ارشيف من : 2005-2008
لأن الصراع سياسي وليس مذهبياً ولأن "الكبار" يلحّون على التسوية، نصر الله والحريري: الحوار يشمل الحلفاء والمحكمة والحكومة والرئاسة
قال له "الوسيط التقليدي الدائم" ان "الشيخ سعد (الحريري) يريد رؤية "سماحة السيد" (حسن نصرالله) قبل عيد الفطر"... فأجابه خليل "هل تطلب موعدا رسميا؟" ورد "الوسيط" بالايجاب، فقال خليل "الامور غير ناضجة حتى الآن.. نحن منهمكون بالعيد وبعوائل الشهداء، ولا اخفي عليك ان "حزب الله" يشهد حالياً ورشة نقاش سياسي على مستوى الكوادر".
بطبيعة الحال، تم الاتفاق بين الجانبين على التواصل. لكن بدا اللقاء مؤجلا في المرحلة الحالية. وعلى الفور، بادر "الوسيط" الى الاتصال بالحريري ونقل اليه جواب المعاون السياسي لنصر الله بدقة وامانة. بدوره، ابلغ الحريري اقرب معاونيه وحلفائه بالنتيجة وسافر الى باريس ومنها الى الرياض في زيارة خاصة تستمر الى ما بعد العيد.
جاء قرار طلب الموعد ترجمة لما اتفق عليه في الاجتماع الاستثنائي لقوى الرابع عشر من آذار في قريطم مساء يوم الاحد الماضي. يومذاك، اطلع الحريري المجتمعين على محصلة اتصالاته الدولية والمحلية ولا سيما نتائج اجتماعه الاخير بالرئيس نبيه بري ورغبته في عقد لقاء مع نصر الله، وجاء الجواب من الحاضرين، بين معترض بتحفظ او مرحب بتحفظ. وحده رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط، اقترح على الحريري ان يحاول جعل الاجتماع "ثلاثيا"، عبر ضم الرئيس نبيه بري إليه، الامر الذي أُعطي اكثر من تفسير أبرزها محاولة إحراج "الثنائي الشيعي"!
يعني طلب الموعد والتريث في عقده، وجود رغبة متبادلة بالحوار، طرف يبدو "جاهزا"، وطرف آخر يبدو "متريثا"، من اجل جعل اللقاء "استثنائيا بالتوقيت والمضمون". فـ"السيد" الذي سيجتمع مع سعد الحريري، غدا، هو "السيد" معطوفا على تحالفاته "التي سيبقى مدينا لها حتى يوم الدين" في ضوء تجربة "حرب تموز"، وهذا تعبير دقيق في السياسة والشرع وليس مجرد تعبير إنشائي أو سياسي.
جاذبية قياسية لـ"خطاب المعارضة"
ثمة تعبيرات في "شوارع" الاكثرية عن ضيق صدر من "حزب الله" وحلفائه. بالمقابل، تضج
"الشوارع" المعارضة بحيوية مفرطة. هناك جاذبية لخطاب المعارضة والنزول الى الشارع وهناك "حالة غرام وانتقام" بين جمهوري "السيد" و"الجنرال". هناك ترجمة لـ"التفاهم الثنائي" في الكوادر الوسطية والقواعد المتبادلة. محاولة لعدم جعل التحالف وحصره في الاطر الفوقية، تماما كما كان الحال مع وليد جنبلاط وسعد الحريري في "الزمن الرباعي الغابر".
هذه المناخات النفسية المتراكمة، سيأخذها اللقاء المؤجل بعين الاعتبار. اما جدول الاعمال، فمن المفترض ان يكون مدخله اتفاق الطرفين على ان فرصة التوافق قائمة لكن في السياسة وليس بتبويس اللحى اولا وليس على حساب الحلفاء بالاتجاهين ثانيا، اما اذا اختلفنا، فان مسؤوليتنا الوطنية كقوتين سياسيتين وشعبيتين بارزتين، تقتضي التوافق على إدارة الصراع بطريقة سلمية حضارية وديموقراطية كل الخيارات متاحة فيها تحت سقف القانون والدستور.
لن يجد "حزب الله" و"المستقبل" صعوبة في التواصل المباشر. القنوات التقليدية ما زالت قائمة. حيادية السعوديين تراجعت لمصلحة تحوّلهم الى طرف داخلي واقليمي، ولكن ذلك لا يفسد في الود قضية بين الطرفين. طالما الحوار السعودي الايراني مستمر، لعله بالامكان تلقف بعض "ثمراته".
نبيه بري حاجة موضوعية لبنانية
هناك دور مستمر للرئيس نبيه بري ولو ان جمهوره الحركي اصبح متماهيا الى حد الذوبان مع قاعدة شريكه السياسي الكامل "حزب الله". يبقى الهامش المتوافق عليه بين قيادتي الطرفين،
"بأن نبيه بري هو حاجة موضوعية لبنانية وطالما ان اي اشتباك سياسي، يحتاج الى "مخلص"، فإن مقتضيات التسوية تقتضي بايجاد نبيه بري لبناني اذا لم يكن موجوداً".
هنا تكمن براعة "الاستاذ" نبيه بري في محاولة ايجاد تسوية مقبولة بين جداول الاعمال، لكن من ابرز الصعوبات التي تعترضها انها تتناقض مع جداول اعمال شركاء اساسيين لكل من السيد نصرالله والنائب الحريري، ولذلك فقد يصبح التئام طاولة الحوار حاجة موضوعية، خاصة واننا سنكون في الاسابيع المقبلة، في حالة تسابق بين العناوين السياسية المتداولة (حكومة وحدة وطنية وانتخابات رئاسية ومحكمة دولية والاعمار و"باريس 3" الخ...) وبين خيار ترجمة القرار الذي لا عودة عنه بالوصول الى حكومة الوحدة الوطنية من خلال الشارع وغيره من الوسائل المشروعة ودائما "بالتي هي احسن".
وطالما انه ليس بمقدور احد ان يجزم بان خياراته السياسية نهائية و"نقطة على السطر" (حتمية حكومة الوحدة الوطنية مقابل حتمية الحفاظ على الحكومة الحالية)، فان ذلك يؤسس الى الاقتراب اكثر من موعد "اللقاء المؤجل"، فضلا عما يمكن ان يشكله الرئيس بري من قوة دافعة له ولمضمونه، خاصة في ظل وجود رغبة متبادلة لدى الطرفين في تحقيق امرين:
? اولهما، الاستفادة من تجارب الحوارات السابقة ليس من باب التشكيك بل الخبرة ومحاولة عدم الوقوع في اخطاء حصلت سابقا.
? ثانيهما محاولة ابرام اتفاق خطي اذا لزم الامر، ولا يتم الاعلان عنه الا بعد تسويقه مع الحلفاء لدى الجانبين في ظل قناعة راسخة، خاصة لدى "حزب الله" باستحالة التسوية على حساب الحلفاء.
أزمة ثقة متبادلة قبل "حرب تموز"
يؤشر ذلك الى ازمة ثقة متبادلة بين الجانبين ليس عمرها من عمر "حرب تموز" وحسب، انما عمرها، بالنسبة الى "حزب الله" من عمر الحرب التي اطلقتها "الاكثرية" ضد سوريا في الرابع عشر من شباط: "خرجت سوريا من لبنان واستمر منطق الثأر السياسي يحكم سلوك فريق 14 آذار. هم لم يستشيروا احدا عندما قرروا الحرب وما زالوا من جانب واحد، وهم لم يثبتوا جدارتهم في ان يكونوا على مستوى هكذا تحد سياسي. لقد قرروا ختم التحقيق في كل الاغتيالات والتفجيرات واصدروا الحكم ووجهوا اصابع الاتهام الى سوريا وقرروا عقوبة تبدأ بتغيير النظام فيها".
صدمت سوريا بقيام "الحلف الرباعي". لكن شركاء "الثنائي الشيعي" لم يقدروا معنى هذه "الخطوة الاستقلالية". كان هاجس بعضهم يتركز باتجاه الامساك بالسلطة قانوناً انتخابياً وانتخابات وحكومة ورئاسة جمهورية.. واستكمال عملية تصفية الحساب مع سوريا المستمرة حتى الآن. راهن بعضهم بان وظيفة "الرباعي" توفير حاضنة سياسية لبنانية للمقاومة بديلا عن الحاضنة الاقليمية التقليدية.. وعندما كرت سبحة الاغتيالات من سمير قصير إلى جبران تويني، بادر رموز في الاكثرية الى اتهام "حزب الله" بالفشل في لجم السوريين او تعديل "اجندتهم" الانتقامية في لبنان... "نحن نريد الحماية، فمن يوفرها لنا"!
لا جواب. نعم لم يكن اللاعبون المحليون في يوم من الايام، خارج التزاماتهم الاقليمية، وهذه نقطة جوهرية في الحوار المؤجل بين "حزب الله" و"تيار المستقبل". يقول قيادي معني في الحزب <هناك حاجة لاعادة صياغة الموقف من القضايا الاستراتيجية الكبرى. الموقف من المقاومة في ظل ما تتعرض له من ضغوط. الموقف من سوريا. الموقف من "اسرائيل". الولايات المتحدة تتحدث عن تركيب "مثلث اعتدال عربي" بوجه "محور الشر" المتمثل في قوى المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق. نعم ما هو موقف شركاء الوطن عندما تصل الامور الى الخيارات الكبرى؟".
"المصلحة الوطنية".. قضية ملتبسة لبنانيا!
تطرح هذه الاسئلة، تحسسا لدى الفريق الآخر: "نعم، نحن نرفض الخضوع دائما لفحص دم في الوطنية. كلنا ضد اسرائيل في السر او في العلن. خلافنا يتعلق بكيفية حفظ المجتمع اللبناني وحمايته. هم يريدون جعل لبنان ساحة للآخرين وجبهة مفتوحة ونحن نريد ان نشارك بحسب قدرتنا... الاستقرار السياسي والاقتصادي والمالي والامني هو جزء لا يتجزأ من المقاومة، فلماذا نستمر في منطق التخوين والتحريض والتعبئة؟".
هذه القضية طرحت في الاجتماعات المغلقة بين نصرالله والحريري وكان كلاهما يردد على مسمع الآخر ان العلاقات الدولية والعربية، <مشروعة في السياسة، طالما هي تستخدم وتجير لمصلحة لبنان، وتصبح سلبية عندما تستخدم ضد طرف داخلي او خارجي". هذه صياغة عامة، لكن قضية "المصلحة الوطنية" قضية ملتبسة في "النموذج اللبناني". البعض يعتبر 17 ايار
"انجازاً وطنياً فريداً من نوعه"، بينما يتعبره فريق آخر "خيانة وطنية"، فكيف الحال مع غير "اسرائيل" وفي لحظة يبدو فيها لبنان مرآة لارتدادات ازمات وقضايا المنطقة من فلسطين الى ايران مرورا بالعراق ولا يهرب اطراف الداخل من علاقاتهم الاقليمية خاصة "حزب الله" مع ايران و"تيار المستقبل" مع السعودية؟.
يطرح ذلك قضايا لا مفر من الحوار حولها "لاننا اصحاب مصلحة مشتركة في ذلك. انتهى حوار تبويس اللحى الى غير رجعة. المسألة ليست عبارة عن منّة او إكرام او ترف، انها مسألة قناعة ايضا. هناك طرفان اساسيان في البلد وكل واحد منهما عنده شركاء يعتقد انهم يشكلون حيثية لها حضورها الشعبي الحقيقي. ليس بالضرورة ان يقود الحوار الى تحالف وحتما لن يقود الى حلف رباعي او خماسي او سداسي".
لا يريد فريق الاكثرية التفريط لا بالاكثرية الحكومية ولا بالاكثرية النيابية ولا باحتمال الاتيان برئيس للجمهورية من فريقه نفسه ولا بالمحكمة الدولية سلاحا ضد سوريا. هو العقل السياسي الذي لا يحسب حسابا دقيقا للتسوية اذا آن اوانها. انها لعبة كسب الوقت. <تعالوا نبرّد الامور مع "حزب الله" لمدة شهرين او ثلاثة. نطلب لقاء مع "السيد" ونخلق شرخا ومناخا من الشك والريبة لدى حلفائه وخاصة ميشال عون. نمرّر المحكمة ثم مؤتمر "باريس 3".. وهكذا نلجم اندفاعة الفريق الآخر المستمرة منذ "حرب تموز". خلال ثلاثة او اربعة اشهر، نحفظ التوازنات الحالية في السلطة ولا يعود بمقدور احد الحديث عن حكومة جديدة. عندما ندخل في الاستحقاق الرئاسي، نفرض شروطنا وفق موازين قوى تكون الحكومة الحالية جزءا لا يتجزأ منها، بينما يكون التكتل الآخر قد تزعزع".
لا خوف من الفتنة السنية الشيعية
يبدو ان كل فريق سياسي بدأ يحسب حسابات "التعايش" مع المأزق القائم، في ظل انعدام بوادر مشروع تسوية داخلية او اقليمية. الشارع يدخل ضمن حسابات "حزب الله" وحلفائه. "لا خوف من الانفلات او الفتنة السنية الشيعية. هذه مسألة طويت نهائيا بعد "حرب تموز" التي ادت الى تداخل واتساع المساحات الطائفية المشتركة".
يمكن الحديث اليوم، عن انقسام سياسي وليس عن انقسام مذهبي، وهنا تبدو نصيحة السعوديين والايرانيين بمثابة تعبير عن رهان على دور اساسي للقوتين الاساسيتين، سياسيا وشعبيا، في لبنان، وهما "حزب الله" و"تيار المستقبل"، بتفادي المحظور سياسيا، فالصدام المذهبي "هو خط احمر بالنسبة إلينا ولا مصلحة للطرفين في اية انزلاقات من اي نوع كانت".
القوى الاقليمية مثل ايران والسعودية لا تريد فتنة مذهبية لانها "يمكن ان تعرف اين تبدأ ولكنها لا تعرف اين تنتهي". الواقع الدولي يقول بوجود مصلحة اميركية بالحفاظ على "الستاتيكو"اللبناني. قرار ارسال "اليونيفيل" الى لبنان هو مؤشر اطمئنان لا بل ضمانات دولية مسبقة حصل عليها الاوروبيون وغيرهم بان لبنان لن يكون مسرحا لحروب على شاكلة ما يجري في العراق.
شبكة الامان اللبنانية تحتاج الى مشروع تسوية محتملة. هل يحمل نبيه بري سلة متكاملة لها، كأن يصبح تغيير الحكومة تحصيل حاصل بعد الاتفاق على رئيس الجمهورية (مع اكمال اميل لحود ولايته) والمحكمة الدولية، والا فان الحكومة ستتعطل ورئاسة الجمهورية مهددة بالفراغ والمحكمة الدولية لن تلقى الاجماع و"مؤتمر باريس 3" سيصبح في خبر كان؟.
لعل "الموعد المؤجل" بين السيد نصرالله والنائب الحريري يجيب على هذه الهواجس الوطنية غير الحصرية بفئة او منطقة او جهة لبنانية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018