ارشيف من : 2005-2008

تركيا والاتحاد الأوروبي والمزيد من التعثر

تركيا والاتحاد الأوروبي والمزيد من التعثر

وتشتمل الملاحقة القضائية على سجن المنكر مدة سنة مع تغريمه مبلغ 45 ألف يورو، وهي العقوبة التي ينص عليها القانون الفرنسي بحق منكري المذبحة اليهودية على أيدي النازيين.‏

وقد أثار القانون توتراً في العلاقات التركية الفرنسية المتوترة أساساً بسبب الموقف الفرنسي المعارض لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أنه يلامس إضافة إلى الملف الأرمني، وتراً حساساً آخر بالنسبة الى تركيا، هو وتر المشكلة القبرصية والعلاقات التاريخية المتشنجة مع اليونان.‏

لذا فإن رد الفعل التركي الذي اشتمل على أعمال عنف وتنظيم مظاهرات معادية لفرنسا، لم يكن مفاجئاً عندما اعتبر القانون المذكور مبادرة غير مسؤولة بناها عدد من الساسة الفرنسيين "قصيري النظر" على ادعاءات غير مثبتة.‏

ولم تقتصر ردود الفعل السلبية على الأتراك وحدهم، بل تجاوزتهم إلى الأوروبيين أنفسهم في ظل الانقسام الأوروبي حول انضمام تركيا إلى الاتحاد.‏

وكان البرلمان الأوروبي قد حذر من تمرير القانون، معتبراً أنه يمنع الحوار الهادف إلى المصالحة بين تركيا وأرمينيا.‏

وفي هذا الإطار صرح المفوض الأوروبي لشؤون توسيع الاتحاد أولي رين، أن البادرة الفرنسية خطوة غير مثمرة للمصالحة بين تركيا وأرمينيا، وأن الاعتراف بإبادة الأرمن ليس شرطاً من شروط الانضمام إلى الاتحاد.‏

كما انتقد رينيه فان دير ليندن رئيس الجمعية البرلمانية في مجلس أوروبا، تصريح الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي أكد فيه أن على تركيا أن تعترف بإبادة الأرمن شرطاً لتقدم مفاوضات الانضمام. واعتبر ليندن أن النقاش العقلاني المفتوح حول المجازر وتقديم الدعم لفكرة تشكيل لجنة مؤرخين للبحث في هذا الموضوع تظل طريقة أفضل من توجيه الإنذارات.‏

ويفترض أن تتجاوز الأزمة الإطار الأوروبي إلى إطار أوسع، لأن القانون وما رافقه من تصريحات قد يؤدي إلى تعكير ما للعلاقات الفرنسية البريطانية والفرنسية الأميركية، خاصة أن نيكولا ساركوزي وزير داخلية فرنسا وأبرز مرشحي اليمين للانتخابات الرئاسية فيها، قد هاجم كلاً من بوش وبلير، معتبراً أنهما لا يريدان أوروبا سياسية بقدر ما يريدان تركيا.‏

غير أن الانتقادات الموجهة إلى الموقف الفرنسي لم تغير شيئاً في الموقف الأوروبي العام من مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد، وهو موقف سلبي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن خمس عشرة دولة من دول الاتحاد الخمس والعشرين تعارض الانضمام، وأن هذه السلبية ستزداد مع الانضمام الوشيك لكل من رومانيا وبلغاريا.‏

ومن المنتظر للتقرير الذي ستقدمه المفوضية الأوروبية في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر القادم حول مدى استجابة تركيا للإصلاحات التي يطالب بها الأوروبيون، أن يخرج أيضاً بنتائج سلبية عكست نفسها في تصريحات رئيس المفوضية خوسيه مانويل باروزو، الذي أعرب عن قلقه من بطء الإصلاحات، مستبعداً فكرة الانضمام حتى بعد فترة المفاوضات التي ستستغرق بين 15 و20 عاماً.‏

وقد شهد لقاء الاثنين الماضي بين ممثلي الاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية التركي عبد الله غول، على ظهور المزيد من السلبية من خلال مطالبة الأوروبيين بالمزيد من الإصلاحات التي تراجعت وتيرتها خلال العام المنصرم، وفقاً لما يؤكده أولي رين. وتبرز المشكلة القبرصية واحدة من أبرز المشاكل "التقنية" المعيقة لسير المفاوضات. فتركيا كانت قد وقعت في تموز/ يوليو من العام 2005 على المعاهدة الجمركية مع الاتحاد الأوروبي، التي سرت بطبيعة الحال على البلدان العشر التي انضمت إلى الاتحاد عام 2004، ومن بينها قبرص اليونانية التي استثنتها تركيا من التسهيلات التي تنص عليها المعاهدة.‏

أما السبب في ذلك فيرتبط بالنزاعات المزمنة بين تركيا واليونان، والتي تمد جذورها إلى التاريخ القريب على الأقل، وتحديداً إلى العام 1974 تاريخ الانقلاب العسكري الذي نفذه القبارصة اليونانيون بتحريض ودعم من أثينا، والذي رد عليه القبارصة الأتراك بدعم من أنقرة، بانفصال القسم الشمالي من الجزيرة وإعلانه جمهورية قبرصية تركية مستقلة. وقد اعترفت بلدان الغرب بقبرص اليونانية وأرفقت هذا الاعتراف بفرض عقوبات سياسية واقتصادية على قبرص التركية.‏

من هنا اشترطت أنقرة رفع هذه العقوبات مقابل فتح موانئها ومطاراتها أمام السفن والطائرات القادمة من قبرص اليونانية. وكان الاتحاد الأوروبي قد وعد بالاستجابة لهذا المطلب، لكن هذا الوعد لم يخرج من دائرة التسويف.‏

يضاف إلى ذلك أن القبارصة الأتراك كانوا قد وافقوا على توحيد الجزيرة في استفتاء أجرته الأمم المتحدة عام 2004، في حين رفض ذلك القبارصة اليونانيون، ما يعني أن حل المشكلة القبرصية لا يزال بعيد المنال ويلقي بذيوله على كامل التجاذبات الأوروبية والأوروبية التركية، المتصلة بقضية الانضمام التركي إلى الاتحاد الأوروبي.‏

وعلى ذلك فإن كل المؤشرات تذهب في اتجاه غير ملائم لرغبات مؤيدي فكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يشكل خسارة فادحة في نظر العديد من المراقبين.‏

وكان المحلل المعروف باتريك سيل، قد قال قبيل مصادقة البرلمان الفرنسي على مشروع القانون الخاص بإبادة الأرمن، ان الاتحاد الأوروبي يوشك على ارتكاب خطأ استراتيجي هائل عبر التعامل بجفاء مع تركيا بدلاً من الترحيب بها في صفوف الأسرة الأوروبية.‏

وقد برر ذلك بموقع تركيا كجسر بين العالم العربي والإسلامي والغرب، وبالأدوار التي يمكن لتركيا أن تلعبها من هذا الموقع، في حلحلة الكثير من المشكلات الإقليمية.‏

ولفت مراقبون آخرون إلى أن الممانعة الأوروبية ونفاذ صبر الأتراك يدفعان باتجاه عزوف قطاعات تركية متزايدة عن الحماسة لفكرة الانضمام (تناقصت شعبية الفكرة من 70 في المئة إلى 50 في المئة خلال العام المنصرم، وفقاً لبعض الاستطلاعات). ويتم ذلك بالتوازي مع انحسار التأييد للسياسة التي تتبناها الحكومة التركية لصالح سياسة أكثر قربا من إيران في النظر إلى المشكلات المطروحة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، حيث يلاحظ بعض المراقبين أن شعبية إيران في الشارع التركي باتت تزيد عن ضعفي شعبية الولايات المتحدة.‏

وبالمقابل فإن المواقف الرسمية الأوروبية التي يجدر بها أن تتعامل مع المشكلة بعقلية أكثر انفتاحاً لما فيه مصلحة أوروبا قبل تركيا، تأتي لتصب الزيت على ميل بعض الأوروبيين نحو مواقف يمينية وقومية رجعية تنضح بعنصرية مكشوفة برزت، وعلى سبيل المثال لا الحصر، في تصريحات نيكولا ساركوزي الذي هاله في انضمام تركيا أن تصبح سوريا والعراق هي الحدود الجنوبية الشرقية لأوروبا، وأن تصبح مشكلات الأكراد وحزب الله وحماس مشكلات أوروبية!‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/ العدد 1185 ـ 20 تشرين الاول/ اكتوبر 2006‏

2006-10-20