ارشيف من : 2005-2008

رسائل رايْتِشل كوري/ترجمة: سماح إدريس

رسائل رايْتِشل كوري/ترجمة: سماح إدريس

نشرت مجلة الآداب ترجمةً للرسائل الإلكترونية التي بعثتْها رايْتِشل كوري من فلسطين قبل أسابيع من استشهادها في 16 آذار (مارس) 2003، أثناء محاولتها منعَ جرّافةِ كاترپيلر يقودُها جنديٌّ إسرائيلي من تدمير أحد البيوت الفلسطينية.‏

"الانتقاد.نت" تعيد نشر الرسائل نظراً لأهميتها.‏

وقد شكرت الآداب سيندي وكرايغ كوري على ترحيبهما بأن تكون الآداب مترجمةَ هذه الرسائل وناشرتَها، فإنها تناشد كلّ القرّاء بثّ دعوات المقاطعة ضدّ الشركات الداعمة للعدو الصهيوني، وعلى رأسها شركةُ كاترپيلر التي تتعرّض اليومَ لحملةِ مقاطعةٍ عالمية بسبب موافقتها على إرسال جرّافاتها ومعدّاتها إلى الكيان الصهيوني رغم علمها بأنّها ستُستخدم هناك لأهداف "غير مدنية" و"غير إعمارية."‏

إنّ على هذه الشركة أن تَعْلم أنّ اللبنانيين والأردنيين والمِصْريين... وكلّ محبّي الإنسانية يَرْفضون أن "تَبْني" بيروتَ وعمّانَ وعواصمَ العربِ والعالمِ معدّاتٌ تقتل الفلسطينيين وتَسْحق عظامَ أنصارِ العدل والحقّ في العالم.‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

مقدمة رسائل رايْتِشل‏

بقلم: سيندي كوري (والدة رايْتِشل)‏

ترعرعت ابنتي رايْتِشل كوري في أوليمپيا (ولاية واشنطن) على الساحل الشمالي الغربي من الولايات المتحدة. وقد أحبّتْ سياتِلْ، جبالَها وغابَتَها وبحرَها. كانت رايْتشِلْ كاتبة، وكطالبةٍ جامعيةٍ كَتبتْ ما يلي عن المكان الذي نعيشُ فيه:‏

"إنّ دراسةَ تاريخ هذه المنطقة يَرْبطني بجذوري؛ فهي تَجْعلني أكثرَ وعيًا بالأرض، وأكثرَ وعيًا بذاتي وبالناس مِنْ حولي بوصفنا فاعلين في التاريخ. دراسةُ التاريخ المحلّي أمرٌ مثيرٌ. فلقد خُضْنا في المياه نفسِها، وهِمْنا على الشواطئ نفسِها، كشعبٍ شجاعٍ جدّاً. وإنّ ذلك لَيَجْعل الشجاعة تبدو أكثر احتمالاً..."‏

كان ردُّ رايْتِشل على اعتدءات 11 أيلول (سبتمبر) في الولايات المتحدة هو أن تحاولَ أن تَفْهمَ بشكلٍ أعمق سببَ حصولِ هذه المأساة. وانخرطتْ بعمقٍ في حركة السلام في أوليمپيا، وانجذبتْ سريعًا إلى الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بوصفه أحدَ جذور الغضب الأساسية في الشرق الأوسط. وتعلّمتْ رايْتِشل من أشخاص في مجتمعنا كانوا على علاقةٍ مباشرةٍ بهذه المسألة. ثم وَسّعتْ دراستَها للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ـ الأميركي، وبدأتْ بتعلُّم العربية. وقد كَتبتْ أنّها تريد أن تسافر إلى بلدٍ تأذّى أناسُه بأموالها المقتطعة من الضرائب الأميركية المستخدمة لتمويل الجيش الأميركي وغيرِه من الجيوش في العالم.‏

مَوَّلتْ رايْتِشل رحلتَها إلى فلسطين بنفسها، وفي كانون الثاني (يناير) 2003 غادرتْ منزلَنا في أوليمپيا، خائفةً لكنْ مصمِّمةً، وسافرتْ إلى الضفة الغربية للتدرّب مع "حركة التضامن الدولية" (ح. ت. د) [على أساليب المقاومة اللاعنفية]. هذه الحركة هي حركةُ مقاومةٍ يقودها فلسطينيون، وتشترط على كلِّ مَنْ ينضمّ إليها: أن يؤْمنَ بحقّ الشعب الفلسطيني في الحرية استنادًا إلى قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي ذاتِ الصّلة؛ وأن يوافِقَ على استخدام وسائل مقاومة مباشرة غير عنفية فقط. تقول هويْدة عرّاف، وهي من مؤسّسي ح. ت. د. ما يلي: "إنّ قوة ناشطي حركتنا ليست في السلاح، بل في صحّةِ القضية الفلسطينية وعدالتها، وفي الإيمان بأنّ الشعب الفلسطيني يستحقّ حقوقًا مساوية."‏

لقد قالت لنا رايْتِشل إنّ الذهاب إلى قطاع غزّة قد كان واحدًا من أهمّ الأشياء التي فعلتْها لحياتها. وبصحبة ناشطين آخرين، قَضَتْ لياليَ في آبارٍ في رفح لتحميها من التدمير. وحالت بين عمّالِ البلدية (الذين كانوا يحاولون إصلاحَ الآبار) والأبراجِ العسكرية الإسرائيلية من حيث كانت تُطْلَقُ الطّلقاتُ النارية لتضايِقَ العمّال والناشطين العالميين. ووَثّقتِ التدميرَ الذي لحق ببساتين الزيتون الفلسطينية والحدائقِ وبيوتِ الزرع، والإزعاجَ الذي يصيب الفلسطينيين عند الحواجز الإسرائيلية. وتعلّمت العربيةَ من الأطفال الفلسطينيين، وساعدتْهم في فروضهم الإنكليزية البيْتية. وشَرِبتْ شايًا حلوًا مع الجدّات الفلسطينيات، وحَملتْ أطفالاً متلوِّين، ورَقصتْ مع أولادٍ فلسطينيين.‏

حين اتّصلتْ رايْتِشل ببيتنا من تلفونها الخَلَوي، كان ثمة خوفٌ في صوتها وهي تَسْمع القصفَ في الخارج، فيما أنا وأبوها نَسْمعه بالتلفون على بعدِ آلافِ الأميال. ثم بدأتْ رسائلُها الإلكترونيةُ تَصِلنا، وعَبْرَها بدأتْ رايْتِشل تَفْتح أعيُنَنا على الأوضاع المأساوية الظالمة التي يحياها الفلسطينيون. لقد كان لهذه الرسائل الإلكترونية أثرٌ بالغٌ في حملِ عائلتنا على فهم تلك الأوضاع. لذا، حين قُتلتْ رايْتشل في 16 آذار (مارس) 2003، فيما كانت تحاول أن تَحْميَ بيتًا فلسطينيّاً من الدمار، أَحْسسْنا على الفور بأنّنا مدفوعون إلى نشرِ هذه الرسائل الإلكترونية أمام القرّاء. ونحن سعيدون بأن تُترجَمَ عن الإنكليزية هنا، وبأنّها ستكون في متناول أصدقائنا على امتداد العالم الناطق باللغة العربية. إنّ عَقْدَ الصِّلات قد كان أمرًا هامّاً بالنسبة إلى رايْتِشل، وكانت ستوافق حتمًا على أن نُوصِلَ هذه الكلماتِ إليكم.‏

أوليمپيا (21 آذار/مارس 2006)‏

7 شباط (فبراير) 2003‏

مرحبًا للأصحاب والعائلة والآخرين،‏

مضى على وجودي في فلسطين الآن أسبوعان وساعة، ولكنْ ليست لديَّ إلاّ كلماتٌ قليلةٌ جدّاً لوصفِ ما أراه. يَصْعب كثيرًا أن أُفكِّر في ما يَحْدث هنا حين أجلسُ لأكتبَ رسائلَ إلى الولايات المتحدة؛ فذلك أمرٌ متَّصلٌ بنافذة [الانترنت] المفتوحة على الرفاهية. لا أَعْرف إنْ عاش كثيرٌ من الأولاد هنا بلا ثقوبٍ أَحدثَتْها قذائفُ الدبّابات في حيطانهم، وبلا أبراجِ جيْشٍ محتلٍّ يُراقِبهم دائمًا من الآفاقِ القريبة. أعتقد، ولكنّني لستُ متأكِّدةً، أنَّ أصغر هؤلاء الأولاد يدركون أنّ الحياة ليست على هذه الشاكلة في كلِّ مكان من العالم.‏

قبل يوميْن من وصولي إلى هنا، أَطْلقتْ دبّابةٌ إسرائيليةٌ النارَ على ولدٍ في الثامنة فقتلتْه، وهناك أطفالٌ كثيرون يُتمتمون أمامي باسْمِه ("علي") أو يشيرون إلى صُوَره على الجدران. الأولاد أيضًا يُحبُّون أن يدفعوني إلى ممارسة لغتي العربية المحدودة فيسألونني: "كيف شارون؟"، "كيف بوش؟"، ثم يَضْحكون حين أقولُ بعربيّتي المحدودة: "بوش مجنون،" "شارون مجنون." طبعًا ليس ذلك تمامًا ما أُؤْمن به، وبعضُ الكبار الذين يَعْرفون الإنكليزيةَ يصحِّحون لي قائلين: "بوش مِشْ مجنون... بوش رجل أعمال." اليومَ تعلّمتُ أن أقول: "بوش آلة [أداة]،" ولكنَّني لا أظنّ أنّ الترجمةَ جاءت صائبةً تمامًا. وعلى كلّ حال، فثمة أولادٌ في الثامنة من عمرهم هنا يُدْركون ما تقوم به بنيةُ القوة الكونية أفضلَ ممّا كنتُ أُدرِكُ ذلك بنفسي قبل عدة أعوام.‏

أيّاً ما كانت كثرةُ قراءاتي وحضوري للمؤتمرات ومشاهدتي للأفلام الوثائقية وسماعي للأخبار الشفهية، فإنّها لم تُعِدَّني لفهمِ حقيقةِ الوضع هنا. إنّكم، ببساطة، لا تستطيعون أن تتخيّلوا الوضعَ إلاّ إذا رأيتموه ــ وحتى لو رأيتُموه فستظلّون دائمًا واعين أنّ اختبارَكم إيّاه ليس هو الحقيقةَ على الإطلاق:‏

فثمة صعوباتٌ سيواجِهها الجيشُ الإسرائيليُّ إنْ هو أَطْلقَ النّارَ على مواطنٍ أميركي أعزل. ثم إنّني أَمْلكُ المالَ لأشتري الماءَ حين يدمِّر الجيشُ الآبارَ. وأَمْلكُ أيضًا الخيارَ في المغادرة. كما أنّ النارَ لم تُطلَقْ على أيٍّ من أفرادِ عائلتي، أثناء قيادةِ السيارة، من قاذفةِ صواريخَ منصوبةٍ على بُرْجٍ عند نهاية شارعٍ رئيسيٍّ في بلدتي. ولديّ منزلٌ أيضًا. ويُسْمَحُ لي بالذهابِ لرؤية البحر. وحين أذهبُ إلى الدّرسِ أو العملِ أكون واثقةً، نسبيّاً، بأنّه لن يكون هناك جنديٌّ مدجَّجٌ بالسلاح، ينتظر أمام حاجزٍ بين "مَدْباي" ووسطِ أوليمپيا [بلدةِ كوري]، ولديْه سلطةُ أنْ يقرِّر إنْ كان سيَسْمح لي بأن أواصِلَ أعمالي وأن أعودَ إلى بيتي حين أُنْهيها.‏

بعد هذا التنقّل المشتَّتِ بين الأفكار أقول إنّني في رَفَح، وهي مدينةٌ يَسْكنها حوالي 140 ألفًا، يشكِّل اللاجئون 60% منهم تقريبًا، وكثيرٌ من هؤلاء سَبَقَ أن هُجِّروا مرتيْن أو ثلاثًا. اليومَ، حين كنتُ أمشي على الأنقاض التي كانت بيوتًا مشيَّدةً، ناداني جنودٌ مصريون من الجهة المقابلة من الحدود: " غو! غو!" ــ فقد كانت ثمةَ دبّابةٌ قادمةٌ. ثم لَوَّحوا لي، وسألوني "ما اسمُكِ؟". في هذا الفُضولِ المتودِّد ما يُزعِجُ، وقد ذكَّرني إلى أيِّ مدًى نحن جميعًا، إلى حدٍّ ما، أولادٌ نتحرَّقُ إلى الاطّلاعِ على الأولاد الآخرين:‏

أولادٌ مصريون يصيحون بامرأةٍ غريبة تتجوّل على طريق الدبّابات؛ أولادٌ فلسطينيون تُطلِقُ الدبّاباتُ عليهم النارَ حين يَخْتلسون النظرَ من وراء الجدران ليَسْتطلعوا ما يَحْدث؛ أولادٌ [ناشطون] عالميون يقفون أمام الدبّابات حاملين اليافطات؛ أولادٌ إسرائيليون في الدبّابات مجهولو الأسماء ـ يصيحون حينًا ويلوِّحون حينًا ـ كثيرون منهم أُجْبروا على أن يكونوا هنا، وكثيرون عدائيّون فحسب ـ يُطْلقون النارَ على البيوت فيما نحن نبتعد.‏

أجد صعوبةً هنا في معرفةِ أخبارِ العالم الخارجي، لكنَّني أَسمعُ أنّ تصعيدَ الحرب على العراق أمرٌ لا مفرّ منه. هناك قلقٌ كبيرٌ من "إعادة احتلال غزّة." صحيح أنّ غزّة تُحتلُّ من جديدٍ كلَّ يوم، إلى هذا الحدّ أو ذاك، غير أنِّي أعتقدُ أنّ الخوفَ هو أن تَدْخل الدبّاباتُ كلَّ الشوارع وأن تَبْقى فيها بدلاً من أن تَدْخل بعضَ الشوارع ثم تنسحبَ بعد بضع ساعاتٍ أو أيام لتراقِبَ وتُطْلقَ النارَ من أطرافِ البلدات.‏

إذا لم يكن الناسُ [عندكم] يتأمّلون الآن عواقِبَ هذه الحرب على ناسِ المنطقةِ بأسرها، فإنّني آملُ أن تبدأوا ذلك.‏

حبّي للجميع. حبّي لأمي. حبّي لـ "سموش." حبِّي لــ "اف. جي" و"بارنهير" وأعضاء سَسِميز ومدرسةِ لينكولن. حبِّي لأوليمپيا.‏

20 شباط (فبراير) 2003‏

ماما،‏

لقد حَفَر الجيشُ الإسرائيليُّ الآن الطريقَ إلى غزّة، وأُزيلَ الحاجزان الرئيسيّان. وهذا يعني أنّ الفلسطينيين الذين يريدون أن يَذْهبوا ليتسجّلوا لفَصْلهم الدراسيِّ القادم لن يستطيعوا ذلك؛ وأنّ الناس لن يستطيعوا الذهابَ إلى عملهم؛ وأنّ العالِقين في الجهة المقابلة لن يستطيعوا العودةَ إلى منازلهم؛ وأنّ الناشطين العالميين الذين اتّفقوا على اللقاء غدًا في الضفة الغربية لن يستطيعوا الذهابَ. قد نَنْجح في الذهاب إذا استخدَمْنا جديّاً ميزَتَنا العالميةَ وهي كونُنا بِيضًا، لكنّ ذلك قد يعني أن نتعرّضَ لخطرِ التوقيفِ والترحيلِ، مع أنّ أيّاً منّا لم يَقُمْ بأيّ أمرٍ غيرِ شرعيّ.‏

قطاعُ غزة مقسَّمٌ الآن إلى أثلاث. وهناك حديثٌ عن "إعادةِ احتلالِ غزّة،" غير أنِّي أشكّ جديّاً في ذلك لأنّني أرى أنّه سيكون خطوةً إسرائيليّةً حمقاءَ من الناحية الجيوسياسية في اللحظة الراهنة. أعتقد أنّ الأرجحَ هو حصولُ المزيدِ من الاجتياحات الصغرى التي لا تُثير حساسيّةَ العالَمِ، ومن المحتمل أن يَحْصلَ "التهجيرُ السكّانيُّ" الذي غالبًا ما أُشيرَ إليه.‏

سأبقى في رَفَح الآنَ. لا خططَ لديَّ للتوجُّه شمالاً. ما زلتُ أَشْعر بأنّني في أمانٍ نسبيّاً، وأعتقد أنّ الخطر الأرجح في حالِ حصولِ اجتياحٍ ضخمٍ هو أن أَتعرّضَ للتوقيف. إنّ خطوةَ إعادةِ احتلال غزّة ستُولِّد احتجاجًا أعظمَ بكثيرٍ ممّا أحدثَتْه استراتيجيةُ شارون القائمةُ على اغتيال [الفلسطينيين] أثناءَ مفاوضاتِ السلام وعلى اغتصاب الأراضي، والعاملةُ الآن بكلّ قوةٍ على بناء المستوطنات في كلِّ مكان، ببطءٍ لكنْ بثقةٍ، لاغيةً بذلك أيَّ احتمالٍ جدّيٍّ لتقرير الفلسطينيين مصيرَهم بأنفسهم.‏

اِعْلَمي أنّ هناك كثيرًا من الفلسطينيين الشديدي اللُّطْف يَعْتنون بي. عندي إنفلونزا بسيطةٌ، وجئتُ بمشروباتٍ لَيْمونيةٍ جيدةٍ جدّاً للعلاج. المرأة التي تحتفظُ بمفتاح البئر، حيث ننام إلى الآن، تسألني دائمًا عنكِ. هي لا تتحدّثُ الإنكليزيةَ قطّ، لكنّها تسألُ عن أمي كثيرًا جدّاً، وتريد أن تتيقَّنَ من أنَّني أتَّصلُ بكِ.‏

حبِّي لك، وللبابا، ولسارة، وكرِسْ، والجميع.‏

27 شباط (فبراير) 2003‏

(إِلى أمّها)‏

أُحبُّكِ. مشتاقةٌ إليْكِ حقّاً. تنتابُني كوابيسُ فظيعةٌ عن دبّاباتٍ وجرّافاتٍ خارجَ منزلنا، فيما أنا داخِلَه. أحيانًا يخدِّرني الأدرينالينُ أسابيعَ، ثم يعود الواقعُ فيَضْربني من جديدٍ في المساء أو أثناءَ الليل. أنا فعلاً مذعورةٌ على الناس هنا.‏

أمسِ، راقبتُ أبًا يَقُود طفلَيْه الصغيريْن، رافعًا يديْه على مرأًى من الدبّابات وبرجِ القنّاصِ والجرّافاتِ وسيّاراتِ الجيپ العسكرية، لأنّه ظَنَّ أنّ منزله سيتعرّضُ للتفجير. أما أنا و"جني" فمَكَثْنا في البيت مع عدةِ نساءٍ وطفليْن صغيريْن. لقد كان خطأُنا في الترجمة هو ما دَفَعَ ذلك الأبَ إلى الاعتقاد أنّ منزلَه سيتعرَّضُ للتفجير، في حين أنّ الجيش الإسرائيلي كان يفجِّر لَغَمًا يبدو أن المقاومة الفلسطينية زَرَعَتْه في الأرض القريبة منّا.‏

جرى ذلك في مكانٍ كان حوالى 150 رجلاً قد جُمِعُوا فيه يومَ الأحد وطُوِّقوا خارجَ المستوطنة، فيما كان الرصاصُ يُطلَقُ فوق رؤوسهم ومِنْ حولهم، والدبّاباتُ والجرّافاتُ تدمِّر 25 بيتًا للمزروعات، هي رِزقُ 300 إنسان. لقد وَقَعَ التفجيرُ أمام تلك البيوت تمامًا، تمامًا عند نقطةِ دخولِ الدبّابات في ما لو عادت من جديد. وقد رَوَّعني أن أفكِّر أنّ ذلك الرجل شَعَرَ أنّ خروجَه مع طفليْه على مرأًى من الدبابات أقلُّ خطرًا من البقاء في منزله. وكنتُ مذعورةً فعلاً من أن تُطْلَقَ النارُ عليهم جميعًا، وحاولتُ أن أَحُولَ بينهم وبين الدبّابة. إنّ مثل هذا الأمر يَحْدثُ كلَّ يوم، ولكنّ ذلك الأبَ الخارجَ مع طفليْه اللذيْن يبدو عليهما الحزنُ الشديدُ هو ما استرعى انتباهي في تلك اللحظةِ المحدَّدة، ربّما لأنّني شَعَرْتُ بأنّ أخطاءَ ترجمتِنا هي التي دفعتْه إلى المغادرة!‏

فكّرتُ كثيرًا في ما قُلْتِه على التلفون، من أنّ العنفَ الفلسطيني لا يساعد في تحسين الأوضاع. قبل عاميْن كان ستّون ألفَ عاملٍ من رفح يَعْملون في إسرائيل [فلسطين 48]، والآن 600 فقط يستطيعون أن يَذْهبوا إلى هناك للعمل، مِنْ بينهم كثيرون غَيَّروا مكانَهم، لأنّ الحواجزَ الثلاثةَ الواقعةَ بين البلدة هنا وعسقلان (أقربِ مدينةٍ إلينا في إسرائيل) جَعَلَتْ ما كان رحلةً بالسيّارة لمدة 40 دقيقةً فقط رحلةً بليدةً تستغرقُ 12 ساعةً! كما أنّ ما اعتَبَرتْه رفَح عامَ 1999 مصادرَ للنموّ الاقتصادي قد دُمِّر كلُّه تمامًا: مطار غزّة الدولي (المدارج هُدمتْ وسُدّتْ تمامًا)؛ وكذلك الحدودُ التجاريةُ مع مصر (هناك الآن برجٌ إسرائيليٌّ هائلٌ للقَنْص يقع في منتصف المَعْبر)؛ ومثلها المَنْفَذُ إلى البحر (الذي سُدَّ تمامًا في العاميْن الماضييْن بسبب حاجزٍ ومستوطنةٍ هي "غوش قطيف"). كما أنّ عددَ البيوت المدمَّرةِ في رفح منذ بدء هذه الانتفاضة ارتفع إلى 600 بيت تقريبًا، معظمُها لأناسٍ لا علاقةَ لهم بالمقاومة وإنما صَدَفَ أنّهم يعيشون على الحدود.‏

أعتقد أنّه ربما قد باتَ مقرَّرًا بشكلٍ رسميّ أنّ رَفَح هي أفقرُ مكانٍ في العالم. حتى الأمسِ القريب، كانت ثمة طبقةٌ وسطى. وتَرِدُنا أخبارٌ تفيد بأنّ شحناتِ الزّهور الغزّاوية إلى أوروبا كانت في الماضي تُوَّخَّر أسبوعيْن عند مَعْبر أريتز لكي تَخْضعَ لإجراءات التفتيش الأمني. يمكنُكِ أن تتخيَّلي قيمةَ زهور قُطعتْ، قبل أسبوعيْن، في السوق الأوروبية؛ على هذا النّحو نَضَبَتْ هذه السوقُ. ثم جاءت الجرّافاتُ واقتَلَعَتْ مزارعَ الناس وحدائقَهم. فماذا بقي لهؤلاء الناس؟ قولي لي إنْ كان يَخْطر في بالِكِ أيُّ جواب. أنا لا جوابَ لديّ.‏

لو تعرّضتْ حياةُ ورفاهةُ أيٍّ منّا للاختناق التامّ، ولو عِشْنا مع أطفالٍ في مكانٍ يزداد ضِيقًا، مكانٍ نَعْلم ــ مِنْ تجاربَ سابقةٍ ــ أنّ باستطاعة الجنودِ والدبّاباتِ والجرّافاتِ أن تأتي وراءنا في أيّ لحظةٍ وأن تدمِّرَ كلَّ بيوتِ مزروعاتنا التي زَرَعْناها سنواتٍ طوالاً، وأن تَفْعل ذلك كلَّه فيما بعضُنا يتعرَّضُ للضرب والأَسْرِ مع 149 شخصًا آخرين ساعاتٍ عدةً ــ لو حَدَثَ ذلك كلُّه، أتظنِّين أنّنا قد نحاولُ أن نَسْتخدمَ وسائلَ عنيفةً بعضَ الشيء من أجلِ حمايةِ ما تبقّى من فتاتٍ لنا؟‏

أفكِّر في هذا بشكلٍ خاصٍّ حين أرى البساتينَ وبيوتَ الزرع وأشجارَ الفاكهة مدمَّرةً، وهي التي استغرقتْ أعوامًا من العناية والرعاية. أُفكِّر فيكِ، وأفكِّر في الوقتِ الطويلِ المبذولِ لتنميةِ الأشياء، وفي أنّ هذه الأشياء ثَمَرةٌ عظيمةٌ للحُبّ. أُؤْمن حقّاً أنّ أكثرَ الناس، لو كانوا في وضعٍ مماثلٍ، فسيدافعون عن أنفسهم بأقصى قُدُراتهم. أعتقد أنّ عمي كرايْغ سيفعل ذلك. وأعتقد أنّ جدّتي قد تَفْعله. وأعتقد أنّني أنا أيضًا قد أفعله.‏

لقد سألتِني، يا ماما، عن المقاومةِ غيرِ العنفيّة.‏

حين فُجِّر ذلك اللَّغَمُ أمس، كَسَّرَ كلَّ النوافذِ في منزلِ العائلة [حيث أُقيم]. كانوا آنذاك يقدِّمون لي الشايَ، وكنتُ ألعبُ مع الطفليْن الصغيريْن. أمرُّ بوقتٍ صعبٍ الآن؛ فأنا أَشْعرُ بالألم لأنِّي أعامَلُ كلَّ الوقت بحبٍّ كبير، وبعذوبةٍ كبيرة، من طرفِ أُناسٍ يواجِهونَ الموتَ! أَعْرفُ أنّ ذلك كلَّه سيبدو، [لَكُمْ] في الولايات المتحدة، مُغالاةً شديدةً. ولكنْ، للأمانة، فإنّ حنانَ الناسِ الكبيرَ هنا، مَقْرونًا بالدليلِ الساطعِ على تعرُّضِ حياتهم للتدمير المتعمَّد، يَجْعل الأمرَ يبدو غيرَ حقيقيٍّ لي أنا أيضًا.‏

إنَّني لا أصدِّق أنّ شيئًا كهذا يُمْكن أن يَحْدث في العالم من دون أن يثيرَ احتجاجًا أعظم. ويؤْلمني من جديد، كما آلَمَني في السابق، أن أَشْهَدَ مدى البشاعةِ التي يُمْكن أن نَسْمح للعالَمِ بأن يَبْلغَها. ولقد شَعرتُ بعد أن تحدّثتُ إليكِ أنّكِ ربّما لم تصدّقيني تمامًا. أظنُّ أنّه سيكون جيدًا، في الواقع، إنْ لم تصدِّقيني، لأنّني أؤْمن كثيرًا، وقبلَ أيّ شيءٍ آخر، بأهميةِ التفكيرِ النقديِّ المستقلّ. وأُدركُ أيضًا أنَّني، معكِ، أكونُ أقلَّ حرصًا، ممّا أنا عادةً، على إثباتِ مزاعمي. ومردُّ ذلك في الأساس إلى أنّني أَعْلم أنّكِ تُجْرِينَ أبحاثَكِ الخاصة. غير أنِّي قلقةٌ بخصوصِ العمل الذي أؤدِّيه. ذلك أنّ الوضع الذي حاولتُ أن أُفصِّلَه أعلاه، فضلاً عن أمورٍ كثيرةٍ أُخرى، يمثِّل إلى حدٍّ ما إلغاءً وهَدْمًا تدريجيّاً ــ غالبًا ما يكون خفيّاً ولكنّه هائلٌ في أيّ حال ــ لقدرةِ مجموعةٍ معيّنةٍ من الناس على الحياة.‏

ذلك هو ما أَشْهده هنا.‏

إنّ الاغتيالاتِ والاعتداءاتِ الصاروخيةَ وإطلاقَ النّار على الأطفال أعمالٌ شنيعة، ولكنْ يُرْعبني أن يؤدِّي التّركيزُ عليها إلى إضاعة السياق الذي تَجْري فيه. فالغالبيةُ الشاسعةُ من الناس هنا ــ حتى لو كانت لديها القدرةُ الاقتصاديةُ على الفرار، وحتى لو أرادت فعلاً أن تتخلّى عن المقاومة على أرضها، وأن تغادِرَ (وهو ما قد يبدو أقلَّ أهدافِ شارون المحتملةِ شناعةً) ــ لا تستطيع المغادرةَ. ذلك أنّها لا تستطيع دخولَ إسرائيل [فلسطين 48] للتقدّم بطلبِ تأشيرة، كما أنّ البلدانَ التي تَرْغب في الذهاب إليها (كبلدنا نحن والبلدانِ العربيةِ أيضًا) لا تَسْمحُ لها بالدخول.‏

إذن، أعتقد أنه حين تُمنَعُ كلُّ وسائل العيش في زريبةٍ (هي غزّة) لا يستطيع الناسُ الخروجَ منها، فذلك يستحقّ أن يوصَفَ بـ "الإبادة الجماعية". وحتى لو استطاعوا الخروجَ منها، فإنِّي أعتقد أنّ الأمر يستحقُّ أن يسمّى "إبادةً جماعيةً" أيضًا. ربّما تستطيعين أن تبحثي عن تعريفٍ لـ "الإبادة الجماعية" بحسب القانون الدولي، إذ إنّني لا أَذْكرُه الآن. ولا بدّ أن أتطوَّرَ في إظهار ذلك وتَبْيانِه، كما آمَلُ، لأنَّني لا أحبُّ أن أَسْتخدم كلماتٍ مشحونةً بالإثارةِ العاطفيةِ وحدها، وأعتقد أنّك تَعْرفين ذلك عنِّي. فأنا أثمِّنُ الكلماتِ تثمينًا حقيقيّاً. لذا أحاولُ أن أُظْهِرَ الأشياءَ، ثمّ أترك للناس أن يَبْنُوا استنتاجاتِهم بأنفسِهم.‏

على كلّ حال، أنا أَقْفز بين المواضيع على غير هدًى. فقط أريدُ أن أكتب إلى الماما وأن أُخْبرَها بأنَّني أَشْهَدُ هذه الإبادةَ المزْمِنةَ الخفيَّة، وبأنَّني مذعورةٌ حقّاً، وبأنَّني أرتابُ في إيماني الأساسيِّ بخَيْرِ الطبيعة البشرية. على ذلك كلِّه أن يتوقّف! أعتقد أنّها ستكون فكرةً جيّدةً لنا جميعًا أن نَرْميَ كلَّ شيء خَلْفَنا، وأن نُكرِّسَ حياتَنا لوقفِ تلك الإبادة! لا أعتقد أنّ ذلك سيكونُ بعدَ اليوم أمرًا متطرِّفًا. ما زلتُ أريد حقّاً أن أَرْقصَ على موسيقى پات بَنِتارْ، وأن أُصاحِبَ الفِتْيانَ، وأن أَرسمَ رسومًا هَزْليّةً لزملائي في العمل. لكنَّني أُريد أن تتوقَّفَ تلك الإبادة.‏

العجزُ عن التصديقِ، والرُّعْبُ: ذلك ما أشعرُ به. والخيبة. أَشْعرُ بالخيبة لأنّ تلك هي الحقيقةُ الحقيرةُ لعالمنا، ولأنّنا ــ في الواقع ــ نشارِكُ في هذه الحقيقة.‏

ليس ذلك أبدًا ما أردتُه حين جِئْتُ إلى هذا العالم. ليس ذلك أبدًا ما أراده الناسُ هنا حين جاءوا إلى هذا العالم. ليس ذلك هو العالَمَ الذي أَرَدْتِ أنتِ والبابا أن آتيَ إليه حين قرَّرتُما أن أكونَ ابنتَكُما. ليس ذلك هو ما قَصَدْتُه حين نَظَرْتُ إلى بحيْرةِ كاپيتال وقلتُ: "هذا هو العالَمُ الواسعُ، وإنّني لقادِمةٌ إليه." لم أكن أعني أنَّني قادمةٌ إلى عالمٍ أستطيع أن أعيشَ فيه حياةً مريحةً وأن أُوجَدَ ـ ربما من دون أيّ جهدٍ ـ في غَفْلةٍ مُطْلقةٍ عن مشاركتي في الإبادة.‏

(هناك انفجاراتٌ كبيرةٌ أخرى في مكانٍ ما في الخارج).‏

حين أعودُ من فلسطين ستنتابني الكوابيسُ على الأرجح، وسأَشْعرُ دائمًا بالذَّنْب لعدم وجودي هنا، لكنَّني قادرةٌ على أن أوجِّه ذلك نحو المزيدِ من العمل. إنّ مجيئي إلى هنا هو من أفضلِ الأمورِ التي فعلتُها في حياتي. لذا، حين يُخيَّلُ إلى مَنْ يَسْمَعُني أنَّني مجنونةٌ، أو لو كَفَّ الجيشُ الإسرائيليُّ عن عنصريّته في عدم إيذاءِ البِيض، فالرجاء أن تَرُدّوا سببَ ذلك إلى كوني في قلبِ إبادةٍ جماعيةٍ، أَدْعمُها بشكلٍ غيرِ مباشر، وتتحمَّلُ حكومتي [الأميركيةُ] مسؤوليةً كبيرةً عنها.‏

أحبُّكِ، وأحبُّ البابا.‏

آسَفُ للخطبةِ اللاذِعة.‏

طيِّب، هناك رجالٌ غرباءُ قربي أَعْطَوْني الآن بازيلاّء. لذا عليّ أن آكُلَ، وأن أشكرَهم.‏

28 شباط (فبراير) 2003‏

(إلى أمها)‏

شكرًا، ماما، لردِّكِ على رسالتي الإلكترونية. يساعدني كثيرًا أن أتلقّى كلمةً منك، ومِنْ آخرين يهتمّون بشأني.‏

بعد أن كتبتُ إليكِ توقَّفَ اتّصالي بزملائي [مِنْ "حركةِ التضامن الدولية"] حوالى عشر ساعات قضيتُها مع عائلةٍ على خطِّ المواجهةِ في "حيّ سلام،" فأَعدَّتْ لي العشاءَ، وكان لديْها تلفزيونٌ مزوَّدٌ بكابل. الغرفتان الأماميّتان من بيتِ تلك العائلة غيرُ صالحتيْن لأنّ الطّلقاتِ اخترقتِ الجدرانَ، ولذلك تنامُ العائلةُ بأكملها (3 أولاد فضلاً عن الوالديْن) في غرفةِ نومِ الوالديْن. أما أنا فأنامُ على الأرض، قربَ الابنة الصُّغرى، "إيمان،" ونتشاطَرُ اللّحَف.‏

لقد ساعدتُ الصبيَّ قليلاً في فَرْضِ اللغةِ الإنكليزية، وشاهَدْنا جميعًا "پات سيمتري" ــ وهو فيلمٌ مروِّع. أعتقد أنّ رؤيتَهم لمدى انزعاجي من مُشاهدته قد أَضْحكتْهم كثيرًا.‏

الجمعةُ كان يومَ عطلة، وحين أفقتُ كانوا يشاهدون "غامي بيرزْ" مُدَبْلجًا إلى العربية. تناولتُ الفطورَ معهم وجلستُ لبعض الوقت، واستمتعتُ بوجودي في تلك "البِرْكة" الكبيرةِ من اللّحف مع هذه العائلة وهي تشاهِدُ ما بدا لي أَشْبَهَ بالصورِ المتحرِّكة صباحَ السبت [في أميركا]. ثم مشيتُ قليلاً إلى "حيّ برازيل،" حيث يعيش نضال ومنصور والتيتا ورفعتْ وأعضاءُ العائلة الآخرون الذين تبنَّوْني بكلِّ صدقٍ وإخلاص. (بالمناسبة، ذاتَ يوم أعطتْني التيتا محاضرةً عربيةً بالإيماءات، تضمَّنَتِ الكثيرَ من النَّفْخِ والإشاراتِ إلى شالِها الأسودِ. قلتُ لنضال أن يُخْبرَها بأنّ أمي ستقدِّر عاليًا أنّ هناك مَنْ يعطيني محاضرةً عن أنّ التدخين يسوِّدُ رئتيَّ). والتقيتُ زوجةَ أخي نضال ومنصور التي جاءت تزورنا من مخيَّم النّصَيْرات، ولعبتُ مع طفلها الصغير.‏

لغةُ نضال الإنكليزية تتحسّن يومًا بعد يوم. إنّه هو مَنْ يدعوني بـ "أختي." ولقد بدأ بتعليم التيتا كيف تقول (مرحبًا، كيف حالُك؟ بالإنكليزية).‏

يستطيع المرءُ دائمًا أن يَسْمعَ الدبّاباتِ والجرّافاتِ وهي تَعْبر، لكنّ هؤلاء الناسَ فَرِحون بعضُهم ببعض، وفَرِحون بي. حين أكون مع أصدقاء فلسطينيين أَمِيلُ إلى أن أكونَ أقلَّ رعبًا ممّا أنا عليه حين أحاولُ أن أؤدِّي دورَ مراقِبةٍ لحقوق الإنسان، أو دَوْرَ الموثِّقة، أو دَوْرَ المقاوِمة في مجموعات العمل المباشر. إنّهم مثالٌ جيّدٌ على الصمود المديد.‏

أَعْرفُ أنّ الوضع يؤثِّر فيهم بعمقٍ على جميع الصُّعُد ـ وقد يَقْتلهم في النهاية. لكنَّني منذهلةٌ لقدرتهم على الدفاع عن تلك الدرجة الكبيرة من إنسانيّتهم، من الضحكِ والسَّخاءِ وقضاءِ الأوقاتِ مع عائلتهم، في مواجهةِ الرُّعبِ الهائلِ في حياتهم، وفي مواجهةِ الحضورِ الثابتِ للموت.‏

لقد شَعَرْتُ بعد ذلك الصباح بتحسُّنٍ كبير، وقَضيْتُ وقتًا طويلاً وأنا أكتبُ عن خيبةِ أن نَكْتشفَ (وبشكلٍ مباشرٍ إلى حدٍّ ما) درجةَ الشَّرّ الذي ما نزال قادرين على ممارسته.‏

لكنْ عليّ أن أَذْكر، على الأقلّ، أنَّني أَكتشِفُ أيضًا درجةً من القوة عند البشر ومن قدرتهم الأساسية على أن يَبْقوا بشرًا في أقسى الأحوال. وهذا ما لم أَرَهُ من قبلُ. أَعتقدُ أنّ الكلمةَ الملائمةَ هنا هي "الكرامة!"‏

يا ليتَكِ تستطيعين أن تتعرَّفي إليهم.‏

ذاتَ يوم، كما أتمنَّى، ستتعرَّفين إليهم!‏

فلسطين‏

المصدر: مجلة الآداب اللبنانية‏

2006-10-30