ارشيف من : 2005-2008
القدس منارة الحضارة الإسلامية : الزوايا والخوانق في بيت المقدس
وحوله.
ومن هؤلاء على سبيل المثال: عبد الله بن محيريز وهانئ بن كلثوم وأم الدرداء هجيمة بنت حيي، زوج الصحابي أبي الدرداء، التي كانت تجالس الفقراء والمساكين وتحسن إليهم.
عاش الزهاد الأولون حياة بسيطة وأقاموا في معتكفات للتعبد وذكر الله. وفي القرن الثاني للهجرة قدم عدد كبير من الصوفية إلى الديار الفلسطينية المقدسة، وفي مقدمة هؤلاء أم الخير رابعة بنت إسماعيل العدوية وبشر الحافي وذو النون المصري وإبراهيم بن أدهم والسريّ السقطي.
كان الصوفيون أفرادا في الأصل، ثم تجمعوا في منظمات منذ القرن الثالث الهجري. ولكن الطرائق الصوفية راجت في القرن السادس الهجري وانتشرت انتشارا كبيرا ابتداءً من القرن السابع الهجري، فيما بلغت قمتها في القرن الثامن، حيث لقي الصوفيون تشجيعا من الحكام المماليك.
ارتبط نشوء الزوايا والخوانق بوجود الصوفية، والخانقاه كلمة فارسية تطلق على المباني التي تقام لإيواء الصوفية الذين يحلون فيها للعبادة. وقد سُميت في العهد العثماني تكايا، كما أطلق عليها أيضا اسم الربط.
تركزت معظم الزوايا والخوانق التي بدأ تأسيسها في القرون الإسلامية الأولى في مدينتي القدس والخليل، ولم تكن مقصورة على الصوفية، وإنما شغلها زهاد ومتعبدون، ولم يبقَ من معظمها أي آثار في الوقت الحاضر.
ولعل من قبيل الاستثناءات النادرة بقاء الزاوية الأدهمية في القدس، التي تُنسب إلى الصوفي إبراهيم بن أدهم المتوفى سنة مئة وإحدى وستين للهجرة. أما معظم الزوايا التي لا تزال آثار كثير منها ماثلة، فترجع إلى عصر المماليك الذين اجتهدوا في تعمير زوايا ومنشآت كانت موجودة قبلهم، فضلا عن إنشاء مؤسسات جديدة.
واليوم لا يعرف عن كثير من الزوايا سوى اسمها أو أسماء منشئيها، فيما اندثرت هي.
ومع أن تعبيرات الزوايا والخوانق والتكايا والربط كانت تطلق على مؤسسة واحدة لإيواء الصوفية، لكنها كانت مختلفة، وكل منها تعني نمطا مختلفا من هذه المؤسسات.
فالزوايا التي انتشرت في معظم أنحاء فلسطين وكان في القدس أربعون منها، هي مؤسسات شخصية غير مرتبطة في جميع الأحيان بالصوفية، إذ الزاوية هي مقر رجل من الأتقياء أو بيته، يجمع فيها حوله جماعة من التلاميذ، وفيها مصلى. ولهذا السبب كانت الزوايا أصغر من الخوانق والربط وأكثر منها عددا، كما أنها أقدم منها عهدا. وقد كان الاعتكاف في غرفة صغيرة أو منارة في المسجد أمرا عاديا للزهاد والعباد منذ فجر الإسلام، وكان هذا المعتكف يدعى زاوية منذ عهد الصحابة. ومما يدل على الأهمية التعليمية للزوايا أن كثيرا من المدارس في بيت المقدس ومدن فلسطينية أخرى كانت تسمى زوايا. وبالعكس، فالزوايا الأمينية والنصرية والختنية في القدس كانت تسمى مدارس أيضا.
وفي بعض الزوايا أقيمت مكتبات مهمة، كما هي الحال في الزاوية النصرية في القدس، التي أقيمت في القرن الخامس للهجرة.
وفي بيت المقدس كانت الزوايا تنوف عن الأربعين، ومن أشهرها: النصرية، الجراحية، الدركاء، الأدهمية، البسطامية، الرفاعية، زاوية الهنود، زاوية الأفغان وغيرها.
أما الخانقاه فهي بعكس الزاوية، إذ إنها ليست شخصية، وإنما لها غالبا مقام رسمي في الدولة، إذ هي تنفق عليها وتعيّن لها الشيوخ بمراسيم سلطانية.
توسع انتشار الخوانق منذ القرن الخامس الهجري، وهي أكبر بيوت الصوفية، وكانوا يقيمون فيها بصورة دائمة، ويتلقون مخصصات محددة. كما أن الخانقاه كانت مؤسسة للتعليم الديني أيضا، وكان على النازلين فيها التزامات معينة للتعبد والدرس والذكر.
أول الخوانق التي أُسست في القدس هي خوانق الفرقة الكرامية، أتباع محمد بن كرام المتوفى سنة مئتين وخمس وخمسين للهجرة، وقد ذكرها الجغرافي المقدسي في كتابه "أحسن التقاسيم".
أما أول خانقاه معروفة معرفة جيدة نسبيا ولا تزال قائمة حتى الآن، فهي الخانقاه الصلاحية التي بناها صلاح الدين سنة خمسمئة وثلاث وثلاثين للهجرة، وكان لها أوقاف كثيرة.
وأهم خوانق القدس:
ـ الخانقاه الدوادارية التي تقع عند باب العتم، وقفها الأمير علاء الدين سنجر سنة ستمئة وخمس وتسعين على ثلاثين نفرا من الصوفية من العرب والعجم، وكانت مدرسة في الوقت نفسه.
ـ الخانقاه الكريمية عند باب حطة، وقفها الصاحب كريم الدين بن عبد الكريم بن المعلم هبة الله سنة سبعمئة وثماني عشرة للهجرة، وقد زارها ابن بطوطة سنة سبعمئة وست وعشرين للهجره، وكانت مدرسة أيضا.
ـ الخانقاه التنكزية عند باب السلسلة، أنشأها الأمير تنكز الناصري سنة سبعمئة وتسع وعشرين للهجرة، وكانت مدرسة وخانقاه ودار حديث ومكتب أيتام.
ـ الخانقاه الفخرية في الجنوب الغربي من باب الحرم، وقفها القاضي فخر الدين محمد بن فضل الله ناظر الجيوش الإسلامية، المتوفى سنة سبعمئة واثنتين وثلاثين للهجرة، وكان خانقاه ومدرسة، هدمها الصهاينة سنة ألف وتسعمئة وتسع وستين مع ما هدموه من زاويا منذ عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين، وأشهرها: زاوية المغاربة، وزاوية "أبو مدين".
ـ الخانقاه الأسعردية شمالي رواق الحرم الشمالي، وقفها مجد الدين الأسعردي سنة سبعمئة وإحدى وسبعين للهجرة، وكانت مدرسة أيضا.
ـ الخانقاه المنجكية عند باب الناظر، وقفها الأمير منجك نائب الشام سنة سبعمئة واثنتين وستين للهجرة.
ـ الخانقاه المولوية في حارة السعدية، أنشأتها الدولة العثمانية لأتباع الطريقة المولوية سنة تسعمئة وخمس وتسعين للهجرة، وتُعرف أيضا بالتكية والزاوية المولوية.
بخلاف الزوايا التي اتسمت بالبساطة الشديدة وسيادة مظاهر التقشف انسجاما مع طبيعتها وغرضها، فقد اهتم المماليك بعمارة الخانقاه وزينتها وكسوتها، وحرصوا على تدوين أسمائهم عليها كمنشئين لها، منفقين الأموال على عمارتها وخدمتها، وعلى الصوفيين فيها.
الانتقاد/ العدد 1185 ـ 20 تشرين الاول/ اكتوبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018