ارشيف من : 2005-2008
كوريا الشمالية - أميركا من الانفراج إلى الإخفاق النهائي
الولايات المتحدة بعد إطلاق الصاروخ “تايبودونج 2” الذي يهدد العمق الأميركي لأول مرة.. وربما التوقيت هو المفاجأة، لا سيما أن العالم كثف من ضغوطه لإثناء بيونغ يانغ عن إجراء تلك التجربة. وكعادتها استغلت كوريا الشمالية انشغال العالم بالملف النووي الإيراني لتلفت النظر إلى قضيتها لإحداث نوع من الحلحلة فيها، خاصة مع جمود مفاوضات اللجنة السداسية، وانتهاج الولايات المتحدة سياسة التهديد والضغوط بفرض عقوبات اقتصادية عليها.
وشكل هذا التفجير النووي الذي أجرته كوريا الشمالية مؤخرا "حدثاً مزلزلاً" على الصعيد العالمي، إضافة إلى أنه شكل أيضا خرقا للاتفاق بين الكوريتين الذي ينص على إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية الموقع في عام 1992.
وهذه نتيجة منطقية للتصعيد العسكري الذي بدأ في تشرين الأول/ أكتوبر 2002، عندما انهارت اتفاقية الإطار عام 2002 التي شكلت حداً فاصلاً ومهماً، إذ كانت تؤمن هذه الاتفاقية احتواء لسياسة كوريا الشمالية النووية منذ العام 1994، وبعد أن اتهمت واشنطن بيونغ يانغ بمواصلة برنامجها السري لتخصيب اليورانيوم.
وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، فقد بدأ نظام كوريا الشمالية ببناء مفاعلات نووية في فترة الستينيات من القرن الماضي ولم ينضم إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية حتى عام 1970 إلا في العام 1985.
وفي عام 1992 أعلنت كوريا الشمالية أنها ستنسحب من المعاهدة، إلا أنها علقت انسحابها قبل يوم واحد من سريان مفعوله. ومع حلول كانون الأول 1993، أي بعد عام من توقيع الاتفاق مع وكالة الطاقة الذرية، أعلنت بيونغ يانغ عن انسحابها من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وكذلك الاتفاق مع وكالة الطاقة الذرية.
وقد استندت في ذلك إلى ازدواجية المعايير من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث انها لم تلتزم بالتفتيش على المنشآت النووية في "اسرائيل" وجنوب أفريقيا، إضافة إلى انصياعها للسياسة الاميركية من خلال فرض تفتيش خاص على المنشآت الكورية الشمالية، بينما لم تخضع القدرات النووية الأميركية والأسلحة الموجودة على أرض كوريا الجنوبية للتفتيش، ما يعني تهديدا لأمنها وسيادتها.
وقد فرض مجلس الأمن الدولي عبر القرار الذي حمل الرقم 1718 بإجماع أعضائه الخمسة عشر، والذي اتخذه يوم السبت 14/10/2006، عقوبات اقتصادية وتجارية على كوريا الشمالية لـ"تجاهلها الصارخ" طلب المجلس عدم تفجير قنبلة نووية، وطالبها بـ"عدم اجراء أي تجربة نووية أخرى أو إطلاق أي صاروخ باليستي".
ويحظر القرار الصادرات والواردات للمواد والتجهيزات التي يمكن أن تستخدم لصنع أسلحة نووية أو صواريخ باليستية. ويأمر كل الدول بتجميد الأصول وحظر السفر لكل من يتورط في دعم برامج أسلحة كوريا الشمالية.
وتجاوبا مع المخاوف الروسية والصينية، تخلى الاميركيون عن مطلبهم فرض حظر شامل على مبيعات الأسلحة التقليدية. وبدلا من ذلك يحدد القرار الحظر على المعدات الرئيسية مثل الدبابات والسفن الحربية والطائرات المقاتلة والصواريخ. ويدعو القرار كل الدول الى التحقق من الشحنات من كوريا الشمالية واليها لمنع أي تهريب غير مشروع لأسلحة الدمار الشامل والصواريخ الباليستية.
العقوبات الاقتصادية لن تكون ذات فعالية كبيرة، لأن كوريا الشمالية لا تربطها علاقات اقتصادية قوية مع بقية العالم. فالعقوبات ستستهدف بوجه خاص الحدّ من "النشاطات غير المشروعة للنخبة الكورية الشمالية"، التي تخصصت ـ حسب المصادر الغربية ـ في القيام بعمليات التهريب الدولية للأسلحة وسواها، وكذلك تقليص بيع العتاد العسكري بما في ذلك الصواريخ.
وأخيرا، إذا قررت الصين قطع إمدادات النفط على كوريا الشمالية، فسيكون لذلك تأثير مباشر. بيد أن الأمر الذي يجب معرفته، هل بكين التي تخشى انهيار كوريا الشمالية مستعدة لذلك.
في الوقت الحاضر لا يوجد أي خيار عسكري واقعي ضد كوريا الشمالية لعدة أسباب، أولها ان سيول وطوكيو لا تريدان حتى الحديث عن الخيار العسكري.
يلي ذلك أنه من الصعب جدا تحديد بدقة كل المراكز النووية والباليستية في البلاد. وأخيرا لأن بيونغ يانغ تمتلك القدرة على الرد ّالمباشر، وأصبحت على طريق بناء ترسانة نووية تعتبرها رادعاً في وجه أي هجوم أميركي محتمل، فضلا عن أن سيول عاصمة كوريا الجنوبية هي على مرمى نيران مدفعية كوريا الشمالية. ولن يكون للخيار العسكري مصداقية إلا عند التهديد المباشر، أو في حال نقل أسلحة نووية إلى بلد آخر.
إلى أي حد سيعدل التفجير النووي الكوري الشمالي موازين القوى في شمال شرق آسيا؟ وهل سيطلق سباقا للتسلح النووي في المنطقة؟
في الحقيقة ليس هناك تغيير فعلي في موازين القوى، ما دام المجتمع الدولي يتعاطى مع كوريا الشمالية كقوة نووية منذ عدة سنوات. وزد على ذلك أنه لا توجد لكوريا الشمالية استراتيجية توسعية، ومن هذا المنطلق فإن التوازنات ستبقى كما هي من دون تغيير.
وبالمقابل تكمن الخطورة في عدوى إنتاج الأسلحة النووية من قبل بلدان أخرى في المدى المتوسط. فإذا تم تحديد التهديد النووي الكوري الشمالي، فإن المسألة النووية ستطرح نفسها بقوة في اليابان، فضلا عن أن رئيس الحكومة اليابانية الجديد آبي يعتزم مراجعة السياسة الدفاعية للبلاد.
توفيق المديني
الانتقاد/ العدد 1185 ـ 20 تشرين الاول/ اكتوبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018