ارشيف من : 2005-2008

خطر ذوبان الهوية اليهودية

خطر ذوبان الهوية اليهودية

العدد 1114ـ 17 حزيران/يونيو 2005‏

يعتبر الحفاظ على الهوية اليهودية هاجسا مثيرا للقلق لدى القادة السياسيين ورجال الفكر والرأي إن في "إسرائيل" أو خارجها، ومن هذا المنطلق ينشط بعضهم من اجل توليد أساليب وصيغ وبرامج تكفل عدم ذوبان الهوية اليهودية او تحصينها في البلاد التي يوجدون فيها.. وفي هذا الإطار نشرت صحيفة هآرتس مقالة بعنوان "يهود قلقون يبحثون عن حل" - لمراسلها في الولايات المتحدة نتان غوتمان - يكشف السيناريوهات المتعارضة والمتداولة بين هؤلاء الناشطين إزاء الشخصية والمجتمع اليهودي والآفاق المفتوحة عليها. ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى ملاحظتين أساسيتين، وهما أن الرأي الغالب (لدى المجتمعين الذين بحثوا مشكلة الهوية اليهودية) هو المتبني لمقولة أن الخطر الأكبر على اليهود يتمثل في ذوبان الهوية اليهودية، في حين أن هناك أقلية تعتبر أن الخطر الأكبر ينبع من الخارج ويتمثل بالسلاح النووي الإيراني. والملاحظة الثانية هي أن الحل يمر أو يتمثل بالحث على إجراء زيارات لليهود إلى إسرائيل من اجل تعزيز الروابط بين هؤلاء والطائفة اليهودية.‏

السيناريو المتشائم. السنة هي عام 2025 والشعب اليهودي يواجه ازمة تهدد اصل وجوده ـ عدد اليهود في العالم سينخفض الى 10 ملايين، من ضمنهم 6 ملايين يعيشون في إسرائيل، نسبة الزواج المختلط تتصاعد واغلب أبناء العائلات المختلطة لا تُظهر ارتباطا باليهودية، في إسرائيل يُفضِّل المجتمع "التطبيع" على وجود يهودي، ويتدهور الوضع الأمني، الترابط الاجتماعي يتفكك، في الشتات انخفضت قوة الطوائف اليهودية والتعليم اليهودي، العلاقة بين الشتات وإسرائيل ضعفت كثيراً، والرأسمال الاقتصادي يقل، معاداة السامية تتزايد وايضا كراهية العالم الإسلامي تجاه اليهود. هذا الكابوس أُعتبر "كابوسا واقعياً".‏

يوجد أيضا سيناريو معاكس بخصوص عام 2025، يُوصف بأنه "رؤية واقعية"، ووفقاً لها الشعب اليهودي يتنامى ليصل إلى نحو 18 مليون يهودي، ثلثاهم في إسرائيل، الهوية اليهودية في إسرائيل تتعزز، إلى جانب تحقيق استقرار أمني ونمو اقتصادي؛ في الشتات اغلب الأولاد يتعلمون في مؤسسات تعليمية يهودية، الارتباط بإسرائيل يتعزز والقوة الاقتصادية والسياسية لليهود تتنامى؛ وتحتل الأمة اليهودية مكانة قيادية في "إصلاح العالم"، وتحظى بعصر نماء في علاقاتها مع المسيحيين والمسلمين.‏

السيناريوهان المتطرفان المتعارضان بشكل مطلق تقريبا قُدما قبل حوالى أسبوعين (من نشر المقال) إلى مجموعة من عشرين من قادة المجتمع اليهودي في أيامنا في محاولة لبلورة خطة تُمكِّن من قيادة الشعب اليهودي في العقود القادمة إلى تنفيذ الرؤية التفاؤلية والابتعاد عن السيناريو الكابوسي. المجموعة اجتمعت بعيدا عن الأضواء، وتقريبا بشكل سري، في "مزرعة واي" القريبة من واشنطن المعروفة في التاريخ الإسرائيلي كمكان حُشر فيه الاسرائيليون والفلسطينيون وبلوروا "اتفاقية واي". إلا انه هذه المرة لم يكن هؤلاء رجال سياسة واحزاب حول الطاولة، وإنما مجموعة من المشاهير البارزين في العالم اليهودي المعاصر، بينهم المحامي ألان درشوفيتس، ستيوارت آيزنشتات نائب وزير المالية الأميركي سابقا، ناتان شارانسكي، الحاخام شموئيل سيرات الحاخام الأكبر لفرنسا سابقا، مايكل ستاينهارت وهو من أكبر المتبرّعين اليهود في الولايات المتحدة، دينيس روس، البروفيسور يحزقيل درور، جاك أتالي، الحاخام يوفال شارلو وآخرون. وبالمناسبة فإن قسما من الحضور طلب المحافظة على سرية أمر مشاركته في الاجتماع.‏

التهديد الأكبر‏

الاجتماع في مزرعة واي، الذي اعتُبر لقاءً بهدف عصف الأفكار، كان في الواقع مرحلة أخيرة من مشروع "بدائل مستقبلية للشعب اليهودي" التي أُعدت خلال اشهر طويلة. خبراء من مجالات مختلفة أعدوا فيها أوراق تضمنت الامكانيات التي تقف أمام اليهودية الإسرائيلية والعالمية على مختلف المستويات بما فيها الديمغرافيا، جيوبوليتي، هوية يهودية، اقتصاد، تكنولوجيا والعلاقات بين إسرائيل والشتات. كل مادة حاولت أن تدرس الاتجاهات الحالية والى اين تقود بعد عقدين. وفي نفس الوقت حاول الخبراء تحديد النقاط التي من الممكن ان يتدخلوا فيها من اجل تغيير هذه الاتجاهات وحرفها باتجاه ايجابي.‏

ويقول البروفيسور يهودا راينهارتس الذي يرأس جامعة براندايس والذي شارك في الاجتماع، "خرجت من هناك قلقاً بالتأكيد، ولكن مع تفاؤل أكبر". وراينهارتس مثل معظم المشاركين الآخرين، يعتقد انه يوجد خشية فعلية من فقدان الهوية اليهودية وتراجع في حجم الشعب اليهودي، بشكل يجعل من الصعب الاستمرار في تأدية دوره كشعب. السبب الوحيد الذي يجده للتفاؤل هو نحو عشرين يهودياً كرَّسوا فكرهم لانقاذ الشعب اليهودي، وحاولوا بلورة حلول للوضع. وربما يشكل ذلك إشارة لتغيير إيجابي في النهج تجاه مشاكل الشعب اليهودي.‏

معظم المشاركين وافقوا على أن التهديد الأكبر للشعب اليهودي في العقود القادمة هو ضعف الهوية اليهودية. في الواقع المعاصر تتنافس الهوية اليهودية في سوق كبير من الافكار والايديولوجيات المفتوحة أمام كل إنسان. الصعوبات التي تواجه ربط أبناء الشعب اليهودي، بشكل أساسي الشبان من ضمنهم، بالهوية اليهودية، تؤدي لاحقا إلى الابتعاد عن حياة الطائفة اليهودية، والابتعاد عن دولة إسرائيل والى الزواج المختلط، التي ستؤدي في الجيل الثاني إلى تقليص اليهود. الطوائف اليهودية الأميركية، على سبيل المثال، فقدت في العقد الأخير بين 300 إلى 500 ألف عضو، وهو معطى يُقلق كل المهتمين بالموضوع. ويقول رينهرتس "في السنوات الأخيرة بُذلت جهود كبيرة لبلورة الهوية اليهودية، والبحث عن يهود والاهتمام بأن يبقوا ضمن الطوائف ولكن نجاحها كان جزئياً".‏

بالمناسبة أزمة الهوية اليهودية، قائمة ليس فقط وسط يهود الشتات. الوثيقة التي أعدَّها المعهد تُشير إلى انه ايضا في إسرائيل يوجد خشية من ضعف جوهري للهوية اليهودية، إذ ازدادت الأصوات الداعية للتحول إلى دولة "طبيعية" يتمّ فيها تقليص الاهتمام بالهوية اليهودية لمصلحة الهوية الإسرائيلية.‏

لكن ليس جميع المشاركين في الاجتماع وافقوا على أن الخطر الأكبر على الشعب اليهودي في العقود القادمة هو داخلي. البروفيسور الان درشوفيتس تمسك برأي الأقلية التي تقول بأن التهديد الخارجي هو الأكثر أهمية حالياً. ووفقا لرأيه معاداة السامية التي تتزايد، كما أن محاولات نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والخشية من امتلاك إيران سلاحاً نووياً، هي ما يشكل خطرا على مستقبل الشعب اليهودي. وقال درشوفيتس "طالما أن اليهود أحرار في اختيار هويتهم، فإنني على ثقة بأن الشعب اليهودي سيواصل الازدهار، برغم التراجع العددي".‏

زيارات لإسرائيل‏

كيف ينبغي مواجهة مشكلة ضياع الهوية وتناقص الشعب اليهودي؟‏

اغلب مشاركي عملية عصف الأفكار وافقوا على أن الحل هو في فتح أبواب الشعب اليهودي ومد اليد لهؤلاء الموجودين حاليا على الهامش. يقول ايزنشتات "ينبغي تخفيض سقف الدخول للمشاركة في الحياة التنظيمية والدينية اليهودية، وينبغي أن نعمل مع هؤلاء المرتبطين بشكل اقل من اليهودية، هؤلاء الذين بشكل تقليدي لم يكونوا جزءاً من الطائفة". "اليهود الهامشيون" هم على سبيل المثال المتزوجون من غير اليهود في عائلات مختلطة، أبناء عائلات مختلطة الذين لم يربوا في بيت يهودي، مهاجرون (إلى إسرائيل وغيرها) من الاتحاد السوفياتي السابق الذين لم يتلقوا تعليما يهوديا او يوجد شك في اصل يهوديتهم وما شابه.‏

.. عملية عصف الأفكار في مزرعة واي لم تجد حلا سحريا لاعادة اليهود الخارجين عن اليهودية إلى نطاق الطائفة، ولكن من الواضح الآن أين ينبغي البحث عن هذه الحلول. أولا، في إطار القيادة اليهودية. وجاء في البيان الختامي للاجتماع أن "الشعب اليهودي مصاب بفقدان القيادة الروحانية القادرة على صياغة مضمون روحي جديد للهوية اليهودية توفر الهاما، جوهرا وذات صلة". هناك حل آخر يكمن في الارتباط بدولة إسرائيل. الحل الوحيد الذي اثبت نفسه حتى الآن في تعزيز الهوية اليهودية وسط يهود الشتات (بشكل أساسي في شمال أميركا) هو في الوجود لفترة ما في إسرائيل. وأثبتت هذه الزيارات القصيرة أنها قادرة على تقريب المشاركين فيها للهوية اليهودية.‏

هل معنى ذلك أن الشاب المشارك في الزيارة لن يتزوج من الفتاة غير اليهودية فقط بسبب أن هويته اليهودية تعززت؟ الجواب هو سلبي، ولكن الفرص بالتأكيد أكبر بأن يتطلع هذا الشاب بعد الزواج المختلط لتربية أولاده كيهود...‏

هل هناك من سيصغي لهذه التحذيرات؟ آفي غيل، رئيس المشروع، يؤمن انه يوجد حاليا استعداد أكبر لسماع أفكار من الخارج، ولذلك يعمل على أن يُقدم استنتاجات عملية وتوصيات للمستقبل. نتائج طاقم الخبراء اليهود الذين اجتمعوا في مزرعة واي قُدِّمت في الأسبوع الماضي أمام مؤتمر الرؤساء للمنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، وفي الفترة القريبة سيُكرس لها جلسة حكومة خاصة بهذا الموضوع في إسرائيل.‏

هآرتس/ نتان غوتمان/9/6/2005‏

2006-10-31