ارشيف من : 2005-2008
رسالة الى السيد حسن نصرالله..
كتب عباس المعلم
سماحة السيد السلام عليك ورحمة الله وبركاته، اعرف ان مشاغلكم وهمومكم كثيرة وكبيرة، خصوصاً تلك التي تهم الوطن والامة، واعرف ايضا حجم الضغوط المتزايدة والمتسارعة عليكم، لكن هناك بعض النقاط التي يجب توضيحها، واتمنى ان يكون صدرك رحباً لها، والتي تنطلق من حرصنا على لبنان ومقاومته وعلى دوركم الوطني والقومي في حماية الوطن والامة من الخطر الصهيوني.
سماحة السيد: لم تكن كلمة مقاومة كلمة عابرة في حياتنا، وحتى ان هذه الكلمة ترافقت مع تاريخ لبنان الى يومنا هذا، وثمة اليوم من يطرح علامات استفهام حول المقاومة، وثمة من ينعت بدورها ومدى فاعليتها، ويكثر الحديث اليوم عن المقاومة اي «حزب الله» وتزداد الضغوط عليها من الداخل والخارج على حد سواء ولا ينكر احد ان المقاومة وسلاحها محاصرتان باستهدافات متعددة، وهناك ايضا من هم ليسوا بقلة يسعون اليوم للنيل من المقاومة والتعامل معها على اساس تصفية الحسابات، وهناك ايضا اطراف اخرى تعتبر انها متضررة من المقاومة سياسيا.
في جميع الاحوال فان المقاومة اليوم تتعرض لاعتى عواصف الضغط والتهديد خصوصا من قبل المجتمع الدولي الذي يولي اهتماماً كبيرا في كيفية نزع سلاح المقاومة بأقرب واسرع وقت ممكن، لذلك كان لهذه القضية حيزا مهما في حياتنا اليومية، فمن المعروف يا سماحة السيد ان هذه المقاومة ربما تكون الابرز في تاريخ الامة العربية والاسلامية، بنيت على عقيدة جهادية مقاومة للكيان الصهيوني، وحققت انتصارات عجزت الجيوش العربية عن تحقيقها، وشكلت منذ انطلاقتها رادعا للتوسع الاسرائيلي بكافة اشكاله وجعلته ينكفئ عن التمادي في اعتداءاته على لبنان وشعبه.
كان للجنوب والبقاع الغربي الحصة الاكبر من الاعتداءات الاسرائيلية المتنوعة، ولعل سماحتكم تعلمون عن كثب ما كان يتعرض له شعبنا في الجنوب والبقاع الغربي من اعتداءات وانتهاكات يومية، وعندما اتحدث عن تلك المرحلة اتحدث من موقع الشاهد على احد فصولها، فأنا مثل آلاف اللبنانيين والجنوبيين ممن شهدوا على بطش ووحشية هذا الكيان، فمنذ ان تفتح وعينا ونحن نشاهد منازلنا تهدم وحقولنا تحرق وحرماتنا تنتهك ورجالنا تعتقل من دون حسيب او رقيب، مجتمع دولي في غيبوبة عميقة وانظمة متخاذلة، فترك الجنوب وابناءه بلا ناصر او معين، وهذا الاهمال الذي لحق بالجنوب بدأ عام 1948 وتكرر عام 1967 وكان قد نبه الامام المغيب السيد موسى الصدر في ذلك الحين الى الخطر الصهيوني على الجنوب، وارسل العديد من الرسائل الى الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي لحماية الجنوب من الاعتداءات الاسرائيلية، لكن احداً لم يستجب الى هذه الدعوات، وعادت وتكررت هذه الاعتداءات عام 1978، وصولاً الى الاجتياح عام 1982.
فكانت انطلاقة «حزب الله» ومعه بدأ عصر الطمأنينة والقوة والمواجهة والتف الجنوبيون حوله ولم يتوانوا عن تقديم التضحيات الجسام من اجل تحصين ودعم المقاومة، ولم تبقَ بلدة او مدينة جنوبية الا وكانت شريكة بالمقاومة حتى تكامل الشعب مع المقاومة، وكان لهذا التكامل اثرا مهما في جعل الكيان الصهيوني يفكر الف مرة قبل ان يقدم على اي اعتداء يطال لبنان وجنوبه.
هذه الانجازات التي حققتها المقاومة لم تأتِ من فراغ، بل تحققت بفعل تضحيات آلاف الشهداء وآلاف الاسر التي لم تبخل على التضحية بأولادها وحقولها ومنازلها من اجل دعم المقاومة، ولكل بلدة او عائلة جنوبية تجربة مريرة مع الاحتلال وجرح ما زال ينزف، خصوصا وان خطر الاحتلال ما زال يرفرف في سماء لبنان.
منذ عام 2000 بدأت جوقة من الابواق المنادية بنزع سلاح المقاومة، وهذه الجوقة يشهد لها انها لم تكن يوما تعترف بالمقاومة، ويشهد لها ايضا انها لم تقل يوما عن اسرائيل بأنها عدو، وترافقت هذه الدعوات مع جوقة خارجية منادية ايضا بنزع سلاح المقاومة، وتفاعلت هذه الدعوات وانتقلت عدواها الى الداخل اللبناني عبر القرار الدولي 1559 الذي عبر جهارا وزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم وفي اكثر من مناسبة ان اسرائيل كانت وراء اصدار هذا القرار «كلام موثق» وينص هذا القرار على نزع سلاح المقاومة وسلاح المخيمات.
كنا دائما ننتظر تصريحات سماحتكم خصوصا تلك المتعلقة بسلاح المقاومة، وشعرنا بمعظم الاحيان بألم عميق عندما تتحدث عن حوار حول سلاح المقاومة، بغض النظر عن شكل ومضمون الحوار، خصوصا بعد ان اضحى الصغير والكبير يتحدث عن ضرورة اجراء حوار حول سلاح المقاومة، واكثرهم لا حيثية شعبية وسياسية لهم، لذلك كان لنا نظرة مختلفة حول قضية المقاومة، فنحن لسنا ضد الحوار، لأنه شكل من اشكال الديموقراطية والحرية وهو ضرورة وطنية.
لكن اي حوار نحن نريد، حوار حول كيفية ادارة البلاد وارساء دولة المؤسسات، ومحاربة الفساد، نريد حوارا يعيد ما سرق من مال الشعب نريد حوارا حول مستقبل لبنان والديون المتراكمة على شعبه والتي قاربت الخمسة واربعين مليار دولار، نريد حوارا من اجل تحصين اتفاق الطائف وتطبيق جميع بنوده، كل هذه الامور تحتاج الى حوار عاجل، اما ما نعتبره خارج دائرة الحوار هو المسلمات والمحرمات والامن القومي للوطن والسيادة والاستقلال، فكيف لنا ان نطرح حوارا حول سلاح المقاومة، نطرح حوارا حول سلاح يحمي ويردع عن الوطن ويلات كيان غاصب يجمع جميع اللبنانيين والعرب، والعالم أجمع ان هذا الكيان خطر على السلم العالمي.
تجربة لبنان مع الكيان الصهيوني دليل على خطر هذا الكيان واطماعه في لبنان، وما من احد يستطيع ان يثبت عكس ذلك، لذلك نجد ان لنا الحق ان نوضح رأينا حول ما يدور من اقاويل ونقاشات حول سلاح المقاومة، ونتمنى من سماحتكم ان تأخذوا بعين الاعتبار رأينا ووجهة نظرنا حول هذه القضية المهمة. ونحن لسنا بقلة، لسنا متطرفين ولسنا منعزلين، لكن في ما خص المقاومة نصبح من اشد المتطرفين لأن المقاومة بمفهومها هي الوطن ومن يبيع المقاومة يبيع الوطن ونحن نريد الوطن والمقاومة.
ارضنا محتلة اعني «مزارع شبعا» اللبنانية.. والتي لا يستطيع احد ان يقول ان شبعا غير لبنانية، لكن هذا الامر لن يحجب الرؤية عن الملكية اللبنانية لهذه المزارع خصوصا وان عدد من المالكين ما زالوا على قيد الحياة ولديهم ما يثبت لبنانية المزارع، لذلك فان النقاش حول لبنانية هو نقاش مشبوه لأنه ينعت بسيادة واستقلال لبنان، وكما تعلمون سماحتكم ان مساحة لبنان الطبيعية 10452 كلم لا تكمل الا بمزارع شبعا والقرى السبع وما بعدها، شاءت الامم المتحدة أم لم تشأ فهذا امر لا يعنينا هناك ارض محتلة يجب تحريرها.
الامر الثاني يتعلق بالانتهاكات الاسرائيلية اليومية، ومن يحمينا من هذه الانتهاكات اذا تحولت الى اجتياحات وعمليات عسكرية واسعة وقد مررنا بهذه التجربة قبل اجتياح 1982 عندما دخلت فرقة كومندوس اسرائيلية الى مطار بيروت عام 1969 ودمرت اسطوله الجوي، من يحمي كوادر وعناصر المقاومة من الاغتيالات و«تجربة فلسطين شاهدة على ذلك» من يحمي مياهنا وحقولنا، ومن يحمي اجواءنا، من يعيد لنا الاسرى والمعتقلين، من سيكشف لنا مصير المفقودين، اي حوار هذا الذي يرتكز على نزع سلاح يحمي وطناً، من يقبل ذلك، هل واجب علينا «ان نلبي رغبات السيد لارسن والسيدة رايس» وما يسمى المجتمع الدولي من اجل نزع سلاح يهدد أمن اسرائيل، واذا كانت اميركا ومعها الامم المتحدة تريد ان تحفظ سيادة لبنان، لماذا تحرم الجيش اللبناني من التسلح الدفاعي ولا نقول على مستوى التسلح الاسرائيلي.. فكيف لجيش يملك سلاحاً اقل من متواضع ان يدافع عن نفسه بوجه اعتى واقوى جيوش العالم عسكرياً.
هذا الامر ايضا موجه للداخل اللبناني، خصوصا الذين يطالبون بنشر الجيش على طول الخط الازرق ومواجهة الانتهاكات الاسرائيلية، فهذا امر بغاية الجنون ولا يعبر عن حب للسيادة لأنه يعرض حياة ابنائنا في الجيش للخطر، والسبب ان جيشنا الوطني جيش نظامي له مواقع وثكنات عسكرية قد تتعرض للتدمير الكامل من قبل سلاح الجو الاسرائيلي بأقل من 24 ساعة، وهذا يعود الى ضعف موازين القوى العسكرية بين الجيش اللبناني والجيش الاسرائيلي، هذا امر بغاية الجنون ان نضحي بجيش وطني نحن بأمس الحاجة اليه، فيما لدينا مقاومة تحمينا وتردع عناصر خطر العدوان الاسرائيلي من دون ان تطلب منا اي ثمن.
سماحة السيد ان كل من يطالب ويتحدث عن ضرورة اجراء حوار حول سلاح المقاومة هو مخطئ.. فمن يريد ان يحافظ على استقلال وسيادة وحرية وطنه لا يحاور على سلاح المقاومة بل يحاور من اجل دعم هذا السلاح.
سماحة السيد ان اي طرح لحوار على سلاح المقاومة يجب ان يأخذ بعين الاعتبار دماء اكثر من 1300 شهيد مقاوم واكثر من عشرة آلاف جريح ومعوق، ومئات الاسرى والمعتقلين والمفقودين، ان هذا السلاح وطني لا شك بذلك لكن له خصوصية يجب اخذها بعين الاعتبار خصوصية جنوبية تحملت كثيرا ودفعت ثمنا غاليا على مدى 30 عاماً وهي على استعداد لتحمل المزيد من اجل الدفاع عن سلاح المقاومة، وله ايضا خصوصية عربية واسلامية لا يمكن تجاهلها.
سماحة السيد ابا هادي، ندرك تماما مدى الضغوط التي تتعرضون اليها، لكن من منطلق حرصنا عليكم وعلى المقاومة، لا بد ان نلفت نظركم الى ان المقاومة يحاك لها مؤامرات عدة منها خارجي ومعروف المصدر ومنها داخلي مشترك مع الخارج، لذلك نتمنى عليكم ان تكونوا على حرص دائم ووعي تام حول ما يقوم به بعض المسؤولين اللبنانيين من تفرد بالقرارات وتعهدات فردية وبقضايا مهمة ومصيرية وكان لكم تجربة مهمة في هذا الخصوص، ايضا هناك اجواء تتحدث عن ان سلاح المقاومة دخل فعلا في مرحلة الحصار وصولاً الى نزعه، فضلا عن تحركات لمجموعات لبنانية في الخارج تعمل على تطبيق 1559 بأسرع وقت ممكن، لذلك يجب التنبه اليوم الى محاولات الاحتيال المبطنة من قبل اقرب الحلفاء الذين يقولون شيئا ويفعلون شيئا اخر، وما تضمنه تقرير السيد لارسن حول 1559 يثبت ان المقاومة تتعرض لعملية خداع، كتلك التي تعرض لها السلاح الفلسطيني في الاونة الاخيرة، ولا ننسى ايضا ما جرى في اجتماع نيويورك وغيرها من اللقاءات الدولية الاخرى.
سماحة السيد نرجو من سماحتكم ان تسحبوا موضوع سلاح المقاومة من التداول، نظرا لما لهذه المقاومة من قدسية يجمع عليها الكثيرون انها فوق اي حوار او تداول، سلاح المقاومة لا يخيف الا العدو وسلاح المقاومة كان وسيبقى وسيستمر موجه ضد عدو لبنان الوحيد الكيان الصهيوني، سماحة السيد مهما اشتدت محاولات الابواق التي تستهدف المقاومة دوليا وحتى داخليا، لن تضعف ايماننا بالمقاومة ودورها في تحرير الوطن وحمايته، المقاومة اليوم تحمي وليست بحاجة الى حماية، سلاح المقاومة اليوم هو سلاح السيادة والاستقلال والسيادة لا تتجزأ، اذا كان هذا السلاح يزعج البعض فهناك الكثيرون مستعدون لحماية هذا السلاح بأرواحهم، يخطىء من يعتبر ان سلاح المقاومة يخص حزب الله وحده، هذا السلاح يخص وطناً وشعباً بأسره.
سماحة السيد نرجو ان تأخذ بعين الاعتبار وجهة نظرنا في هذا الخصوص والتي تعبر عن اكثرية لن ترضى مهما حصل ان تساوم على المقاومة وسلاحها، لنا ملء الثقة بك يا ابا هادي في تحمل هذه المسؤولية الكبيرة مسؤولية حماية الوطن واثبت انك قادر على ذلك بالقول وبالفعل، ونحن سنبقى الى جانبك مهما اشتدت الضغوط، وسنقطع سوياً اي يد تمتد الى سلاح المقاومة.
صحيفة الشرق اللبنانية 4/2/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018