ارشيف من : 2005-2008
الرئيس بشار الأسد:لن أمثل أمام لجنة التحقيق.. ورئيس الجمهورية لديه حصانة دولية
مقابلة ـ صحيفة الأسبوع المصرية ـ 8/1/2006
إذا أردنا الخروج من الأزمة فيجب الاتفاق حول ثوابت معروفة: التوحد حول دور المقاومة، حول دور إسرائيل في المنطقة، حول العلاقة مع سوريا والعمق العربي
أجرى الحوار في دمشق : مصطفى بكري
أدلى الرئيس السوري بشار الأسد بحديث خاص إلي جريدة `الأسبوع` أكد فيه رفضه المثول أمام لجنة التحقيق الدولية مستندا إلي تمتعه بالحصانة الدولية. وشدد الرئيس بشار على أن أي طلب من هذا النوع لابد أن يستند إلي قاعدة قانونية. وأكد الرئيس السوري أن عبد الحليم خدام ليس أكثر من أداة في إطار مشروع يستهدف سوريا وأمتها العربية.. مشيرا إلي أن مثل هذه الأدوات لا تتمتع بأية مصداقية في الشارع السوري والعربي. وشدد الأسد على أن خدام ضالع في المخطط من قبل أن يعلن عن ذلك صراحة في حديثه التليفزيوني وتحدث عن الدور الذي كان يقوم به داخل الاجتماعات الحزبية والحكومية من الدعوة إلى الانبطاح الكامل والتنازلات الكبيرة.
وتحدث الرئيس بشار عن الأوضاع الراهنة على الساحة اللبنانية وأكد أن هناك قوى تسعى إلي تقطيع أواصر العلاقة بين لبنان ومحيطه العربي، وأن هذه القوى ضالعة في مخطط دولي يستهدف الأمة بأسرها.
ونفى الأسد أن يكون قد وجه أي تهديد للرئيس الحريري وقال إن من لديه تسجيلا يثبت عكس ما يقول فليخرجه للرأي العام.. مشيرا إلى أن إسرائيل هي المستفيد الأول من اغتيال الحريري.
وأبدى بشار موافقته علي إرسال قوات عربية إلى العراق ولكن شريطة توافر الشروط الموضوعية لذلك.
وأكد أن ما حذر منه بشأن الوضع في العراق قد تحقق على أرض الواقع بدرجة فاجأته من حيث الزمن والحجم.
وأشار الرئيس بشار إلى أن المخرج الوحيد من الأزمة الراهنة في العراق يتمثل في وضع جدول زمني لانسحاب قوات الاحتلال والاتفاق على مشروع للدستور يؤكد هوية العراق وعروبته.
وأثني الرئيس بشار على مواقف الرئيس مبارك من سوريا وقال: إن مبارك يتحرك على كافة الصعد لتخفيف الضغط علي سوريا دون إعلان. وقال: في حال حدوث عدوان على سوريا فلا أتوقع أن تقف مصر مكتوفة الأيدي. وأكد الرئيس بشار أنه يجري النقاش حاليا حول إصدار مشروع قانون للأحزاب يطرح علي الشارع. كما أشار إلى أن النية تتجه لايجاد آلية حاسمة لمواجهة الفساد. وقال الرئيس بشار: إن الضغوط الخارجية أجلت إجراء التغيير الوزاري في الحكومة.. إلا أنه أشار إلى أن فكرة التغيير لا تستند إلى تغيير الأشخاص ولكن إلي الرسالة المطلوب أن تقوم بها الحكومة في إطار خطة طموح يجري تنفيذها في البلاد.
وفيما يلي نص المقابلة:
ـ سيادة الرئيس بداية: ما ردكم علي مطلب لجنة التحقيق الدولية بمقابلتكم والسيد فاروق الشرع وزير الخارجية؟
*نحن دائما طرحنا وأعلنا أكثر من مرة عن موافقتنا علي مبدأ التعاون مع لجنة التحقيق الدولية، ولكن التعاون كما قلت يجب أن يرتكز علي القاعدة القانونية، ولذلك فإن أي طلب من هذا النوع يرتكز علي هذه القاعدة القانونية فنحن معه، وهذا الطلب ليس هو الطلب الأول، هناك طلب سابق، عندما طرحت اللجنة أن تأتي إلي سوريا في نهاية الصيف الماضي لتستمع إلي شهود سوريين كما أسموهم، وفي هذا الوقت طلبوا اللقاء مع الرئيس بشار ورئيس الجمهورية لديه حصانة دولية كما تعرف، ومع ذلك فقد أرسلنا لهم ردا عن طريق اللجنة القضائية السورية بدعوة رئيسي اللجنة الحالي والقادم لزيارة دمشق وتوقيع بروتوكول مع اللجنة يحدد آلية التعاطي مع سوريا علي كل المستويات.
ـ إلي أي مدي ترون أن التصريحات الأخيرة التي أدلي بها نائب رئيس الجمهورية السابق عبد الحليم خدام يمكن أن تخدم المخططات التي تستهدف سوريا؟
*علينا أن نركز علي المشروع بدلا من الشخص، فالشخص في النهاية هو مجرد أداة، وهو علي المستوي الشخصي الناس تدرك حقيقته جيدا في سوريا، لذلك يبقي علينا أن نفكر بالمشروع، والمشر وع معروف ولم يتغير وهو مستمر، أما إضافة أدوات جديدة إلي هذا المشروع فهي لا تؤثر إلا بمقدار مصداقية هذه الأدوات بالداخل السوري، فما بالك والناس تعرف حقيقة هذه الأدوات ودوافعها.
وإذا كان هدف هذا المشروع هو تفتيت الداخل السوري، وأنا سبق أن قلت في خطابي في الجامعة إن الهدف هو خلق انقسام بين الدولة والشعب وانقسام داخل المجتمع، وبما أن هذه الشخصية لا تحوز علي أي مصداقية في المجتمع السوري علي كافة المستويات فهي لن تزيد كثيرا.
ـ لقد اعتبرت صحيفة `يديعوت أحرونوت` الإسرائيلية أن قصر عبد الحليم خدام في باريس قد تحول إلي `محج` للمخابرات الأمريكية والفرنسية والإسرائيلية ومخابرات بعض الدول الأخري، هل تعتبر أن خدام ضالع في المخطط الآن أم قبل ذلك بكثير؟
*باعتقادي أنه ضالع في المخطط من قبل وهو طرف أساسي فيه ولكن ليس لدينا تفاصيل محددة حتي الآن، ولكن أود أن أشير هنا إلي أن كثيرا من الأطروحات التي كان يطرحها داخل الاجتماعات أو خارجها كانت تخدم هذا المخطط.
ـ مثل؟
* مثل الانبطاح الكامل، التنازلات الكبيرة، عرقلة كثير من المشاريع الوطنية والقومية، هذه كلها عناوين لمواقف عديدة كانت تدفعنا دوما إلي طرح المزيد من التساؤلات حول حقيقة أهدافه.
ـ منذ فترة من الوقت أقدم وزير الداخلية السوري غازي كنعان علي الانتحار وتردد أنه أقدم علي هذه الخطوة بعد كشف ضلوعه في المخطط، هل تعتقد أن ثمة تنسيقا بين خدام وكنعان؟!
* ليست لدينا أية معطيات من هذا النوع، وحتي الآن لا توجد لدينا أية معطيات عن أسباب انتحار غازي كنعان، ولكن لدينا معطيات قبل ذلك حول علاقة خاصة بهذا الاتجاه.
ـ سيادة الرئيس.. كيف ترون السيناريوهات المقبلة علي صعيد الوضع في لبنان في ضوء تقرير ميليس؟!
* لبنان لديه تاريخ من الاضطرابات عمرها مئات السنين، وقد طبعت عليه هذه الاضطرابات الطابع الطائفي بدأت بين الموارنة والدروز، ثم انتقلت إلي فئات أخري، ومن الواضح أن هناك من يحاول استغلال الأوضاع الراهنة ليأخذها باتجاهات أخري طائفية مثل ما يحدث في العراق حاليا.
ودعنا ننطلق من هذه النقطة لنؤكد أنه عندما يكون هناك مجتمع يموج بالتناقضات فلن يوجد سوي مشروع وطني، ولذلك فالسيناريو في لبنان يجب أن يكون سيناريو وطنيا أولا وقوميا ثانيا ولنستقرئ في ذلك تاريخ لبنان، لقد كان تاريخ لبنان بشكل عام داعما للقضية الفلسطينية وكان داعما للعلاقة الخاصة مع سوريا وكان داعما للعمق العربي، وعندما اتجه لبنان باتجاه آخر وهو التدويل والعلاقة مع الغرب والخروج عن جذوره حصل الانقسام في المجتمع اللبناني، إذن أنا لا أري المستقبل اللبناني ينفصل عن تاريخه، ومن هذا المنطلق إذا أردنا الخروج من الأزمة فيجب الاتفاق حول ثوابت معروفة: التوحد حول دور المقاومة، حول دور إسرائيل في المنطقة، حول العلاقة مع سوريا والعمق العربي.
ـ إذن بماذا تفسرون الانقلاب الفكري لمواقف بعض النخب اللبنانية التي كانت فيما سبق تزايد علي الآخرين في دعمها لسوريا وأقصد تحديدا وليد جنبلاط؟
* بدون الدخول في الأسماء، ولكن هؤلاء كنا نتحدث عنهم في أكثر من لقاء ونقول إن هؤلاء الأشخاص يقومون بكل الأعمال السلبية في لبنان باسم سوريا، وأمثال هؤلاء هم الذين نصفهم بالانتهازيين، ومن الطبيعي أن يلجأ الانتهازي إلي الانقلاب علي مواقفه كل يوم، فاليوم هو مع سوريا وغدا ضدها وقس علي ذلك كثيرا. نحن لسنا متفاجئين بهذه الانقلابات لأن هؤلاء يقيسون الأمور دائما بالقياسات الدولية وليس بالقياس الوطني أو القومي.. وحتي قياساتهم الإقليمية تحسب بالحساب الدولي، ومع تغير الظروف الدولية وانقلاب الوضع الدولي ليس ضد سوريا فقط وإنما ضد لبنان وضد الدول العربية بشكل عام فمن الطبيعي أن ينقلبوا مع التيار الدولي لأن هؤلاء جزء منه بالأساس وليسوا جزءا من الحالة الوطنية أو القومية.
ـ تحدثتم أمام مجلس الشعب بأخلاق الفرسان عن أخطاء سورية ارتكبت علي الساحة اللبنانية.. ما هذه الأخطاء؟ وهل حاسبتم مرتكبيها؟
* البعض فهم هذا الموضوع بشكل خاطئ، لقد اعتقدوا أن الأخطاء تعني تجاوزات فردية، هذه التجاوزات موجودة في سوريا وفي كل مكان، ولكن ما قصدته هو الأخطاء التي تتعلق بتطبيق الاستراتيجية السورية التي طرحها الرئيس الراحل حافظ الأسد التي نجحت في لبنان والتي ارتكزت علي أن لبنان عمقه عربي وجذوره عربية وارتكزت أيضا علي منع تقسيمه ومواجهة المخططات الرامية لعزل بعض الفئات اللبنانية عن محيطها الطبيعي في لبنان والعالم العربي.
وهذه الاستراتيجية نجحت من خلال توحيد لبنان في عام 1990 وارتكزت علي اتفاق الطائف، ولكن بعد اتفاق الطائف فإن التكتيكات التي استخدمت من قبل بعض المسئولين السوريين لم تخدم هذه الاستراتيجية وبالتالي أوقفوا النجاح السوري عند توحيد لبنان، وفي الحقيقة فقد تحولت هذه الاستراتيجية الكبيرة الهامة في تاريخ لبنان إلي علاقات شخصية أوصلتنا إلي ما أوصلتنا إليه بعد فترة من الوقت، هذه هي الأخطاء التي قصدتها في خطابي، من المسئول عن ذلك؟ أعتقد أن الشارع السوري يعرف الأسماء جيدا وقد تمت معاقبتها.
ـ سيادة الرئيس.. أين الحقيقة في الرواية التي تحدث عنها الإعلام وأيضا عبد الحليم خدام حول تهديد قد صدر منكم إلي الرئيس الحريري؟!
* أنا إنسان مباشر وصريح ولا أعرف ماذا يقصد البعض بالتهديد، هذا أمر لم يحدث، الهدف من ترويج هذه الادعاءات هو ربط التهديد بعملية الاغتيال، واللعبة واضحة، وأود أن أقول هنا إن اللقاء الأخير بيني وبين الحريري لم يحضره أحد سوانا فمن أين جاءوا بهذه الادعاءات؟
ـ يقال إن الرئيس الحريري سجل هذا اللقاء من خلال جهاز تسجيل صغير كان يحمله في جيبه؟
*هذا شيء عظيم، أين هو هذا التسجيل؟ ولماذا لا يذيعونه؟.. لقد قلت للحريري صراحة: نحن لا نريد أن نضغط عليك بخصوص قضية `التمديد` للرئيس لحود، اذهب وفكر يوما أو عدة أيام ثم رد علينا إما عن طريق رئيس مجلس النواب اللبناني السيد نبيه بري وإما عن طريق المخابرات السورية في لبنان. إن اللقاءات بيني وبين الحريري كثيرة وهي تعود إلي سنوات وأنا دائما أكون واضحا في كلامي أما قضية التهديدات فهذا لم يحدث.
ـ لكنهم يربطون التهديد بالتمديد.
*نعم إذا كانوا يتحدثون عن ربط التهديد بالتمديد للرئيس لحود، فأنا أقول إن الرئيس الحريري وافق علي التمديد للرئيس لحود، إذن ما هي المشكلة بين الحريري وسوريا إذا كان ذلك قد حدث؟ إنه حتي من الناحية الجنائية فهذا الكلام غير صحيح، لأن التهديد دوما مرتبط بشيء لم يقم به الشخص، لكن الحريري تجاوب مع المطلب السوري ولم يكن عنيدا ولا متعبا ولا أي شيء، إذا لم تكن هناك مشكلة بالأساس حتي يكون هناك تهديد.
ـ إذن ما هو تفسيرك لعمليات الاغتيال التي وقعت ضد شخصيات مناوئة لسوريا علي الساحة اللبنانية؟
*بعض الشخصيات التي جري اغتيالها لم تكن مناوئة، خذ مثلا `جورج حاوي` وحتي `الياس المر` لم يكن مناوئا لسوريا، لا يوجد لدينا تفسير سوي أن هناك عمليات اغتيال تقف وراءها قوي مشبوهة، لقد وقعت هناك عملية اغتيال لأحد كوادر حزب الله الهامة وكذلك اغتيال `إيلي حبيقة` وهو كان مساندا لسوريا، وكذلك اغتيال `داني شمعون` وغيره وقد جري كل ذلك في ظل الوجود السوري علي أرض لبنان، فمن هو صاحب المصلحة؟
إنني أعتقد أن لبنان لم يستقر أمنيا لأسباب كثيرة اللبنانيون يعرفونها أكثر من أي أحد آخر، ذلك أن أي حالة أمنية لا يمكن أن تكون إلا نتاج حالة سياسية، والفوضي السياسية تؤدي دوما إلي فوضي أمنية والدليل العراق، أما الاستقرار السياسي فهو يخدم الاستقرار الأمني والدليل سوريا ودول أخري علي سبيل المثال، إذن عندما نري حالة أمنية متردية بهذا الشكل فيجب أن نبحث أولا في السياسة فهي التي تحقق الاستقرار وتمنع الاختراق الخارجي لأمن البلاد.
ـ إذن من هو صاحب المصلحة الأساسي في اغتيال الحريري؟
*ليس لديٌ أدلة أو معطيات، المستفيد قد تكون `إسرائيل` سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهناك أيضا مستفيد آخر، وعلينا أن نقول إذا كان هناك قوي لبنانية بعينها يمكن أن تقوم بهذا العمل أيضا، وعادة من يفجر أو يلجأ إلي هذه الأساليب هو من يعيش في ورطة، واعتقادي أن القوي الوطنية اللبنانية ليست في ورطة، إذن علينا أن نبحث عن قوي أخري لها مصلحة في الاغتيالات وفي توقيتات محددة.
مثلا ما هي مصلحة سوريا في اغتيال `جبران تويني` علي سبيل المثال؟ قد يكون لهذه الشخصية وزن في لبنان ولكن ليس لها وزن بالنسبة لسوريا، فهي لا تعرقل المشروع القومي لسوريا ولا تشكل تهديدا ضدها، ومن ثم فليس لنا مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في اغتياله.
ـ سيادة الرئيس.. هناك من يقول إن حالة من التهدئة سادت ملف العلاقة السورية الأمريكية نتج عنها عدم استجابة واشنطن لمطلب `السنيورة` بتشكيل لجنة تحقيق دولية في قضية الاغتيالات، هل توجد تفاهمات مشتركة علي خلفية مشاركة السنة في الانتخابات العراقية وبعض القضايا الأخري؟
*لا، موقفنا أساسا لم يتغير بالنسبة للعراق، وكذلك موقف أمريكا لم يتغير بالنسبة للعراق، لكن بالمظهر الولايات المتحدة تتحدث عن انتخابات لدعم العملية السياسية، ونحن قبل الولايات المتحدة تحدثنا عن انتخابات لدعم العملية السياسية ولكن بالمضمون هم لا يرغبون بالتعاون ومن ثم لم تحدث أية صفقة بين سوريا والولايات المتحدة.. نحن لا نتدخل في التفاصيل، نحن نتحدث في قضية أساسية وهي عروبة العراق، لأن انتفاء العروبة يعني تفتيت العراق، والعروبة لا تعني العرب وتستثني الآخرين الأكراد أو غيرهم من التقسيمات العرقية، بل العروبة تعني مفهوما حضاريا، فالعراق هو بلد عربي هذا بالتاريخ أو الأكثرية وهذا لا يتنافي مع وجود ثقافات وقوميات أخري كما في كل الدول العربية ومنها سوريا، وهذا هو الموقف الوحيد الذي نتحدث فيه مع العراقيين.
ـ سيادة الرئيس.. لقد حذرت خلال القمة العربية التي عقدت في شرم الشيخ من خطورة مخطط ما بعد احتلال العراق، والآن بعد مرور نحو عامين علي الاحتلال.. كيف تري الأوضاع علي الساحة العراقية؟! وهل تري أن ما حذرت منه يحدث علي أرض الواقع؟
*أري أن ما حذرت منه أقل بكثير مما يحدث علي أرض الواقع وهذا هو ما فاجأني، لقد كنت أقول هذا الكلام في القمة وللوفود الأمريكية التي كانت تزور سوريا وتتحدث عن الانتصار الحتمي.. كنت أقول لهم: لا أحد يشك في انتصاركم في المعركة ولكن بعد المعركة ستغرقون في المستنقع، لم نكن نقدر لا الزمن ولا الحجم، لقد فوجئنا بالزمن القصير لظهور هذا المستنقع وبالحجم الكبير لهذا المستنقع، ونعتقد أن الوضع الآن أسوأ بكثير مما كنا نتوقعه أولا بالنسبة للأمن والاستقرار في العراق وسلامة وأمان الشعب العراقي وثانيا بالنسبة لوضع المحتلين في العراق.
ـ إذن كيف الهروب للأمام؟ ما هو المخرج في تقديركم؟
*المخرج هو في وضع جدول زمني لانسحاب القوات المحتلة من العراق وثانيا في الدستور، والدستور هو الذي سيحدد مصير العراق ومستقبله وامكانية أن يتوحد أو يتفتت، أي أن يكون العراق وشعبه مجتمعا وموحدا أو أن يدخل في إطار الفتن والصراعات الداخلية، ومن ثم فإن الانتخابات أيضا ضرورة بشرط أن تكون معبرة حقيقة عن الشعب العراقي وأفكاره ورغبته ودون تدخل، نفس الشيء بالنسبة للدستور يجب أن يعبر أيضا عن وجهة نظر العراقيين، لا أن يكون مقتبسا من رغبات البعض أو من دفاتر أخري في هذا العالم، الدستور الصحيح هو الذي يعبر فقط عن آمال الشعب وطموحاته، فيما عدا ذلك فسوف يكون مشروع فتنة.
ـ إذا طلبت الجامعة العربية إرسال قوات إلي العراق، ما شروط سوريا في ذلك؟!
*أن يكون هناك مطلب عراقي أولا.
ـ ومن يقدم هذا المطلب: هل هي المقاومة، أم الحكومة؟
*هذا يعود إلي فكرة التوحد العراقي، ليس لنا مصلحة أن ندخل العراق وهناك انقسام لدي شرائح الشعب العراقي، ولا يجوز أن تكون هناك قوات عربية في وقت لا يزال العراقيون منقسمين حول وجود هذه القوات.
ـ سيادة الرئيس.. ألا تري أن إيران هي المستفيد الأكبر من كل ما يحدث علي أرض العراق؟
*إيران دولة جارة للعراق خاضت معها حربا لمدة 8 سنوات، ولا شك أنها ستضع في رؤيتها المستقبلية ألا يكون العراق عدوا خطيرا عليها في يوم من الأيام، هذا شيء طبيعي فالحرب تترك تأثيراتها، لكن علينا أن نتساءل عن الأداء العربي، هناك دول محيطة بالعراق، وهناك دول غير محيطة بالعراق لكنها تشكل عمقا عربيا هاما للعراق. إن المطلوب هو التواجد فالعراق جزء غالي من الأمة.. أما عن التدخل فلا يمكن أن يكون هناك تدخل من دون أن يكون هناك قبول لهذا التدخل.
وعندما تكون هناك شرائح تقبل بهذا التدخل فهذا سؤال يوجه للشعب العراقي، بالمقابل نقول: هل قمنا نحن بفتح علاقات سليمة مع الشعب العراقي بمختلف شرائحه؟.. إن أي دولة بحاجة إلي جوارها ولذلك من الطبيعي أن تكون هناك علاقات طبيعية بين العرب وإيران، وعندما تتدخل سوريا بشكل إيجابي من خلال قناعات ورغبة ومطالب الشعب العراقي فهذا سيكون لصالح العراق وسوريا، نفس الأمر بالنسبة لتركيا والسعودية وكذلك الدول العربية الأخري، فعندئذ لن يطرح أحد أن إيران تتدخل وتستفيد لمصلحتها وإلا فتركيا يجب أن تستفيد والسعودية يجب أن تستفيد والشعب العراقي يجب أن يستفيد.. ومع كل ذلك فلا يجب أبدا تبرير الغياب العربي بأن نقول إن إيران تتدخل، هذا في تقديري هروب من قضية الغياب العربي، كذلك الأمر عندما يطرح البعض طرحا طائفيا فيقول إن إيران لها علاقة مع شريحة من أبناء الشعب العراقي والعرب لهم علاقة مع شريحة أخري.. هذا طرح خطير.
ـ هذا يدعونا للحديث عن مخطط التفتيت وإعادة رسم خريطة المنطقة الذي تسعي واشنطن إلي ترسيخه علي أرض الواقع.
*المنطقة العربية تتعرض لتدخلات مباشرة في شئونها الداخلية بهدف تنفيذ هذه الأجندة، ولكن في المقابل علينا أن نسأل: ما الذي يوحدنا؟ والإجابة: ثقافتنا، والثقافة تعتمد بالأساس علي الفكر القومي، والمنطقة العربية يوحدها بالأساس الفكر القومي، قد يختلف البعض مع هذا الكلام ولكن لا يوجد شيء يثبت عكس ذلك حتي الآن.
ـ وماذا عن النمو المتصاعد لظاهرة الإسلام السياسي؟
*كل يري الأصولية بطريقته، وتصاعد هذه الظاهرة جاء نتيجة غياب الفكر القومي الذي لا يتعارض إطلاقا مع الفكر الإسلامي. إن الفصل بين العروبة والإسلام شيء خطير، وهو الذي يؤدي بالتيار الأصولي المتطرف إلي النمو، وعندما نتحدث عن ارتباط العروبة بالإسلام، فليس معني ذلك أن المسيحية غير مرتبطة بالعروبة، بل العروبة هي التي تربط بين الجميع وتوحد الجميع.
ـ سيادة الرئيس.. ما شروط سوريا للعودة إلي طاولة المفاوضات مع `إسرائيل`؟
* عندما تصبح `إسرائيل` مهتمة فعلا بالسلام، وعندما يعود اهتمام الإدارة الأمريكية بعملية السلام، فالسلام هو تعبير عن قناعة وليس اتفاقية توقع بين طرفين.
ـ ولكن `إسرائيل` تحمٌل سوريا دوما المسئولية عن عمليات المقاومة في فلسطين.
*هذا فيه تقزيم للنضال الفلسطيني، الشعب الفلسطيني يقاوم دفاعا عن أراضيه وهذا حقه، أما سوريا فهي تشكل عمقا للشعب الفلسطيني، كما هي مصر وغيرها.. وضرب هذا العمق يؤدي لإضعاف الفلسطينيين، ومع ذلك فهذه الاتهامات التي تساق جزافا لا تعنينا.
ـ سيادة الرئيس.. الشارع العربي يسأل عن طبيعة ومدي العلاقة بينكم وبين الرئيس مبارك خصوصا أن هناك تباينا في وجهات النظر تجاه العديد من القضايا.
العلاقة المصرية السورية تضرب بجذورها في العمق، والعلاقة بين الرئيس حافظ الأسد والرئيس مبارك كانت لها خصوصيتها. إننا نعتقد كعرب أننا يجب أن نكون متفقين بنسبة 100 % لكي تكون علاقتنا جيدة، العلاقة بيني وبين الرئيس مبارك اعتمدت علي الصراحة قد نختلف ربما حول بعض أو كثير من الأمور ولكن عندما نجلس نتحدث بصراحة، فأقول له بماذا أفكر، ويقول لي بماذا يفكر، وقد نختلف ولكن بالنتيجة نصل لتصور مشترك وهذه هي العلاقة المفهومة.
إن الرئيس مبارك حريص جدا علي سوريا وجولاته واتصالاته المستمرة مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية تصب في مصلحة سوريا، إنه يتحرك علي كافة الصعد دون إعلان وعندما نلتقي يروي لي تفاصيل هذه الاتصالات، والرئيس يعرف منذ أيام الرئيس حافظ الأسد ماذا تريد سوريا، وهو يقول دوما: هذه ثوابت سوريا ولن نغيرها، من هنا فنحن نقدر صراحة الرئيس وحرصه علي سوريا، ولكن يبقي أن مصر لديها تكتيكات وسوريا لديها تكتيكات، وكل يلعب دوره من موقعه وبعلاقاته التي تختلف عن الآخر.
ـ وإذا حدث نوع من الاعتداء علي سوريا، كيف تتوقعون رد الفعل المصري الرسمي؟
*مصر تأخذ الآن موقفا قويا إلي جانب سوريا، ولكن للحقيقة فإن مصر تتعرض لضغوط، نعرف هذا ونراه، ونحن نتعرض في سوريا لضغوط، لكن أحيانا مصر بالمضمون وبشكل غير معلن تتعرض لضغوط أكبر من سوريا، ولذلك نحن نعتقد أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما تعرضت سوريا للعدوان لأن مصر تدرك أن أمن مصر لا ينفصل عن أمن سوريا.
ـ سيادة الرئيس.. في المؤتمر العاشر لحزب البعث تحدثتم عن قانون للأحزاب .. متي يري النور؟
*نحن مهتمون بهذا الموضوع، وقد جري تكليف لجنة لدراسته منذ حوالي شهرين ولكن كما تعرف فإن قانون الأحزاب هو الذي يحدد شكل الحياة السياسية في البلاد في المستقبل، سوريا تعيش بدون قانون أحزاب منذ عدة عقود، لدينا أحزاب ولكن ضمن إطار الجبهة الوطنية، ولذلك فالقانون في حاجة إلي حوار علي مستوي الشارع، لأن الحكومة لن تستطيع إصدار قانون بمعزل عن الشارع، نحن نسعي حاليا لوضع تصور أولي وسيتم طرحه للنقاش، وسوف نعطي هذا النقاش وقتا طويلا وعندما نري الصورة بشكل أوضح فسوف نصدر القانون الذي يجب ألا يكون محل خلاف بين السوريين.
ـ متي تصدرون عفوا رئاسيا عن المسجونين السياسيين؟
*لقد جري الإفراج عن عدد كبير من المسجونين السياسيين ومنهم عناصر قامت بأعمال عنف ولم يتبق سوي القليل القليل.
ـ سيادة الرئيس.. هل هناك نية لاستحداث آلية لمكافحة الفساد في المجتمع السوري؟
*هذا الموضوع حاز علي نقاشات واسعة في مؤتمر الحزب وقد احتل الصدارة علي بقية القضايا المطروحة علي جدول الأعمال، وقد طرحت في هذا أفكار عديدة ، لكن كل هذه الأفكار لم تتوصل إلي آليات فاعلة لمكافحة الفساد، هناك رغبة قوية لدي الناس لمكافحة الفساد ولذلك يجب أن تكون لدينا أنظمة إدارية سليمة ومؤسسات تمنع الفساد وتحاصره.. الآن قطعنا شوطا كبيرا لاختيار أشخاص جدد يتميزون بالطهارة، لكن لا يكفي أن يكون المسئول شخصا نظيفا، بل عليه أن يجعل الآخرين من حوله يتمتعون بنفس الطهارة والنظافة، نحن مقصرون حتي الآن في تطوير المؤسسات، وأي آلية دون مؤسسات سليمة وفي مقدمتها القضاء لن تمكننا من مكافحة الفساد.
ـ في المؤتمر القطري وجه الشرع انتقادات حادة لعبد الحليم خدام بالفساد ومع ذلك سمح له بالسفر إلي الخارج.
*أنا بالنسبة لي جئت إلي الحكم واستندت إلي مبدأ أساسي وقلت: سأفتح صفحة جديدة مع الجميع، وقلت: كل من يريد أن يعمل معي يجب أن يكون نظيفا، لم أرد أن أعود إلي الماضي، فالفساد هو حالة منتشرة وإذا أردنا أن نمثل هذه الحالة ببرميل مثقوب فيه عدة ثقوب وأنت تريد أن تملأ هذا البرميل بالمياه، وهذا الماء يتسرب فعليك أولا أن تسد الثقوب وإما أن تضيع وقتك في لملمة الماء فسوف تبقي الثقوب موجودة ولن تحل المشكلة.. لقد انطلقت من هذا المبدأ لمكافحة الفساد، والحقيقة أن كثيرا من الحالات تم وقفها، ولكن نتيجة غياب الآلية لمواجهة انتشار الفساد غاب منطق التعامل.
ـ هل هناك نية لإنشاء وزارة لحقوق الإنسان؟
*الآن نحن نناقش هذا الموضوع وقد طرحنا خلال الأسبوع الأخير عدة آليات بهذا الاتجاه، وهل تكون هذه الآلية من داخل الحكومة أو من داخل مجلس الشعب أم جمعيات أهلية.. لدينا جمعيات أهلية مسموح بها وهي غير مرخصة لكن الدولة لا تمنعها، الآن نبحث عن آلية أكثر قانونية تحقق النتائج بالنسبة لهذا الموضوع ولا تسمح بالاستغلال الشخصي ولا الخارجي.
ـ أخيرا.. هل هناك اتجاه لتغيير وزاري قريب؟
*بعد المؤتمر العاشر كانت هناك نية لإجراء التغيير، ولكن جري التأجيل بسبب الضغوط التي نمر بها، وإن كان هذا لا يعني أننا ابتعدنا عن التفكير بعيدا عن عملية الإصلاح الحكومي أو غيره، ولكن عندما نبدل حكومة بأخري لا يجوز فقط أن نستند إلي فكرة تغيير الأشخاص، لكن القضية ما هي الرسالة التي نريدها خاصة أننا قد دخلنا هذا العام في خطة خمسية جديدة تختلف عن كل ما سبقها.. نحن نبحث الآن عن أشخاص يتوافقون مع هذه الآلية الجديدة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018