ارشيف من : 2005-2008
التحقيق وعقدة "المكان"
بقلم :رأي البيان
الجدل المحتدم حول تحديد مكان استجواب المسؤولين السوريين الستة، في قضية اغتيال الرئيس الحريري، تحول إلى تراشق لا يخلو من التحدي والاستفزاز. ولو بصورة مبطنة، فهو صار، أو كاد، المشكلة والقضية. بل بات قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح عقدة مستعصية تزيد من التهاب الأزمة، والخطر أن الوقت يمضي والاستحقاق الدولي ـ 15 ديسمبر ـ صار على مسافة أقل من شهر،
وقد وصل إلى هذه الدرجة من التعقيد لأنه انتقل، أو بالأحرى جرى نقله، من تدبير شكلي إلى آخر رمزي، ومن خطوة لها طابع قضائي إلى قضية لها طابع سياسي. وأخذ يتفاعل في هذا الإطار، وكأن في الأمر نكايات و"تقويم" كلام. والمفارقة أن الكل على توافق بخصوص إجراء التحقيق وضرورة المضي به حتى خواتمه المنشودة.
والكل أعلن استعداده لإبداء التعاون "الكامل"، لبلوغ هذه الغاية، إذا كان الأمر كذلك فعلاً، فلابد عندئذ من تجاوز هذه العقدة وترك التحقيق يأخذ مجراه. فهذه مسألة شكلية لا تستحق كل هذا التأزيم. ذلك أن البديل عواقبه وخيمة على المعنيين كافة.حتى اللحظة كل ما هو معروف أن المحقق الدولي ميليس رفع طلباً رسمياً إلى دمشق لاستجواب المسؤولين الستة في لبنان.
وبالتحديد في مقره بفندق المونتيفردي، قرب بيروت وحتى الآن ــ بحدود المعروف أيضاً ــ ان دمشق لم ترد رسمياً. لكنها سربت رفضها لفكرة إجراء الاستجواب في لبنان. مع طرح أماكن أخرى بعيدة ومحايدة، وقيل إن ميليس متشبث بقراره واختياره، وبين الرفضين ــ غير الرسميين ــ تفاعل الموضوع ودخلت عوامل تأزيم جديدة على خطه.
وعندما بدأت تلوح في الأفق بوادر مأزق قد ينتهي إلى وضع مجلس الأمن الدولي يده عليه، نشطت التحركات، لإيجاد مخرج، ورافقتها تأكيدات وتصريحات بدت أنها تصب في مجرى الحلحلة، وكان من أبرزها وصول رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، إيغور ايفانوف، الى دمشق ولقائه مع الرئيس الأسد. وكذلك زيارة وزير الخارجية التركي، عبدالله غول لدمشق واجتماعه مع الرئيس وكبار المسؤولين.
التصريحات المنسوبة إلي زوار العاصمة السورية هؤلاء، شددت على رغبة سوريا المعروفة بإبداء التعاون التام مع التحقيق ضمناً يعني ذلك وجود ليونة بخصوص المكان وتوسيع رقعة خياراته. عزز هذا الاعتقاد ما قاله رئيس الحكومة اللبنانية، فؤاد السنيورة، بأنه "يستحسن" أن يجري التحقيق خارج لبنان، ثم عاد أمس وزير خارجية سوريا الى التوكيد على نقطة التعاون والاستعداد لتسهيل عملية التحقيق.
إذا كانت الجاهزية مؤكدة، وبهذا الوضوح، وإذا كان بيت القصيد هو إجراء التحقيق والتعاون بخصوصه، وليس غير ذلك، عند ذاك لا يعود من المبرر والمقبول أن يبقى الخلاف على المكان قادراً على تعطيل التحرك إلى الأمام، فكما أن المطلوب من سوريا أن تختار أماكن خارج حدودها ــ والمتداول أنها فعلت ذلك ــ فإن المطلوب أيضاً اختيار أمكنة خارج لبنان، فالمونتيفردي ليس شرطاًَ لضمان نجاح التحقيق. المهم الابتعاد عن المعاندة الآن. لأن كلفتها عالية على الجميع.
صحافة عربية ـ البيان الإماراتية 18/11/2005
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018