ارشيف من : 2005-2008
آمال كبيرة لحصاد وافر في مواجهة الحصار
على مناداتها) لموسم جني الذهب الأخضر، أو كما يتعارف عليه بين المزارعين "موسم قطاف الزيتون".
وفي حالة الحاجة صفية من منطقة شرق قلقيلية، يبدو الموسم منذ ولدت مستعمرة "القناة" المجاورة على أرضها عام 1985، ملوّناً بنكهة الخوف والقلق، ولكن تجتاحه العزة ويسقطه التحدي.
بعد انتهاء السحور، تلملم الحاجة صفية مع أبنائها في هذا العام، متطلبات العمل (المفارش والسلالم) وكثيراً من العزم على اجتياز "الشبك الحديدي" دخولا إلى المستعمرة.
الساعة الخامسة صباحا، حارس المستوطنة بالمرصاد، يطاردهم بسيارة "الهامر" الكريهة، تتجه الحاجة صفية التي تجاوزت السبعين من عمرها نحو البوابة وتطرقها بشدة، ثم تنادي: "أنت يا حارس, أنا الحجة صفية، ردّ عليّ"...
وفي معظم المرات، يشهر حارس مستعمرة "القناة" سلاحه ويأمرهم بالابتعاد عن المكان، تصيح الحاجة صفية: "يلعن أبوكم، سرقتوا زيتوناتنا وبدكم تقتلونا؟"، وتبدأ في جدال مع الجنود والحراسة حتى تجبرهم على السماح لها بدخول المستعمرة لجني ثمار أكثر من 5 دونمات تضم نحو 70 شجرة زيتون لعائلتها، أو يتم إبعادها تحت تهديد السلاح في مرات كثيرة أيضا.
وحتى فترة قريبة، كان الموضوع بالنسبة للحاجة صفية وعائلتها، مجرد معاناة صغيرة في تحدي الجنود، إذ انه وفي معظم المرات تستطيع العائلة الوصول إلى أرضها التي صودرت لإقامة المستعمرة، وجني ثمار الزيتون وهو المعيل المادي الأكثر أهمية بالنسبة لهم سنويا.
وفي حين كانت تحتال العائلة على الجنود وتسلك طرقا جبلية وعرة وتدخل أرضها، انقلب الوضع على الأرض بمجرد عزل المكان كاملا بسياج حديدي منذ أن شرعت حكومة الاحتلال في بناء جدار الفصل العنصري عام 2002 على امتداد نحو 460 كيلومتراً، وبشكل ينهب 58% من الأرض الفلسطينية، وما ترتب على ذلك من نهب للأرض الفلسطينية ومساحات واسعة مزروعة بأشجار الزيتون المثمرة، ومنع أصحابها من الوصول إليها والاستفادة من محصولها.
أهمية خاصة
ولموسم الزيتون هذا العام، على الرغم من تزامنه مع حلول شهر رمضان المبارك وصعوبة المواءمة بينهما، أهمية خاصة. إذ أن نسبة كبيرة من العائلات الفلسطينية في معظم المحافظات تبني آمالا كبيرة على الاستفادة من محصول الموسم الوفير هذا العام، من أجل سد الحاجة وتفادي تدهور الوضع الاقتصادي في ظل الحصار المفروض على الفلسطينيين منذ أكثر من 7 أشهر، وتوقف صرف الرواتب.
وتوضح التقارير الاقتصادية أهمية ذلك، من خلال نسبة ما يساهم به محصول الزيتون الفلسطيني في الإنتاج القومي عامة، حيث يبلغ نحو 12% من قيمة الإنتاج الزراعي في بعض السنوات، كما تقدر نسبة مساهمة محصول زيت الزيتون في الاقتصاد الفلسطيني، بشكل عام، نحو 20%.
وتحتل شجرة الزيتون ما يقارب 50% من مساحة الأرض المزروعة في الضفة الغربية وحدها، بعدد يقدر بعشرة ملايين شجرة. بينما تبلغ المساحة المزروعة في قطاع غزة 26 ألف دونم منها نحو 20500 دونم أشجار مثمرة تساهم في تأمين الدخل لـ10 آلاف عائلة فلسطينية.
أما المساحة الإجمالية المزروعة بالزيتون في أراضي السلطة الفلسطينية، حسب التقرير الصادر عن وزارة الزراعة الفلسطينية في شهر أيلول/ سبتمبر 2003، فبلغت 881 ألف دونم تقريباً، بكمية إنتاج كلية تصل إلى 153 ألف طن؛ وهو ما يعطي الدونم الواحد معدل إنتاجية يصل إلى 174 كجم من الزيتون. وكمية الزيتون هذه تنتج حوالي 36 ألف طن من الزيت، يستهلك منه فقط نحو 12500 طن محليا.
تحت التهديد وإطلاق النار
وفي هذه الأثناء، اتجهت عائلات فلسطينية كثيرة إلى "ضمان" مساحات واسعة من الزيتون، في محاولة لتفادي الوضع الاقتصادي السيئ، لكن الإجراءات الاحتلالية وقفت لهم بالمرصاد.
ويتعرض المزارعون في معظم المناطق المحاذية لجدار الفصل العنصري، أو للمستعمرات الصهيونية، خاصة في شمال الضفة الغربية وبالتحديد مناطق نابلس وقلقيلية، لإجراءات أمنية مشددة تفرضها سلطات الاحتلال من خلال تفتيشهم وإخضاعهم لرقابة قوات الاحتلال، وتهديدهم بالسلاح في حال سمح لهم بالوصول إلى أراضيهم، وفي كثير من الأحيان يمنعون من ذلك.
إضافة إلى هذه المعاناة، يقع المزارعون الفلسطينيون خلال موسم قطاف الزيتون فرائس لهجمات منظمة من المستوطنين، ويتعرضون في كثير من الأحيان لإطلاق النار عليهم أو إطلاق الكلاب البوليسية المدربة لتنهش لحومهم، او الخنازير البرية لدب الرعب بينهم. وفي مرات أخرى لا يجدون سوى العودة بأكياسهم الفارغة بعد أن يكتشفوا سرقة محصولهم كاملا من قبل المستوطنين، كما يحدث سنويا مع مزارعي قرية بيت فوريك وبيت دجن وكفر قليل شرقي نابلس.
وحتى شجرة الزيتون ذاتها، بعيدا عن أصحابها، لم تسلم من انتهاكات الاحتلال لها، وخاصة في أعقاب إصدار الحاخام الصهيوني الأكبر عوفاديا يوسف لفتوى تحث على سرقة محصول الزيتون الفلسطيني، واعتبر ذلك جانبا من تطبيق العقيدة اليهودية.
حيث جاء في فتواه: "لولانا نحن (اليهود) لما نزل المطر، ولولانا لما نبت الزرع، ولا يعقل أن يأتينا المطر، ويأخذ الأشرار (الفلسطينيون) ثمار الزيتون ويصنعون منه الزيت".
وفي أعقاب هذه الفتوى بدت الهجمة الصهيونية على شجرة الزيتون أشد فتكا، حيث نظمت حملات لنقل أشجار زيتون معمّرة وتعرف بجودة إنتاجها من أراضي الضفة الغربية إلى مزارع إسرائيلية داخل الأراضي المحتلة، ويتم تصدير زيتها على أنه زيت إسرائيلي من النوع الممتاز، دون أي إشارة إلى أن "إسرائيل" سرقت هذه الأشجار من أرضها وأصحابها.
كما واكب عمليات النهب هذه، حملات منظمة لتجريف أشجار الزيتون، وبلغ مجمل ما جرفته قوات الاحتلال من أشجار الزيتون المثمرة تبعا لإحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (251.338) شجرة. بينما اقتلعت قوات الاحتلال خلال فترة ما قبل انتفاضة الأقصى، وما يطلق عليها فترة الهدوء النسبي نحو 22 ألف شجرة زيتون.
فرح وغناء...
وفي الوقت الذي تستمر فيه الاعتداءات الاحتلالية على المزارع الفلسطيني، يبدو موسم الزيتون مناسبة للفرح، ودب النشاط، إذ يصبح أمرا عاديا أن تمتلئ الطرقات الجبلية الوعرة في ساعات الفجر وانتهاء السحور بقاطفي الزيتون ودوابهم، ويسمع من هنا وهناك صوت أحدهم يغني:
على دلعونا على دلـعونا بَي بَي الغربة الوطن حنونا
بالله إن متت يامّا اقبروني بأرض بلدنا بفيّ الزيتونا
ولا يزال الفلاح والمواطن الفلسطيني عامة، يعتنق مقولة "القمح والزيت سبعين بالبيت"، و"اللي عنده زيته بعمر بيته".
الانتقاد/ العدد 1185 ـ 20 تشرين الاول/ اكتوبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018