ارشيف من : 2005-2008

برغم كل توصيات ونتائج التحقيقات الجمهور الاسرائيلي لا يعرف سوى حقيقة واحدة: الجيش قد هُزم

برغم كل توصيات ونتائج التحقيقات الجمهور الاسرائيلي لا يعرف سوى حقيقة واحدة: الجيش قد هُزم

مختلف نواحي الكيان، بدءاً من الجانب السياسي المتصل بالمؤسسات الرسمية والمنظومة الحزبية، إلى الوضع الاجتماعي الاقتصادي، وصولا إلى المنظومة الأمنية بما فيها المؤسسة العسكرية، وخاصة انها الطرف المباشر المهزوم في المعركة.‏

في المقابل لا بد من التأكيد انه ما زال من المبكر الاحاطة بكل تداعيات الحرب على لبنان، حتى لو اقتصر حديثنا على مجال محدد دون غيره كالمجال العسكري التي لم يرشح منه حتى الان سوى الاحرف الاولى، وما زلنا في طور تبلور تداعيات الهزيمة على المؤسسة العسكرية، وعليه فإن ما سنتناوله ليس سوى مؤشرات او مفاتيح لبعض نتائج الحرب على هذه المؤسسة.‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

يبدو واضحا من خلال ما رشح عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية من مواقف وخطوات أقدم عليها جنود وكبار الضباط في الجيش، فضلا عن استطلاعات رأي تظهر توجهات الجمهور، ان صورة الجيش الاسرائيلي قد اهتزت اولاً بنظر جنود الجيش انفسهم، وثانياً بنظر الجمهور الاسرائيلي الذي شعر بالاحباط، وبأنه يقف للمرة الاولى منذ العام 1949 مكشوفاً امام اخطار، فشل وعجز جيشه عن معالجتها واجتثاثها.‏

ولعل في ما بعض ما كُشف عن نتائج التحقيق التي تجري داخل المؤسسة العسكرية خير دليل على ذلك، اذ اظهر التقرير ان هناك "اتهامات وانتقادات لاداء قادة الفرق والوحدات. اضافة الى قصور عملياتي نابع من التردد وإعطاء اوامر غير واضحة وتجاهل للتحذيرات...".‏

كما ظهر ان الانتقادات والاتهامات ليست فقط عمودية، من الجنود باتجاه القادة، وانما كانت هناك انتقادات واتهامات افقية عبر ما يُعرف بحرب الجنرالات التي تجلت بشكل واضح في استقالة قائد المنطقة الشمالية، أي القائد المباشر للحرب، اللواء اودي ادم بعدما حُمِّل مسؤولية الفشل، واقالة القائد السابق لسلاح البر يفتاح بن طال بعدما جاهر بالاقرار بالهزيمة التي تعرض لها الجيش، وتحميله رئيس الاركان العامة للجيش دان حالوتس المسؤولية. وأورد تقرير لجنة التحقيق ايضا ان "هناك خلافاً بين هيئة الاركان وقيادة المنطقة الشمالية يتعلق بتسلسل الاحداث في معركتي مارون الراس وبنت جبيل، ففي حين تعتبر هيئة الاركان ان التورط في مارون الراس كان نتيجة للمعركة التي خاضتها وحدة "ماغلان" قبل يوم من ذلك في المحمية الطبيعية التابعة لحزب الله في جبل شاكيد المجاور، يرى ضباط في قيادة المنطقة انه لا توجد علاقة بين الامرين، ويتهمون هيئة الاركان بأنها اصرت بشكل زائد على احتلال بنت جبيل، وهو ما ادى الى وقوع خسائر كبيرة في لواء غولاني".‏

ومن الطبيعي ان تؤدي التوصيات الأولية للتحقيقات حول إدارة المعارك في الحرب إلى موجة جديدة من الاتهامات والانتقادات المتبادلة، وخاصة ان ما بان منها حتى الآن كشف الجيش أمام الجمهور على أن واقعه لا يتلاءم مع الصورة التي يكونها عنه، وأنه كأي مؤسسة من مؤسسات الكيان تملؤه الصراعات الشخصية والتخطيط غير السليم والرؤى الخاطئة... وبالتالي فإن كل محاولات حصر التهم بشخصيات محددة أو أطر أو مستويات محدودة لن تغير من نظرة الجمهور الاسرائيلي، لأن ما يعرفه هو ان الجيش مسؤول عن الهزيمة، وما التفاصيل الاخرى بأن يكون المسؤول سلاح الجو او سلاح البر او قادة الفرق او الالوية او غير ذلك لا يتوقف عندها ولا تهمه. بل يعرف ان هناك قيادة مركزية للجيش مسؤولة عما حصل، وعليها ان تتحمل النتائج والعواقب المترتبة على ذلك. وبأن "اسرائيل" قد هُزمت شر هزيمة برغم الدعم والغطاء الدوليين، والاجماع الداخلي والتفوق التكنولوجي.‏

ولا يخفى ان الهزيمة في لبنان ستؤدي ايضا الى تغيير في النظريات القتالية للجيش، وفي النظرة الى التفوق التكنولوجي ودوره في تحديد مجريات المعارك وحسمها، وينبغي ان لا يُفاجأ القارئ عندما يُقال ان عملية استخلاص العبر وتناول ما جرى في لبنان بأقلام وعلى ألسن الخبراء الاسرائيليين ستستمر لسنوات قادمة، لأن الصدمة التي احدثتها المقاومة كانت غير مسبوقة، وأشد بكثير مما يعتقد البعض.‏

جهاد حيدر‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1185 ـ 20 تشرين الاول/ اكتوبر 2006‏

2006-10-20