ارشيف من : 2005-2008
فريق السلطة يجهز على الحوار الوطني ويعمل للوصاية الدولية الكاملة
فعلها أخيراً فريق السلطة، وفعلته هذه ترتقي الى مستوى الجريمة الوطنية الكاملة:
أولاً: لأن هذا الفريق يصر، عن سابق تصور وتصميم، على تعميق الانقسام الوطني، وضخ المزيد من عوامل عدم الاستقرار، والمواد المشتعلة بل والمتفجرة، في الجسم الوطني الهش أصلاً والضعيف.
ثانياً: لأن هذا الفريق يثبت بالملموس أنه لا يقيم شأناً للكرامة الوطنية، ولا هم له إلا السلطة والسلطة فقط، حتى لو كان ذلك على حساب قيام دولة حقيقية، وانتظام اجتماعي ـ سياسي موحد.
هذا الفريق لا يقيم وزناً لا للسيادة ولا للاستقلال، وليس تمجيده لهما إلا تمجيداً شعاراتياً وللاستخدام السياسي، وإلا فكيف سيجمع هذا الفريق بين دعوته الى السيادة والاستقلال، ووضع لبنان كله تحت هيمنة الفصل السابع، وما يعنيه من ضربٍ للمؤسسات على أنواعها، وإلحاقها جميعاً بالوصاية الدولية.
ثالثاً: لأن هذا الفريق يقدم كل يوم شاهداً على عمالته للأميركي والفرنسي، وأنه ليس أكثر من بيدق صغير في لعبة الشطرنج الخاصة بالمشروع الأميركي ـ الصهيوني للمنطقة، والتي كان أحد فصولها الأخيرة عدوان تموز، والتي لعب فيها هذا الفريق دور الممهد والمساعد والمشجع.
رابعاً: لأن هذا الفريق برهن مرة أخرى على أنه لا يمكن الوثوق به، وأنه لا يملك إرادته، وهو مرتهن بالكامل لإرادة الخارج، ومستعد لبيع البلد بكامله لحساب المصالح الاميركية وما تتركه له واشنطن من فتات يقتات عليه.
خامساً: لأن هذا الفريق لا يقيم وزناً ولا اعتباراً لأكثرية الشعب اللبناني الذي تمثله المعارضة. وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على مدى ارتهان هذا الفريق للخارج، وعلى مدى نزوعه التسلطي الذي يجد نموذجه في أنظمة التسلط المنتشرة في المنطقة، التي لا تقيم وزناً لإرادة شعوبها.
هذا بداية، أما سياقاً ودلالة، فإن خطوة العريضة تقول وبلسان فصيح التالي:
أولاً: ان فريق السلطة لم يكن جاداً ولو لحظة من اللحظات في البحث عن تسويات وحلول وطنية تعكس إرادة توافقية داخلية، وإنما كان يناور ويناور تقطيعاً للوقت لإنضاج الظروف وتهيئة المناخات في الداخل والخارج، تمهيداً لخطوته الانقلابية تلك. ويكفي أن نتذكر هنا كيف أفشل كل محاولات الحلول، وكم أطلق النار على المبادرات العربية والسعودية تحديداً، كلما شعر بأن أفق الحل بات قريباً، أو في متناول اليد.
كما أن هذا الفريق مهّد لخطواته هذه عبر مناورة من ثلاثة بنود:
أ ـ التظاهر بالرغبة في الحوار.
ب ـ توزيع أدوار مدروسة في اطلاق النار على ثلاثة أهداف: جنبلاط أخذ على عاتقه مهمته الخاصة بالتصويب على حزب الله وبري، وجعجع التصويب على رئيس الجمهورية، وأما الحريري فكانت مهمته الإجهاز نهائياً على إمكان الحل عبر رفعه شعاراً مزدوجاً سياسياً وأخلاقياً: القبول بصيغة (19 + 11) انتحار سياسي، وقتل مكرر للحريري الأب.
ج ـ من جهته تولى السنيورة والرموز المشار اليها آنفاً، مهمة إظهار أن دور المجلس معطل، وأن المجلس النيابي مخطوف، وأن الرئيس بري يتحمل مسؤولية أساسية، خصوصاً تجاه اصدار المحكمة ذات الطابع الدولي تحت الفصل السابع.
كل ذلك تزامن مع زيارة بان كي مون ونانسي بيلوسي وميركل الى لبنان، ومع اجراء اتفاق سري مع الأول يقضي بإرسال العريضة قبل يوم السبت، موعد عرضه لتقريره الخاص بالقرار (1701)، وتقريره حول زيارته الى لبنان، على مجلس الأمن.
ثانياً: ان فريق السلطة بتواطؤ دولي واضح، أميركي وفرنسي تحديداً، حيث إن الرئيس الفرنسي جاك شيراك المهجوس بنظام المحكمة الدولية وصاحب الغيرة غير العادية على العدالة، يريد تنفيذ وعده بإصدار نظام المحكمة قبل مغادرته قصر الإليزيه، ولم يعد أمامه الا أسابيع معدودة. وهو في سبيل ذلك سيذهب الى الصين بغية إقناعها بمجاراته في تمرير نظام المحكمة تحت الفصل السابع، ما يعني أن الأمور ما زالت غير ناضجة وتحتاج الى تواصل الاتصالات.
في مطلق الأحوال يبدو واضحاً أن هناك سيناريو دوليا ما جرى طبخه مؤخراً بين فرنسا وواشنطن والأمم المتحدة، ونحن نشهد الآن أولى خطواته، وهدفه الأساسي اصدار نظام المحكمة الدولية، إن لم يكن تحت الفصل السابع في حال تعذر ذلك لسبب من الأسباب، فتحت الفصل السادس، والبعض يقول الفصل السادس صدوراً والسابع تنفيذاً.
ثالثاً: من الواضح أيضاً أن ثمة قرارا دوليا كبيرا بعدم السماح بصدور المحكمة ذات الطابع الدولي بتوافق لبناني ـ لبناني، وذلك لكي لا تفقد الأبعاد والوظائف التسييسية التي تضمنها الآن.. ونحن سبق أن سمعنا تصريحات جنبلاطية وغير جنبلاطية بأنه غير مسموح الا بتعديلات شكلية.. ماذا يعني هذا؟ يعني ان المطلوب ابقاء نظام المحكمة عصا غليظة بيد واشنطن لاستخدامها في وجه أطراف لبنانية في الداخل، وأطراف اقليمية في الخارج.
رابعاً: إن هذه الخطوة تندرج في سياق عملية متواصلة من فرض الوصاية الدولية على لبنان بدأت مع القرار الدولي (1559) وليس انتهاءً بالقرار (1701)، إلا أن الخطر الآن يتمثل بصدور نظام المحكمة تحت الفصل السابع، لكون عملية الوصاية ستبلغ حدها الأقصى، حيث ستوضع اليد دولياً على كل مؤسسات الحكم والسلطة، وذلك بما يتيح إعادة بناء مقوماتها بما ينسجم مع المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي في المنطقة.
خامساً: ان هذه الخطوة يريدها فريق السلطة ليخرج نظام المحكمة الدولية من دائرة التفاوض والنقاش الداخلي، بما يتيح له إقفال النقاش نهائياً حول حكومة الوحدة الوطنية، أو على الأقل فرض طرحه فيها، ومن ثم تركيز النقاش على استحقاق رئاسة الجمهورية في سياق الدعوة الى انتخابات مبكرة.
سادساً: لا شك في أن هذه الخطوة أجهزت عملياً على الحوار الداخلي، حيث جعلته بلا فائدة أو معنى. وهي بالتالي تشكل نقلة في التجاذب الداخلي نحو خطوط مواجهة وتوتر جديدين.
سابعاً: تبدو هذه الخطوة أيضاً متدرجة في سياق التحضير الشامل للمسرح في المنطقة الذي تقوم به واشنطن وأدواتها، في سياق تمهيد الطريق أمام احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، ما لم يحدث تطور ما يحول دون ذلك.
خلاصة القول هنا، أننا أمام مرحلة جديدة في احتدام المواجهة، وفي كل مرة يتولى فريق السلطة جر البلد الى لعبة "روليت" تخص رموزه. ولا شك في أن المعارضة ستكون أمام تحديات جديدة، ما يعني بدوره ان لعبة استقطاع الوقت باتت وراءنا، وأن لعبة التهدئة انتهت، ولم يبق أمام الجميع إلا المواجهة الحاسمة.. وسيدرك فريق السلطة مجدداً كم كان واهماً في حساباته ووهمه كما بحسابات عدوان تموز.
الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018