ارشيف من : 2005-2008
«اسمي راشيل كوري»
قارات يجمع بينها ان العرب بين الأمم صفر، فهم يهود العصر أو عبيده.
كوريا الشمالية فجّرت قنبلة نووية، كما هو معلوم، ومجلس الأمن أصدر قراراً «بالإجماع» يفرض عقوبات عليها كما هو معلوم ايضاً.
«محور الشر» من دون أي معلوم للمرة الثالثة كان يتألف من إيران والعراق وكوريا الشمالية والأخيرة فجّرت قنبلة نووية والأولى تسعى جهدها لامتلاك سلاح نووي. اما العراق فلم يملك قنبلة نووية، أو برنامجاً لإنتاجها، وهو قبل التحقيق في برنامجه المزعوم، ومع ذلك، هوجم ودُمر وذُبح ابناؤه ولا يزالون يُقتلون كل يوم.
الولايات المتحدة هددت كوريا الشمالية وطالبتها بوقف برنامجها النووي، فاستمرت فيه علناً، ثم هددتها الولايات المتحدة إذا أجرت تجربة نووية أعلنت العزم عليها، فكان ان فجّرت بيونغيانغ قنبلتها، وذهبت الإدارة الأميركية الى مجلس الأمن، فأعلنت كوريا الشمالية انها ستجري تجربة نووية أخرى، وتجربة صاروخ نووي، واتخذ مجلس الأمن قراراً ملزماً بمقاطعة كوريا الشمالية، واعتبرت هذه ان القرار «إعلان حرب» وردت بتهديد من عندها. وكان القرار سخيفاً مفرغاً من أي معنى فهو يريد عزل كوريا الشمالية، وهي أكثر بلاد العالم عزلة. ثم ان من الثابت ان الصين وكوريا الجنوبية لن توصدا الأبواب في وجه الجارة المتعبة، وكنت أعرف هذا مع صدور قرار مجلس الأمن فلم يمض يوم او يومان حتى ترددت اخبار من بكين وسيول بهذا المعنى.
ايران على الطريق النووي، وقد رفضت كل إنذار وأهملت كل قرار دولي، وفي كل مرة تراجعت الولايات المتحدة وحلفاؤها، ولم تتراجع ايران وإنما أعطيت «مهلة». واليوم تهدد الولايات المتحدة ايران بحرب، وترد هذه بتصعيد التحدي.
جورج بوش أطلق الحملة على «محور الشر» في خطاب له سنة 2002، ومن بين دول المحور الثلاث هناك دولة نووية ودولة على الطريق، وهوجمت الدولة العربية غير النووية ودمرت.
ومن النووي الى الثقافي، فقد افتتحت هذا الأسبوع في نيويورك مسرحية «اسمي راشيل كوري» عن البطلة الأميركية المدافعة عن حقوق الفلسطينيين التي سحقتها جرافة اسرائيلية في غزة وهي تحاول منع تدمير بيوت الفلسطينيين في آذار/مارس 2003.
المسرحية عرضت اصلاً في لندن، ومثلت الدور الوحيد فيها الممثلة الأميركية ميغان دودس، وكان يُفترض ان تفتتح في نيويورك قرب بداية السنة، إلا ان شركة الإنتاج الأصلية جَبُنت، وهاجمها كبار أهل الفكر والفن مثل هارولد بينتر وتوني كوشنر وكريستوفر شين وفانيسا ريدغرين، وأخيراً انتجتها شركة جيمس هامر ستين في مسرح منيتا لين، وهي من إخراج آلان ريكمان، وكتبها من مذكرات راشيل كوري ورسائلها الإلكترونية ريكمان وكاثرين فاينر.
أرجو من القارئ ان يلاحظ ان أكثر الأسماء السابقة ليهود، فغالبيتهم لا تؤيد الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، وعندما يندد القارئ بنازية الحكومة الإسرائيلية وكل من يؤيدها ويشترك معها في القتل عليه ان يتذكر ايضاً اليهود المعتدلين الذين جعلوا عرض المسرحية في نيويورك ممكناً.
لندن غير نيويورك، وعندما عرضت المسرحية في العاصمة البريطانية استقبلت بترحيب كبير، غير ان الموقف منها تقاسمه المؤيدون والمعارضون في نيويورك. ولعل عرضاً في «نيويورك تايمز» عكس الاختلاف في شكل جيد، فقد قال الكاتب بن برانتلي إن كان قربه من الجمهور من غالب الدمع حزناً ومن نام وشخر.
راشيل كوري بطلة سلام وإنسانية ولا جدال، غير انها اميركية لذلك يذكر الجميع موتها ويحتفلون ببطولتها. غير انني كنت أجمع مادة عن المسرحية وأمامي اخبار يومية فلسطينية عن ضحايا لا يذكرهم احد او يبكيهم غير أهلهم. وتوقفت من بين اسماء 13 ضحية جديدة للقصف الإسرائيلي امام اسم الطفلة ايمان، وعمرها 7 سنوات، التي قتلت مع ابيها ايمن الحرازين في شارع المنصورة، في حي الشجاعية في غزة، بعد ان استُهدف منزل مجاور.
لن تكون هناك مسرحية عن ايمان، او عن ايمان الهمص قبلها، وعن ألف «ايمان وأيمن» قتلهم المجرمون من الحكومة والجيش الإسرائيلي الذي يقتل الأطفال ويجبن امام حزب الله.
وأُكمل بتحقيق من لندن عن قتل الصحافي البريطاني تيري لويد، المراسل الحربي للتلفزيون الخاص، الذي قتل بعد يومين من بدء الحرب على العراق في آذار سنة 2003.
المحقق القانوني البريطاني قرر ان جنود المارينز الذين أصابوا لويد في رأسه يجب ان يحاكموا، وسيطلب من الادعاء العام البريطاني ملاحقتهم.
تيري لويد مهني بطل، ويجب ان يحاكم القتلة. غير اننا نعرف ان نصف مليون عراقي، وربما اكثر قتلوا بسبب الحرب على العراق غير النووي، ولم يحقق في قتل احد منهم (إلا في ما ندر ومن دون نتيجة).
العرب اليوم تستباح بلادهم وتدمّر ويقتلون ولا يسأل عنهم أحد، فقد هانوا على انفسهم حتى هانوا على الناس. وهناك اسكتش مشهور للفريق الكوميدي البريطاني مونتي بايتون عن بيع ببغاء يصر المشتري على انه ميت، ويصر البائع انه «يرتاح». ونسمع عن راحة القبور، وأشعر بأننا ذلك الببغاء راحة وصوتاً.
المصدر: صحيفة الحياة 19/10/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018