ارشيف من : 2005-2008

دارفور: هيمنة ونفط أم حقوق إنسان؟

دارفور: هيمنة ونفط أم حقوق إنسان؟

تُصوَّر الأزمة الناشبة حالياً في دارفور لاعتبارات التوظيف السياسي، على أنها حرب تشنها القبائل العربية "الشريرة" على القبائل غير العربية "غير الشريرة"، وسط خلافات على مصادر المياه والأراضي الخصبة بين العرب الذين يعملون في رعي المواشي، وغير العرب الذين يعملون في الزراعة. كما يجري الحديث عن التنمية غير المتوازنة وانعدام المشاركة في الحكم، إضافة إلى التركيز على "إسلامية" العرب و"مسيحية" غير العرب، وعلى الدعم الذي تقدمه السلطات السودانية لميليشيا "الجنجاويد" المتهمة بارتكاب مجازر بحق الأتنيات الأخرى، مع غض الطرف عن الدعم الذي تتلقاه ميليشات المعارضة من الدول والمنظمات الغربية غير الحكومية، وهو الدعم الذي أثمر منذ العام 2004 حتى الآن، صدور ثلاثة قرارات عن مجلس الأمن، يلوّح آخرها، أي القرار (1706)، باللجوء إلى البند السابع من أجل وقف الانتهاكات في دارفور.‏

والحقيقة أن العرب وغير العرب في إقليم دارفور يتقاتلون ويتصالحون منذ الثمانينيات على الأقل، على غرار ما يجرى لسبب أو لآخر، في الكثير من بلدان العالم ذات التلوينات الدينية والأتنية المختلفة. ومشكلات التنمية وعدم التوازن في تقاسم السلطة والثروات شائعة في الكثير من البلدان، فلماذا إذن كل هذا الضجيج حول دارفور؟ ولماذا تصر الأمم المتحدة على القول بأن الصراع الدموي في دارفور هو من أسوأ الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث، في الوقت الذي لم تطلق فيه مثل هذا التوصيف، إذا ما اقتصرنا على الجوار الأفريقي، على ما تقترفه ميليشيا جيش الربّ من مذابح في أوغندا، أو على ما اقترفته ميليشيات "التوتسي" و"الهوتو" من مذابح في رواندا، ذهب ضحيتها أكثر من مليوني قتيل؟!‏

الجواب الأكيد هو أن دارفور إقليم سوداني، وأن السودان ذا الموقع الجغرافي والوزن الديموغرافي الهام، والذي يمتلك الكثير من الموارد الاستراتيجية، يعتمد سياسة ذات توجه استقلالي لا ترضى عنه الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة. وكان السودان قد واجه حرباً أهلية في الجنوب دامت أكثر من عشرين عاماً، تم التوصل خلالها إلى اتفاق على المشاركة والتقاسم. كما كان قد وصل أكثر من مرة إلى اتفاقات مع الميليشيات المعارضة على حل مشابه في دارفور، لكنه اصطدم في كل مرة بنقض الاتفاقات الناجم عن الإيعازات الأميركية. هنالك إذن نية أميركية معلنة منذ التسعينيات في زعزعة الوضع السوداني، ولو لم تكن هنالك مشكلة دارفور لكان من الممكن إثارة مشكلة أخرى. لكن دارفور تستحق بوجه خاص كل هذا العناء الأميركي.. فالسودان يمتد على ضفة البحر الأحمر الذي تسعى "إسرائيل" لتحويله إلى بحيرة عبرية. وفي السودان روافد النيل في وقت تحتاج فيه "إسرائيل" إلى المياه لتغذية مشاريعها الاستيطانية والتوسعية، وفي وقت أصبحت فيه أسعار المياه بمستوى أسعار النفط. وفوق ذلك يسبح السودان، ودارفور خصوصاً، على بحر من النفط يضاهي المخزون السعودي. والأهم من ذلك، في ظل المخاوف من نضوب النفط والتوجه نحو البديل النووي كمصدر آتٍ ومستقبلي للطاقة، أن إقليم دارفور يمتلك ثالث مخزون في العالم من اليورانيوم العالي النقاء، ورابع مخزون في العالم من مادة النحاس، إضافة إلى ثرواته الحيوانية وغنى أراضيه بأشجار "الهشاب" التي يستخرج منها الصمغ العربي. وإذا ما اقتصرنا على النفط الذي سيحتفظ بكامل أهميته الاستراتيجية خلال العقود القادمة، فإن الإشارة مهمة إلى أن السودان قد بدأ بإنتاج هذه المادة عام 1999، وبلغت عائداته المالية منها 500 مليون دولار، تضاعفت بعد عام واحد، وينتظر أن تبلغ عشرات المليارات من الدولارات في غضون السنوات القليلة القادمة، خصوصاً بعد مد خطين من الأنابيب إلى بور سودان، أحدهما ينطلق من الجنوب بطول 1600 ميل، فيما ينطلق الثاني من دارفور بطول ألف ميل. وقد وقع السودان اتفاقيات ضخمة مع الصين التي تشتري حالياً ثلثي الإنتاج النفطي السوداني، وتسعى إلى زيادة استثماراتها في هذا المجال على ضوء احتياجات صناعتها المتزايدة الى هذه المادة.‏

على ضوء ذلك يمكن فهم أبعاد الصراع في دارفور، ومن جملتها سعي شركات النفط الأميركية لإيجاد موطئ قدم لها في دارفور لموازنة التغلغل الصيني في السودان والنفوذ المتعاظم للصين في سائر بلدان أفريقيا، وهو النفوذ الذي تيسره أشكال التعامل القائمة على المصالح المتبادلة خلافاً لأشكال الهيمنة والتدمير التي تعرضت لها أفريقيا طيلة تاريخها الحافل باستغلالها الذريع وإفقارها من قبل أوروبا وأميركا.‏

من هنا تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها باستمرار إلى فرض عقوبات على السودان بهدف عرقلة تطوير قدرته على إنتاج النفط وتصديره، وبلغ الأمر حد التهديد الأميركي بفرض حصار بحري على السودان، تبعه تهديد بريطاني ولكن بفرض حصار جوي هذه المرة. وبعد ظهور تلويحات غربية بإمكانية تدخل "الناتو" في دارفور، يبدو أن هذا الخيار قد استبعد لأسباب، منها ما تعانيه قوات الحلف من صعوبات في أفغانستان، وذلك لحساب خيار التدخل الدولي. وقد عكس قرار مجلس الأمن الأخير رقم (1706) توجهاً لتحويل قوات الاتحاد الأفريقي التي تنتشر في دارفور منذ العام الماضي إلى قوات دولية تعمل تحت علم الأمم المتحدة، تمهيداً لتدخل دولي أكثر اتساعاً قد يحصل وفقاً للبند السابع. وهذا تطور رد عليه الرئيس السوداني عمر البشير أكثر من مرة، بإمكانية اتباع أسلوب حزب الله في التصدي لذلك التدخل، مع تشديده على أن السودان لا يريد مجابهة مع المجتمع الدولي، لكنه يرفض الوصاية الأجنبية على دارفور.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-06