ارشيف من : 2005-2008
افتتاحية صحيفة الخليج
تخفيض القوات وإشعال الفتنة
يشتد الضغط على الادارة الأمريكية كي تعلن جدولا للانسحاب من العراق. فقد أغرى التدني المتواصل في شعبية الرئيس بوش والتأييد للحرب خصومه كما بعض حلفائه للجهر بالدعوة إلى الجلاء. وبدأت التكهنات السياسية تشير إلى تبلور رأي حول الانسحاب، وهي لم تأت عبثاً، بل هناك الكثير من الدلائل التي تدعمها. وكان تصريح كوندوليزا رايس أبرزها حين قالت إنه "ليس هناك من موجب" على الولايات المتحدة للمحافظة على مستوى قواتها الحالي. كما أن التحركات العراقية الاقليمية مؤشرات أخرى تسند هذه الاستنتاجات.
الادارة الأمريكية في وضع محرج أمام شعبها، وعليها أن تقنعه بأن لديها خطة حول مستقبل قواتها في العراق، وينبغي أن تحتوي هذه الخطة على علامات النجاح. وإحدى علامات النجاح أن الأمور تتحسن، وبالتالي فلا حاجة لوجود حجم كبير من القوات هناك.
وليس مصادفة أن تتوالى التصريحات والتحليلات في الصحافة الأمريكية عن التحسن في الوضع الأمني في العراق، إذ يبدو أن صقور الادارة الأمريكية يضعون خطة تجمع النقيضين، أي سحب نسبة كبيرة من القوات من جهة والمحافظة على الوجود من جهة أخرى، باعتبار أنه ليس واردا لديهم مغادرة العراق، لأن الحرب العراقية أملتها المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للرؤية المحافظة الجديدة، ومغادرة العراق كليا ضربة قاضية لمشروعهم الذي ليس من السهل التخلي عنه، لأنه يعني نهاية مشروع الشرق الأوسط الكبير، ويعني أيضاً تبدد أحلام السيطرة على العالم، وكذلك إضعاف القدرة الأمريكية على محاصرة روسيا.
ولكن كيف ستجمع الادارة بين ارضاء الشعب الأمريكي والبقاء في الأرض العراقية؟ ليس هناك خيار غير استبدال قواتها المنسحبة بقوات عراقية. فإذا كانت قواتها وبهذا الحجم لم تتمكن من تحقيق الاستقرار والأمن فكيف يمكن لتخفيضها أن يحققه؟ إنها ترى أن القوات العراقية المسنودة بالقوة الأمريكية المتحركة بإمكانها انجاز ذلك، وهي بهذا تهدف إلى تقليل حجم الخسائر في قواتها، لأن انتشار العدد الكبير منها يجعلها عرضة للضربات، أما تخفيضها وحصرها في مناطق محددة بعيدة تتحرك عند الحاجة فيقللان من حجم الخسائر البشرية في صفوفها، وبالتالي يقودان إلى تخفيض الضغط الشعبي عليها لأنه يظهرها كأنها حققت أهدافها.
لكن تخفيض خسائرها لا يعني أن خسائر العراق ستنخفض، فالضربات الجوية الأمريكية ستزيد من خسائر العراقيين، إذ كيف يمكنها أن تميز في وسط المدن بين المسلحين القلة والمدنيين الكثر؟ كما أن ذلك سيضع العراقيين في مواجهة بعضهم بعضاً، وقد تتطور الأمور إلى مواجهات على اساس طائفي أو عرقي، وسيحصل ذلك حينما يظن البعض أنهم يحمون أنفسهم بالقوات الأمريكية، وحينما يظن البعض الآخر أن الآخرين يستقوون بهم عليهم. لكنها خطة غبية، لأنها لا تدمر العراق فقط، بل تجعل منه حاضنة لدمار يتجاوز المنطقة.
1/12/2005
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018