ارشيف من : 2005-2008

التحقيق بجريمة الرمل العالي: قوى الأمن لا تعرف نوعية طلقاتها غير المتفجّرة

التحقيق بجريمة الرمل العالي: قوى الأمن لا تعرف نوعية طلقاتها غير المتفجّرة

الجاري، إثر محاولة إزالة مخالفات البناء، بارتكابها جريمة قتل مزدوجة ذهب ضحيتها الطفلان حسن لطفي سويد ومحمد حسين علي ناجي، فوضع القضاء العسكري يده على التحقيقات الأولية لكشف ملابسات ما حصل، وخصوصاً أنّ هناك دماء بريئة سقطت بغير ذنب، وأنّ هناك أحاديث كثيرة عن عمليات دفع رشى للعناصر الأمنية كانت تتم في السابق، من أجل التغاضي عن تشييد المباني والبيوت خلافاً للقانون، وصلت في بعض المراحل إلى نحو 2500 دولار أميركي، وهو ما يوازي خمسة أضعاف الراتب الشهري للعنصر الواحد، ما يسيل له اللعاب ويدفعه إلى ارتكاب الموبقات والحماقات، وتجاوز القانون، والتمسك بالفساد الذي هو عنوان كبير في الإدارات الرسمية منذ زمن بعيد.‏

وبموازاة ذلك نجحت الاتصالات التي قام بها حزب الله وحركة أمل في لجم تدهور الوضع الأمني والحدّ من النتائج الوخيمة لهذه الجريمة، ومعالجة الأمر بالحكمة بعيداً عن التشنّج والتذمّر والغضب، وذلك بالحؤول دون استمرار بناء المخالفات، والشروع في تحقيق قضائي مفصلي يظهر القتلة الحقيقيين الذين يتستّرون بالزيّ الأمني الرسمي، ويرافقه تحقيق مسلكي لا غنى عنه، داخل قوى الأمن الداخلي للوقوف على هذه "الشواذات" والتصرّفات غير المنضبطة، ومعرفة من أعطى الأوامر لفرقة "الفهود" بفتح النار على المواطنين المحتجين على استعمال القوّة معهم في هدم ما شيّدوه على مرأى من الدولة التي كانت تقف متفرّجة من دون العثور على حلول ناجعة لإيوائهم في مساكن ومناطق أفضل، مواصلة أسلوب الإهمال والتقاعس عن أداء الدور المطلوب منها تجاه مواطنيها.‏

وقالت مصادر قضائية لـ"الانتقاد" إنّ قائد سرية منطقة الضاحية الجنوبية المقدّم علي حسونة يقوم بالتحقيق الأولي في ظروف هذا الحادث، وذلك بإشراف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الدائمة القاضي جان فهد، وهو استمع على مراحل متتالية إلى إفادات عدد كبير من عناصر قوى الأمن الداخلي بينهم ضابطان برتبة متقدمة، وعدد من المدنيين الذين لهم علاقة بالمخالفات، مؤكداً أنّه "تهمّنا الحقيقة ومعرفة من قتل الطفلين وكيف قتلا"، وقال إنّه لا يوجد حتّى الآن، موقوفون من الجهتين، أيّ من العسكريين والمواطنين، مسجّلاً عتباً على "عدم تجاوب بعض المدنيين في إعطاء الإفادات" من دون أنْ يوضّح الأسباب، ومن دون أنْ يفصح عما يدفع هؤلاء إلى التأخّر والامتناع عن تقديم المساعدة للقضاء.‏

ويضع المقدّم حسونة القاضي فهد في تفاصيل التحقيقات أوّلاً بأوّل، وفقاً لخطّة عمل أعدّاها معاً، وتقضي بالإسراع في التحقيق من دون تسرّع، "لكي ينال كلّ ذي حقّ حقّه، وتتكشّف الحقائق كاملة أمام الرأي العام".‏

وبرأي المصادر القضائية نفسها، فإنّه لم "تتكوّن قناعة لدى التحقيق عمّا حصل"، وهو ما يجري العمل لسبر أغواره، على أن تقدّم خلاصة بكلّ شيء، في نهاية المطاف، للرأي العام.‏

ولم تتوصّل اللجنة الرباعية من الأطباء الشرعيين الذين تمّ تعيينهم وهم: بلال صبلوح (تابع لتيار المستقبل ومن شمال لبنان) وعاصم حيدر ومنيب عويدات ووحيد صليبا، إلى نتيجة حول كيفية قتل الطفل ناجي الوحيد الذي أصيب برصاصة قاتلة في الرأس.‏

وقد كشف الطبيب الشرعي الدكتور حسين شحرور على جثة الطفل في مستشفى الرسول الأعظم وقال لـ"الانتقاد" إنّه عثر على خمس قطع من مادة معدن الرصاص متجعّدة في الرأس، ما يدلّ على أنّه عند ارتطام الطلق الناري بالعظام الصلبة للرأس أدّى إلى تفتيته وظهوره بهذا الشكل، ولو كان هناك من مادة متفجّرة لهشّمت الرأس بشكل مريع".‏

وعلمت "الانتقاد" أنّ هذه القطع الخمس أرسلت إلى مختبر قسم المباحث العلمية (الأدلة الجنائية) التابع لقوى الأمن الداخلي في "ثكنة الحلو" في محلة مار إلياس لفحصها وإعطاء النتيجة بنوعها، إلا أنّ هذا المختبر لم يستطع تحديد نوعية الرصاص، وما إذا كان من المواد المتفجّرة أم لا؟! وهو ما كان البيان الصادر عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي قد قاله في محاولة لإلقاء مسؤولية إطلاق النار، كالعادة، على مجهولين، ما يعني بشكل صريح وواضح، أنّ الطلقات النارية ليست متفجّرة بل مستعملة في قوى الأمن الداخلي التي سعت إلى التهرّب من تبعات هذا العمل الإجرامي.‏

وكانت الهجمة القوية والصحوة المفاجئة للعناصر الأمنية على إزالة المخالفات في الرمل العالي موضع استغراب، بعد تناسي العمران غير المنظّم، وعدم القيام بالواجب إزاء المخالفات المشيّدة على الأملاك البحرية والتي كانت قيد تحقيق قضائي لم تعرف خواتيمه لأنّه طمس وأغلق قبل الانتهاء منه، والسبب أنّ المرتكبين هم من علية القوم ومسؤولون في الدولة ومعظمهم تابعون "للقوى الشباطية"، لتظلّ ثمّة علامة استفهام كبيرة حول من قرّر ارتكاب هذا الحادث في الرمل العالي، ومن افتعله ومن حرّض على القتل.‏

ووسط هذا كلّه، تبقى هنالك أسئلة مشروعة حول الدوافع الكامنة وراء الاستخدام المتكرّر للسلاح والذخيرة الحيّة والقتل الجماعي إشباعاً لنزعة إراقة الدماء، في مواجهة مسيرات، أو اعتصامات، أو احتجاجات تقوم في منطقة الضاحية الجنوبية، أو تكون للشيعة علاقة بها، بينما تستخدم الروية، ويكون رشّ المياه هو السلاح الأمضى والأفضل، وإذا ما اقتضى الأمر الهراوات والعصي والضرب بأعقاب البنادق في مناطق أخرى، ومنها على سبيل المثال، التعامل الهادئ والعادي مع المتظاهرين الذين استباحوا محلة التباريس في الأشرفية في 5 شباط/ فبراير 2006 وعاملوا القوى الأمنية بالشدّة، وانتزعوا أسلحة منها وخرّبوا آليات عسكرية ومدنية، ومتاجر ومنازل، واعتدوا على كرامات الناس، وتدخّل غير طرف من "القوى الشباطية" لمنع التصدّي لهم قبل أنْ يفلت زمام القيادة من أيديهم بداعي "أنّهم منا" على ما صرّح علناً رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وهذا ما استدعى لاحقاً إجبار وزير الداخلية حسن السبع على "الاستقالة الورقية" لتنفيس الاحتقان الذي ولّدته أعمال الشغب والخروج على القانون لدى فئة من اللبنانيين.‏

أما في الضاحية الجنوبية فلا يزال الجميع يتذكّر بدقّة المجزرة التي اقترفت تحت جسر المطار في 13 أيلول/ سبتمبر من العام 1993، واستشهد فيها تسعة مواطنين عزّل كانوا ضمن الجموع الغفيرة التي خرجت في مسيرة سلمية مناهضة "لاتفاق أوسلو"، كما أنّ الجميع لم ينس ما وقع في حي السلّم في شهر نيسان/ أبريل من العام 2004، وأودى بحياة عدد من الشبّان الذين فتحت النيران عليهم عمداً، وأصابتهم الرصاصات القاتلة في رؤوسهم وصدورهم، ما يدلّل على نيّة مسبقة في إيقاع مجزرة. وفي هاتين الحالتين ضاعت التحقيقات الأمنية والقضائية، ومُنعت من الوصول إلى نتيجة حتمية لتذهب دماء المواطنين هدراً من دون الاقتصاص من الفاعلين المعلومين والذين يراد لهم دائماً أن يكونوا مجهولين، ما يسيء إلى مصداقية الدولة في تعاطيها الشفّاف مع مواطنيها، ويؤذي قيام دولة القانون والمؤسّسات العادلة والقادرة.‏

وتبقى الخشية من أن تلتحق جريمة الرمل العالي بمجزرتي جسر المطار وحي السلّم، وتموّه الحقائق إرضاء لهذا أو ذاك، وهو ما يرتّب نتائج غير مرضية لدى الرأي العام عموماً وذوي الشهيدين خصوصاً.‏

علي الموسوي‏

الانتقاد/ محليات ـ العدد 1185 ـ 20 تشرين الاول/ اكتوبر2006‏

2006-10-20