ارشيف من : 2005-2008
شعب التيار لم يخذل قيادته واستفتاء عفوي لخيارات الجنرال
دخل في تفاصيل السياسة اللبنانية ليتحول الى نقطة ارتكاز عونية تلتقي مع أيام مفصلية سبقت، وآخرها كان في 22 أيلول الماضي.
في "اليوم العوني" كان الجنرال وشعبه واحداً لا انفكاك بينهم، وكان الجنرال العائد الى بيروت والمتقدم في الانتخابات، وكان زعيم التيار يتفاهم مع حزب الله ويقف الى جانب مقاومته ضد العدوان الصهيوني.. وكان أيضاً الشارع المسيحي يصوّت بثقة كبيرة تحت أنظار الوطن وببركة السماء لخيارات التيار الوطني الحر ممثلا أساسيا له.
وبعيداً عن "القيل والقال" حسم الجنرال مواقفه وأعلن البرنامج السياسي الذي أكد ثوابت التيار وأظهر بشكل واضح رؤيته للمرحلة المقبلة.
الوطنيون برغم المطر الكثيف نزلوا الى الشارع وسجلوا الموقف، فما الذي أضافه هذا اليوم على الواقع الداخلي اللبناني؟ وماذا عنى في الحياة السياسية اللبنانية؟
يوم استثنائي لمؤيدي ومناصري التيار الوطني الحر الذي راهن كثيراً على مهرجانه ليكون محطة جديدة للانطلاق، إلا أن المناخ العاصف طيّر المهرجان، لكنه أتاح للتيار فرصة للتعبير عن ذاته بشكل عفوي، حيث خرج أنصاره بعشرات الآلاف الى الشوارع مؤكدين تأييدهم التيار وخيارات زعيمه ميشال عون.
وبرغم "خذلان" المناخ للتيار، إلا أن شعب التيار لم يخذل قيادته، ولذلك فإن ثمة مؤشرات عديدة رافقت هذا اليوم، شكلت مساحة رصد ومتابعة من قبل مجمل الأطراف السياسية الصديقة والمناوئة للعونيين، وبالأخص من جانب قوى 14 شباط التي كانت تمنّي نفسها أن يأتي المهرجان بما لا يؤثر في القوات اللبنانية سياسيا، ويظهر ضعفها في الشارع المسيحي ويهزّ موقعها في الأكثرية.. وجاءت موجة عاصفة جديدة من التيار لتطيح بكل مبررات هذا الموقع التي بدت وهمية أكثر مما يتوقع كثيرون.
قيادي بارز في التيار الوطني الحر قال لـ"الانتقاد" إن 15 تشرين أعاد تأكيد القوة التمثيلية التي يحظى بها التيار الوطني الحر، وتحديداً في الشارع المسيحي، بعد "الافتراءات" التي تحدثت عن تراجع شعبيته، وأن هذه الأوهام جرى استبدالها بالحقيقة التي تجلت في تجديد الثقة بالتيار وبخياراته، برغم كل المراحل الصعبة التي مرّ بها، وتحديدا بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان.
هذه الثقة برغم أهميتها لدى "التيار"، وهو ما يعوّل عليه كثيراً، يضاف إليه جانب آخر لا يقل أهمية، ويتمثل ـ برأي القيادي ـ بالرؤية التي قدمها العماد عون لـ"مفهوم بناء دولة حقيقية في لبنان"، لكنه يرى أن "المسألة تتوقف على ما إذا كان هناك من نية حقيقية عند الجميع لبناء هذه الدولة، باعتبار أن الممارسة التي نشهدها من قبل قوى 14 شباط لا تشجع على ذلك".
الرؤية التغييرية الإصلاحية كما يرغب "التيار" تسميتها تؤكد أن العماد عون "يملك القدرة والكفاءة لقيادة التغيير" على حد قول القيادي نفسه، الذي اعتبر أن خطاب عون في يوم 15 تشرين هو "خارطة طريق" لحل مشكلة السلطة، التي هي برأيه "أساسية لبناء الدولة وحل موضوع سلاح المقاومة وتحرير الأرض والأسرى"، لأن "المطلوب أن يكون هناك مسار يصحح تكوين السلطة التي يحتكرها فريق معين".
ومن المؤشرات التي حملها الأحد الماضي هدوء "الرسالة" العونية، ولكن مع "جرعة" إضافية من الصراحة والحزم، وذلك من منطلق "كيف يمكن تصحيح العلاقة مع الجميع ضمن مبادىء وشروط معينة، لأن هناك من يتنكر لوجودنا".
هذه "الرسالة" ـ يقول القيادي ـ سبق أن "اشتغل عليها" عون في أكثر من مناسبة، وتقوم على "تصحيح الخلل الناجم في السلطة السياسية والقبول بالآخر بمبدأ الشراكة الحقيقية، لأنه من غير المقبول بعد اليوم أن نتنكر للمشكلة، ونقول ماشي الحال، إلا أن كل ذلك يبقى رهناً بأمرين أساسيين وفق القيادي المذكور: الأول هو توفر الإرادة الحقيقة لدى الأكثرية، والثاني هو بمثابة ترجمة تنفيذية للخطوة الأولى، أي تشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل على تصحيح الخلل القائم حالياً في السلطة السياسية، وهي بالنسبة الى التيار فرصة "أخيرة" أعطيت للأكثرية، "وإلا فسيدفعوننا نحو التصعيد والأيام ستشهد على ذلك".
وفي المقابل جهات حليفة للتيار الوطني الحر ومن المعارضة لقوى 14 شباط، تجد في يوم النصف من تشرين دلالات كبيرة ستترك انعكاسها على الواقع الداخلي أسابيع وشهورا، بل سنوات قادمة، يقول مصدر متابع: ان هذا اليوم شهد "معلمين" مهمين: الأول له علاقة بالتعبير الشعبي، والآخر بالخطاب السياسي للعماد عون.
وفي الجانب الأول يورد ثلاث إشارات:
الأولى: إن إعلان الجهة المنظمة عن إلغاء المهرجان، قطع الطريق على إمكانية التأويل لجهة الحشود ومصدرها وهويتها السياسية والطائفية، لأن الذي حدث هو أن التجمهر جرى في قلب المناطق المسيحية، ثم ان الكثافة التي حضر فيها والتعبير الحار الذي تحدى فيه المناخ والطبيعة حمل رسالة واضحة لجهة جماهيرية التيار، وحسم النقاش حول ماهية الكتلة الأساسية في الشارع المسيحي.
الثانية: أن الثوران والانفجار الشعبي جاء تحت شعارات واضحة، وكان الغالب عليها التمسك بتفاهم حزب الله والتيار العوني، وتأكيد الموقع الخاص الذي تحتله شخصية الأمين العام لحزب الله لدى جمهور التيار، فكيف وأن وثيقة التفاهم لم تعد وثيقة بين طرفين سياسيين، بل غدت ميثاقا شعبيا بين كتلتين شعبيتين، وبهذا المعنى لا يمكن إنكار حقيقة أن ما جرى هو استفتاء لمصلحة خيار التمسك بالمقاومة لدى شريحة تمثل الثقل الأساسي في الطوائف المسيحية.
الثالثة: ان الرسالة الواضحة التي أراد الجمهور توجيهها إلى مرجعية بكركي ـ وحاول فريق 14 شباط الاستنجاد فيها لتعويض نقاط ضعفه في التمثيل المسيحي الذي أظهره مهرجان حريصا من خلال بيان المطارنة الموارنة ـ تقول ها هو الشارع المسيحي، ومن هو حريص على المسيحيين عليه أن يستمع إلينا، وأن ينطق بما نقول.
أما بشأن الخطاب السياسي فيورد المصدر أيضاً ثلاث إشارات:
الأولى: أن العماد عون نجح في تقديم ربط منهجي بين مواقف التيار في 13 تشرين 1990 ومواقفه الراهنة، بحيث استطاع أن يقدم نفسه وخصومه في مواقع تعّبر عن أصالة انتماء كل من الفريقين إلى معسكر ثابت، فالأول قدم نفسه تيارا استقلاليا في مواجهة ما يسمى بالحقبة السورية، وهو الآن يعيد إنتاج موقعه الاستقلالي في مواجهة الوصاية الأجنبية، في حين أن خصومه الذين استقووا بالدور السوري وينتقدونه ويعارضونه راهناً، هم اليوم يستقوون بالوصاية الأجنبية، وفي كلا الحالتين هم خارج منطق السيادة والاستقلال، هذا فضلاً عن طرحين متناقضين، الأول بدا "التيار" مصداقاً للنزاهة والمشاركة السياسية الحقيقية، والثاني أكد انتماءه إلى معسكر الفساد والتهميش والوصايا.
الثانية: الثوابت التي قدمها في خطابه بدءاً بتفاهمه مع حزب الله ومواقفه المعلنة خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، ونظرته الى السلطة وتكوينها إنما هي معطيات مبنية على واقع برنامجي متكامل لمفهموم بناء الدولة والسيادة، وليس ردود فعل على أحداث أو تعبير عن حسابات تكتيكية، كما هو الحال عند الفريق الآخر.
الثالثة: على رغم هدوء النبرة، والنص المشغول بعناية كبيرة لجهة خلوّه من التعابير القاسية، لا يمكن لأحد تجاهل عبارة " أنها الفرصة الأخيرة "، وأخرى "على الفريق الحاكم أن يتحمل المسؤولية ما ينجم عن إضاعة هذه الفرصة المتمثلة بتشكيل "حكومة وحدة وطنية"، مما يعني أن هذا الخطاب هو "إنذار" سياسي بتوقيت محدد، وقد تكون الهدنة التي ألزمت المعارضة فيها نفسها خلال شهر رمضان قد تصبح في حل منها ما لم تتحمل السلطة تبعات الممانعة لطرح حكومة وحدة وطنية.
فهل سيعيد الجنرال الكرة وينزل الى الشارع، وهذه المرة بعد خضوعه لاختبار الامطار التي لم تخف العونيين، لذلك فإن خراطيم المياه اذا ما كانت متوفرة لدى وزارة الداخلية فلن تقف حائلاً بينهم وبين مرادهم مع حلفائهم بتحقيق حكومة الوحدة الوطنية.
حسين عواد
ــــــــــ
أبو زينب: خطاب عون انعكاس لتفاهمنا
ترك خطاب العماد عون ارتياحا كبيراً لدى أوساط حزب الله وجمهوره العريض، وهو ما عبّر عنه بشكل صريح عضو المجلس السياسي في حزب الله غالب أبو زينب، "الذي أكد لـ"الانتقاد" أن خطاب الجنرال يوم الأحد هو انعكاس لمستوى التفاهم الحاصل بيننا، ويعيد مجدداً تأكيد بناء الدولة العادلة والقوية، التي من خلالها نستطيع أن نحمي لبنان إزاء العدوان الإسرائيلي.
وقال: "إن هذا الخطاب لا يعبّر فقط عن مدى الانسجام القائم بيننا في الملفات السياسية العامة، بل أيضاً عن المستوى الجماهيري، "فهؤلاء الذين نزلوا إلى الشارع إنما نزلوا ليعبروا عن ولائهم لكل الطروحات التي صيغت في التفاهم".. مشدداً على "ان الالتزام الواضح من جانب الطرفين بالنسبة الى الوثيقة من شأنه أن يؤسس لمناخ من الوحدة الوطنية الفعلية". لافتاً إلى أن "حلفاء حزب الله والتيار العوني يشكلون بمجموعهم الأكثرية الشعبية التي تريد لبنان الواحد، لبنان المقاوم، لبنان الدولة الحرّة السيدة نفسها، وليست دولة التبعية والوصاية الأجنبية".
الانتقاد/ العدد 1185 ـ 20 تشرين الاول/ اكتوبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018