ارشيف من : 2005-2008

الصومال: مأزق أميركي جديد

الصومال: مأزق أميركي جديد

الجنود الأوغنديين الذين وصلوا إلى الصومال في إطار قوة السلام الأفريقية، عبّر عن سعادته بانتشار تلك القوات، معتبراً أنها ستقوم بلا شك "بإحلال الاستقرار وتدريب جيشنا للدفاع عن أنفسنا". وأضاف في وصف وصول تلك القوة: "إنها مناسبة رائعة للشعب الصومالي، وفرصة رائعة للمنطقة". جاء هذا الكلام في وقت تحولت العاصمة الصومالية فيه إلى مدينة أشباح، بعد أن هجرها أكثر من خمسين ألفاً من سكانها، لا تتحرك فيها غير كتائب الجنود، ولا تسمع في أجوائها غير قعقعة السلاح وصفير سيارات الإسعاف، ولا ترى في شوارعها غير الجثث المتناثرة.‏

فقد شهدت مقديشو خمسة أيام من القتال المتواصل بين القوات الحكومية الصومالية والقوات الأثيوبية من جهة، وقوى المعارضة الرافضة للوجود الأثيوبي ولنظام الحكم المفروض بالقوة من قبل الأثيوبيين بإيعاز أميركي. وتلك الأيام الخمسة هي تفصيل من تفاصيل ما جرى خلال شهر آذار/ مارس المنصرم، الذي كان واحداً من أكثر الشهور دموية في تاريخ الصومال. المسؤول عن أحد المستشفيات أخبر أن أكثر من خمسين شخصاً توفوا فيه من أصل 450 جريحاً نُقلوا إليه خلال هذا الشهر. وهذا الشهر نفسه لم يختلف كثيراً عن الأشهر التي سبقته منذ دخول القوات الأثيوبية إلى الصومال في أواخر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، دعماً للحكومة الموقتة التي كانت قد دُحرت أمام قوات المحاكم الإسلامية التي سيطرت على معظم أنحاء البلاد منذ حزيران/ يونيو الماضي. وكان ظهور المحاكم قد وضع حداً لسبعة عشر عاماً من الفوضى التي عاشها الصومال في ظل أمراء الحرب، وقُتل فيها أكثر من مليون صومالي من أصل عشرة ملايين هم إجمالي سكان البلاد. ولم يغير تشكيل الحكومة الانتقالية الموقتة في العام 2002 شيئاً في هذا الواقع. ووصول الإسلاميين إلى الحكم باعتراف جميع المراقبين، كان فترة هدوء نقلت مقديشو من وضع المدينة الأسوأ في العالم، من الناحية الأمنية، إلى حالة من السلم والهدوء لا تعرفها أي مدينة أخرى في العالم. ويبدو أن هذا الوضع الذي يسمح لبلد أنهكته الحروب والمجاعات باسترجاع أنفاسه والبدء برسم رؤيته لمستقبله، لم يرُق لرافعي شعار الفوضى الخلاقة من المحافظين الجدد وأتباعهم في المنطقة، ممن لا يرون حاضراً ومستقبلاً خارج نطاق الاحتماء بنظام الهيمنة الأميركي. لذا، وفي الوقت الذي كانت قوات المحاكم تلاحق فلول الحكومة الموقتة في منطقة الحدود مع أثيوبيا، خفّ جون أبي زيد إلى أديس أبابا التي لم تلبث أن دفعت بجيوشها إلى الصومال، وتمكنت خلال أيام قليلة من الوصول إلى مقديشو العاصمة، لتبدأ منذ تلك اللحظة هذه الحرب النوعية التي تشهدها الصومال حالياًً.‏

والآن بعد أربعة أشهر على دخول القوات الأثيوبية إلى الصومال، وهي فترة شهدت أيضاً عدداً من عمليات القصف الجوي الأميركي التي أوقعت مئات الضحايا من المدنيين والرعاة تحت لواء ملاحقة إرهابيين من القاعدة، يبدو أن الصومال يشهد تصاعداً ملموساً في عمليات المقاومة التي لا يبدو أن فلول الحكومة الموقتة والغزاة الأثيوبيين يمتلكون القدرة على مواجهتها. ويبدو أن هذا الأمر كان متوقعاً منذ البداية، لأن مجلس الأمن كان قد أصدر منذ السادس من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قراره رقم (1725) الذي سمح بتشكيل قوة سلام أفريقية لدعم الحكومة الموقتة في الصومال. وبالتوازي مع استمرار الاحتلال الأثيوبي بدأت طلائع القوة الأفريقية التي يفترض أن يصل عددها إلى ثمانية آلاف رجل، بالوصول إلى الصومال، حيث بلغ عدد أفراد القوة الجاهزة للانتشار حتى الآن أربعة آلاف جندي، بينهم 1500 من الأوغنديين. وهم يدخلون الصومال حالياً على شكل دفعات من وحدات قتالية صغيرة الحجم.‏

حكومة موقتة ثم تدخل أثيوبي، وبعده تدخل أفريقي، وكل ذلك بترتيب من واشنطن التي تحاول إدارتها تغطية هزائمها في العراق وأفغانستان بالقفز نحو المجهول الأفريقي على صهوة الأفارقة أنفسهم. وكل ذلك لم ينجم عنه غير تصاعد المقاومة وتعمق المأزق. فالرهان الأميركي على انتصار سهل في الصومال يعيد لواشنطن بعض هيبتها المفقودة، بدأ يتحول إلى هزيمة أشد مرارة، بمقدار ما يمكن لحرب الصومال الجديدة أن تعيد الحياة إلى حرب أوغادين التي اقتطعتها أثيوبيا في ظل تواطؤ دولي سوفياتي وغربي في العام 1987، والتي تشهد حتى الآن حركة مقاومة متصاعدة ضد الاحتلال الأثيوبي.. وأيضاً بمقدار ما يمكن لهذه الحرب التي تشنها أثيوبيا "المسيحية" على الصومال "المسلم" أن تمتد نيرانها إلى داخل أثيوبيا التي يصل عدد سكانها من المسلمين إلى أكثر من (35) مليوناً من أصل (75) مليونا، بينهم (4) ملايين صومالي. وإلى كينيا التي تحتل جزءاً من الصومال، وإلى جيبوتي المقتطعة من الصومال، وإلى ما يسمى بـ"جمهورية أرض الصومال" المقتطعة أيضاً من الصومال، وإلى محيط الصومال في القرن الأفريقي، وربما أيضاً إلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر، وشمالاً إلى البحر المتوسط، بمقدار ما يمكن لتدخل أثيوبيا "المسيحية" أن يثير المشاعر في المحيط الإسلامي، وأن يدفع الأوضاع باتجاه الفوضى الخلاقة بالمعنى الذي يمكنه أن يخلق ـ خلافاً للرهان الأميركي ـ وعياً بوحدة المصلحة بين سكان المنطقة، على اختلاف الأديان والمذاهب.‏

ع.ح.‏

الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-06