسب مع تطلعاتها الخارجية، بينما ينصح البعض بأن تقوم سياسة الدولة على بناء علاقات خارجية تلبي مصالح الشعب وتؤمن احتياجاته وتحفظ له كرامته في إطاره الجغرافي الطبيعي والاجتماعي والتاريخي والجيوسياسي.
لقد حققت الثورة البرتقالية إنجازاً لا يمكن تجاهله بنشرها للحرية ومحاربتها الفساد، فهل سيكون لدى قياداتها القدرة على اتخاذ المواقف التاريخية الصائبة في السياسة الخارجية؟
طه عبد الواحد
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018