ارشيف من : 2005-2008

إيران والغرب: كباش دبلوماسي حتى حدود المواجهة العسكرية

إيران والغرب: كباش دبلوماسي حتى حدود المواجهة العسكرية

وقد جاءت أزمة البحارة البريطانيين الذين اعتقلتهم القوات الإيرانية لتعطي انطباعاً اضافياً بأن العلاقات الإيرانية ـ الغربية ما زالت تدور في فلك الدبلوماسية، وما زالت تخضع لضوابط تحول دون انزلاقها نحو الانفجار.. ذلك أن طهران التي اعتقلت البحارة على خلفية الحفاظ على سيادتها، لم تقفل الباب أمام إطلاقهم، مشترطة اعتذار لندن على هذا الخرق. وفي المقابل يلاحظ بأن لندن التي طالبت بإطلاق سلاح بحارتها دون شروط، لم تلجأ إلى لغة التهديد، بل ظلت تتحرك في الإطار الدبلوماسي برغم تصعيدها المتمثل باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي وتحريض الرأي العام الغربي ضد طهران.‏

لا أحد يستطيع إنكار وجود نيات مبيتة لدى الولايات المتحدة وحلفائها إزاء طهران، قد تصل إلى حد توجيه ضربة عسكرية أو شن حرب مباغتة، لكن الواضح إلى الآن أن الظروف الراهنة في المنطقة لم تنضج بعد على نحو يتيح للأميركيين التحرك عسكرياً. هذا فضلاً عن إمكانية القول بأن هذا التحرك، وإن كان خياراً مطروحاً بجدية أمامهم، إلا أنه لم يتحول بعد ليصبح قراراً محسوماً. وعليه يبدو أن الاستراتيجية التي تتبعها واشنطن في التعامل مع أزمة إيران النووية مبرمجة على مراحل وعلى المدى البعيد، بدءاً من المرحلة الأولى عندما دخل الاتحاد الأوروبي ـ نيابةً عن المجتمع الدولي ـ في مفاوضات مباشرة مع طهران (من عام 2003 إلى عام 2005)، وانتهت بالفشل نتيجة عدم التزام الترويكا الأوروبية بتعهداتها التي تقضي بالسماح لطهران بالتخصيب مقابل تقديم هذه الأخيرة ضمانات بعدم تحول برنامجها النووي نحو الأغراض العسكرية.. مروراً بالمرحلة الثانية (2006)، حيث انتقل فيها هذا الملف إلى الوكالة الدولية للطاقة من دون أن يصار إلى إدانة طهران بخرقها القوانين والمواثيق الدولية في مجال الطاقة النووية.‏

وبرغم ذلك أحيل هذا الملف إلى مجلس الأمن الدولي نتيجة الضغوط الأميركية، الأمر الذي يعبّر عن المرحلة الثالثة التي تحاول من خلالها الإدارة الأميركية فرض عزلة دولية على الجمهورية الإسلامية.‏

ولقد صدر إلى الآن قراران أمميان: (1737 و 1747) يقضيان بفرض عقوبات شكلية ومخففة على طهران، الأمر الذي يفسح في المجال للتساؤل عن إمكانية الوصول مستقبلاً إلى عقوبات جدية ومشددة، حيث من الممكن أن يمهد ذلك لمرحلة رابعة وأخيرة ما زال المراقبون مختلفين حول طبيعتها، التي تراوح بين الحل الدبلوماسي من خلال فتح قنوات حوار مباشر بين طهران وواشنطن، أو الذهاب نحو هجوم عسكري تقوم به واشنطن وهي مزودة بعدة قرارات تشكل لها غطاءً لتبرير التحرش عسكرياً بطهران.‏

هذه الاستراتيجية، ثمة استراتيجية إيرانية مقابلة لها، أثبتت طهران من خلالها أنها تدير ملفها النووي بنجاح، من خلال الجمع بين الحسم في الحفاظ على حقوقها الثابتة، والمرونة في التعامل مع المجتمع الدولي، والاستعداد لحل هذه الأزمة عبر الطرق الدبلوماسية.‏

ويمكن تلمس الخطوط العامة لهذه الاستراتيجية من خلال ما يلي:‏

1 ـ تأكيد طهران سلمية مشروعها النووي واستعدادها للتعاون الكامل مع المنظمات الدولية المختصة، من قبيل توقيعها على "البروتوكول الإضافي" وسماحها للمفتشين الدوليين بمراقبة نشاطاتها النووية.‏

2 ـ استعدادها للتفاوض غير المشروط.‏

3 ـ تأكيد استمرارها في التخصيب وعدم تراجعها عن هذه المسألة التي باتت مرتبطة بالسيادة الوطنية.‏

4 ـ رفض تقديم أي تنازلات للجانب الأميركي، وعدم القبول بجعل الملف النووي ورقة للمساومة والمقايضة مع ملفات إقليمية أخرى.‏

5 ـ العمل الدؤوب والجاهزية العالية والاستعداد لمواجهة أي عدوان محتمل، وذلك من خلال تطوير القدرات الدفاعية الإيرانية، والقيام بمناورات عسكرية متتالية أثبتت أن طهران قوة عسكرية إقليمية لا يمكن الاستهانة بها.‏

في ظل إصرار طهران على المضي في مشروعها النووي من دون الرضوخ لشتى أنواع الضغوط التي تتعرض لها، وبالمقابل مع إصرار الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها على منع إيران من الوصول الى طموحاتها النووية المشروعة، يبدو أن الفصل المقبل من هذه الأزمة مرشح للمزيد من التعقيد، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المآل المرجح الذي ستنتهي اليه هذه الأزمة هو اللجوء الى الخيار العسكري.. ذلك أن الأميركيين قد يمتلكون القدرة على ضرب إيران، إلا أنهم ما زالوا يفتقدون الى الجرأة على القيام بذلك.. وإن امتلكوا الجرأة، فهم يفتقدون الضمانات التي تتيح لهم تحقيق أهدافهم المباشرة والخروج من المعركة بأقل قدر من الخسائر.. فضلاً عن أن الأميركيين يدركون أن الدخول في الحرب شيء، والنتائج المترتبة عليها شيء آخر، وبالتالي فإن الخيار العسكري ليس بمنأى عن عواقب كارثية على المصالح الأميركية في المنطقة والعالم.‏

قد لا يكون لجوء واشنطن الى القوة العسكرية خياراً مستحيلاً، لكنه ليس مرجحاً على المدى القريب، خاصة أن ملف إيران النووي ما زال يتحرك في أروقة مجلس الأمن بنحو يوازن بين عدم إحراج الأميركيين ودفعهم الى الخوض في المواجهة وخطورتها، وفي الوقت نفسه بشكل لا يعيق الإيرانيين ويمنعهم من الاستمرار بالفعالية النووية. وأزمة البحارة البريطانيين تشير الى عدم رغبة المعسكر الغربي في التصعيد ضد طهران، بدليل عدم اللجوء الى لغة القوة والتهديد في حل هذه الأزمة، من دون أن ينفي ذلك الاحتفاظ بالخيار العسكري كخيار مرجح في مرحلة لاحقة. ويبدو أن واشنطن وحلفاءها قد استفادوا من قراءة نتائج حرب تموز وتورط "اسرائيل" فيها، اذ لن ينجروا الى فتح معركة قبل أوانها وقبل أن تنضج ظروفها بسبب حادث يمكن التغافل عن دلالاته والتعامل معه عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية.‏

حبيب فياض

الانتقاد/ العدد1209 ـ 6نيسان/أبريل2007‏

2007-04-06