ارشيف من : 2005-2008

"دلالات يوم القدس العالمي"

"دلالات يوم القدس العالمي"

أرض اسلامية قبل أن تكون للعرب أو للفلسطينيين، ومن هنا كان السعي الحثيث من أبناء الأمة المخلصين الصادقين لإعادة المعركة مع الكيان الغاصب للقدس وفلسطين إلى جذورها العقائدية الصحيحة التي لا يمكن تجاوزها أو التعدي عنها، فالقضية في الصراع مع الصهيونية ليست على الأرض مع تسليمنا بقيمتها وقدسيتها، وإنما هو صراع مبادئ وقيم إنسانية وإلهية.‏

ومن هذه الناحية ننظر إلى احتلال العصابات الصهيونية للقدس لأنهم يريدونها عاصمة الدولة اليهودية المزعومة، واحتلالها هو ذروة التحدي الذي تواجهه الأمة الاسلامية اليوم نظراً لما تحتله القدس من مكان في نفوس المسلمين باعتبار أنها أحد أكثر الأماكن شرفاً وقدسية، ولا يقل تأثيرها المعنوي عن الكعبة الشريفة والمسجد النبوي الشريف.‏

ومن هنا نفهم لماذا كان اعلان الامام الخميني المقدس عن أن كل آخر يوم جمعة من شهر رمضان من كل عام هجري هو يوم "القدس"، ويمكن أن نحدد بعض دلالات هذا اليوم بما يلي:‏

أولاً: تذكير المسلمين على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم وألسنتهم أن القدس هي قضيتهم، وأنهم لا يملكون حق التخلي عنها أو الانسحاب من تحمل مسؤولياتهم تجاهها، لأنها أرض مقدسة عند كل أهل الأديان، وخصوصاً عند المسلمين، فهي قبلتهم الأولى التي صلوا اليها، وهي ثالث الحرمين الشريفين، وهي منتهى مسرى النبي (ص) من مكة إلى القدس، ومبدأ معراجه إلى السماوات العلى، ومن هنا فإن أي مسلم يشعر بالغيرة على دينه ومقدساته لا يمكن أن يعيش اللامبالاة تجاه قضية مركزية تعنيه أينما كان في هذه الأرض الواسعة.‏

ثانياً: تحذير الأمة من خطر الكيان الغاصب، لأن "اسرائيل" قد زرعها الاستكبار في قلب عالمنا الاسلامي لتكون مركزاً لحياكة الفتنة والمؤامرات بين المسلمين، ولتكون الذراع القوية لضرب أية حركة تحرر في المنطقة العربية كلها، ولهذا نجد أن "اسرائيل" قد انتصرت في معظم حروبها ضد العرب، وتوسعت على حساب بلدانهم، ولا تزال القوى الاستكبارية تزود هذا الكيان بأحدث أسلحة الفتك والقتل والدمار، وتغطي على جرائمه البشعة ضد الشعوب العربية والاسلامية، وتمنع ادانة هذا الكيان في أي محفل دولي مهما فعل.‏

ثالثاً: اليأس من خطاب الأنظمة العربية والاسلامية، لأن الإمام (قده) كان يرى بأن الأنظمة نظراً لما لديها من إمكانيات تستطيع مواجهة هذا الكيان الغاصب وهزيمته، الا أن الذي حصل هو أن الأنظمة قد خذلت شعوبها، وأمل الشعب الفلسطيني في الرجوع إلى أرضه، وذلك لأن وظيفة الأنظمة لم تكن هزيمة الكيان الغاصب بمقدار ما كانت مهمتها الانهزام أمام "اسرائيل" كمدخل لإعطاء الكيان الغاصب شرعية لاحتلال الأرض وتشريد الشعب في فلسطين، وإنهاء النزاع معه بحجة ان الكيان الغاصب قوي ومدعوم من أكبر القوى في العالم وعلى رأسها "اميركا"، ولذا قال الإمام الخميني (قده) "إن ما تقوم به حكومات المنطقة في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة الاسلامية، حيث شنت "اسرائيل" عدوانها الواسع ضد بلاد المسلمين، وأراقت دماء المسلمين الأبرياء والمحرومين، لا يمكن النظر اليه الا انه كلام فارغ، ويفوح برائحة المهادنة والمساومة مع الأعداء، والمصيبة الكبرى تكمن في أنهم يستنجدون بالمجرم الأكبر "أميركا" خشية من "اسرائيل"، وهم بذلك في الحقيقة يستنجدون بالثعابين الكبيرة خوفاً من الأفاعي" (تاريخ 9/8/1980م).‏

رابعاً: تحريك الشعوب والثقة بقدراتها لتحرير القدس وفلسطين، وهذا ما أعطاه الإمام الخميني (قده) حيزاً كبيراً من خطاباته وإرشاداته وتوجيهاته، لأنه كان يرى أن الشعوب العربية والاسلامية ليست ضعيفة وليست خانعة أو خاضعة، بل تختزن قوى كبيرة قادرة على تصويب الأمور وإعادتها إلى نصابها شرط أن تؤمن تلك الشعوب بقوتها وقدرتها، وحاول أن يزرع فيها الأمل والثقة بالنصر في مقابل ما كانت تشيعه الأنظمة المنهزمة أمام "اسرائيل" من تثبيط للهمم وزعزعة للثقة بالنفس وبقدرة الشعوب، ولذا قال في احدى خطبه "يجب على الشعوب أن لا تكتفي بالجلوس، وأن لا تعتمد على حكوماتها، لأن هذه الحكومات لا تعمل الا بما يتوافق مع مصالحها الخاصة، يجب أن تعرف الشعوب أن رمز انتصارها هو طلب الشهادة، وأن يتيقنوا بأن لا قيمة لهذه الحياة الدنيوية المادية والشهوانية التي يعيشونها" (آذار 1979م). وقد أعطى الامام (قده) مثالاً على قدرة الشعوب اذا امتلكت زمام أمورها وهو "الشعب الايراني" حيث قال "نحن كافحنا القوى العظمى بقدراتنا الايمانية، وقطعنا أيديهم عن بلادنا، واذا كنتم تريدون التخلص من مشاكلكم، وأردتم تحرير بيت المقدس وفلسطين، واذا اردتم تحرير مصر وسائر الدول العربية، فعليكم ان تحرضوا الشعوب للنهوض والقيام…" (آذار 1979م).‏

بناءً على هذا كله ينبغي على المسلمين في الدول العربية وغيرها أن تضغط على الأنظمة لتغيير توجهاتها وأهدافها، لتصبح قادرة على الوقوف بوجه الكيان الغاصب وحماته العالميين، ولتكون قادرة على تحرير القدس وفلسطين في مرحلة لاحقة ستأتي حتماً بإذن الله العلي القدير.‏

ومن هنا يمكننا أن نقول إن نشوء المقاومة الإسلامية في لبنان ومواجهتها للاحتلال الاسرائيلي منذ عام 1982 وحتى عام 2000 سنة تحرير الأرض والإنسان كانت من الاستجابات السريعة لخطابات الإمام وتوجيهاته التي زرعت الأمل في نفوس الشعب اللبناني الذي تحول من خلال مقاومته الى حصن منيع في وجه الاعتداءات الاسرائيلية، وخصوصاً العدوان الأخير في شهر تموز من عام 2006 حيث استطاعت المقاومة بإيمانها بربها وحقها وثقتها بالله وتوكلها عليه، الانتصار على العدو الاسرائيلي الغاشم الذي دمر الحجر وقتل البشر، وحطمت المقاومة أسطورة الجيش الذي لا يُقهر في أطول حرب شنها الكيان الغاصب منذ إنشائه على أرض فلسطين السليبة، واستطاعت هذه المقاومة باتكالها على الله وعلى شعبها المضحي أن تصبح أمثولة حية، وأن تكون الحجة البالغة على كل الأنظمة العربية التي تملك الجيوش والسلاح، لكنها لا تملك إرادة القتال، لأنها ليست مستقلة في اتخاذ مثل هذا القرار لارتباطها بحليفة "اسرائيل" وحاميتها، وهي الشيطان الأكبر "اميركا".‏

وكذلك يمكن ان تعتبر ان الانتفاضة المباركة لشعبنا المجاهد في فلسطين هي استجابة أيضاً لنداء الإمام الخميني المقدس بأن تتولى الشعوب بنفسها الجهاد للوصول الى حقوقها السليبة في استعادة الأرض والحرية والقرار، وقد استطاعت تلك الانتفاضة ان تربك مخططات العدو الصهيوني على كل المستويات السياسية والعسكرية والأمنية، ولن تتوقف حتى تحقق أهدافها النبيلة بإذن الله تعالى.‏

الانتقاد/ العدد 1185 ـ 20 تشرين الاول/ اكتوبر2006‏

2006-10-20