ارشيف من : 2005-2008
تحقيقات : مروحين ..الرحلة الاخيرة
التي قضت عليها الطائرات الإسرائيلية في الأيام الأولى لحرب الـ33 يوماً.
في ذلك اليوم كانت سهى قد أيقظت أطفالها من النوم، ووقفت عند عتبة الباب الصدئ ومصطبة البيت المتداعية، تكبت خوفها الطارئ عندما عاد زوجها أبو قاسم من اجتماع صباحي مرتجل عقده رئيس البلدية عند حافة البركة، ليطلب منها الركوب مع الأولاد في صندوق شاحنة "بيك آب" تعود لجارهم، لأن أهل البلد سيتركون بيوتهم وينزحون إلى مقر الكتيبة الهندية على طرف مروحين.
ركضت سهى وأولادها خلفها، كان زوجها محمد يحمل ابنه المقعد مصطفى لأنه لا يستطيع التنقل من دون عكازه. لم تكن سهى تحمل في يدها سوى كيس أسود صغير فيه علبة جبنة ورغيفان من خبز الصاج، وهو كل ما استطاعت جمعه، وكادت ابنتها التي فطمتها قبل أيام تسقط عن خاصرتها. "تعربشت" بالشاحنة وراحت تلتقط أولادها واحدا بعد الآخر، شدت حسين وفاطمة ثم أخذت مصطفى من والده وأقعدته في الزاوية، وكان قاسم الكبير يحاول أن يبدو رجلاً، لذلك كان آخر من قفز إلى الشاحنة، فيما كانت السيارة المكتظة بالأولاد والنساء تغادر مروحين على عجل لطلب الحماية من القوات الدولية، والمبيت مع أصحاب البشرة السمراء الداكنة والعمائم الزرقاء.
في تلك اللحظة كانت القذائف الإسرائيلية تنهمر كالمطر في أطراف البلدة، تحرق الوعر والزيتون ومشاتل التبغ، ومع كل انفجار تشد سهى أطفالها إلى حضنها، تخفف من رجفة الخوف التي تهز أجسادهم الرقيقة، وهي تعتقد أنها ربما ترد بيدها الموت عنهم. لم تمسح دموعهم، لم يكن أمامها متسع من الوقت كي تشرح لهم ماذا يجري، منذ أن سمعت مكبرات الصوت الإسرائيلية القادمة من بلدة طربيخا المحتلة ومستعمرة زرعيت تنذر أهل مروحين بالتيه وبموت لا ريب فيه.
بعد دقائق ثقيلة من الانتظار أمام مقر الكتيبة الهندية خرج جندي داكن البشرة يلف رأسه بعمامة هندوسية زرقاء، ويرتدي بزة عسكرية مختومة بعلم الأمم المتحدة ويحمل رشاشاً، كان خائفاً ومتوتراً، وكأن مصيبة تقترب من موقعه.. وقف خلف العارضة الحديدية التي تتقدم البوابة وطلب من رئيس البلدية حسن غنام وبعض الرجال أن يُنزلوا جميع الركاب إلى الأرض.
في تلك اللحظة نسيت سهى الخوف وشعرت بالأمان لاعتقادها أن الأمم المتحدة ستوفر لهم الملجأ الآمن، وأن المدفعية الإسرائيلية لن تستهدفهم داخل مقر القوات الدولية، لكن سرعان ما تغير لونها ولم تعد قادرة على المشي والانتقال متراً واحداً إلى الأمام. نادت رئيس البلدية بصوت عال إلى ان اقترب منها، ومن دون أن يسمعها أحد عبّرت له عن قلقها من أن يتكرر مشهد مذبحة "قانا" في مروحين، وفي الوقت الذي طمأنها الى أن ذلك لن يحدث أبداً، كاد رئيس البلدية يتجمد في مكانه، وشعر بثقل جسده بعدما عاد عشر سنوات إلى الوراء، وتحديداً إلى العام 1996.
طلب الجندي الهندي من رئيس البلدية تقسيم أفراد الموكب إلى ثلاث مجموعات: الأطفال والنساء والرجال، ودوّن عددهم، فإذا هم 28 فرداً، فطلب منهم الانتظار لإجراء الاتصالات مع القيادة.
للوهلة الأولى كادت الكتيبة الهندية (اليونيفل) توافق لولا حضور أحد الضباط من المراقبين الدوليين (UN) مع مترجم عربي، رفض هذا الضابط استقبال المواطنين في المركز الدولي، وحاول تهدئة مخاوفهم، وأكد لهم ان "اسرائيل لن تعتدي على أحد، اذهبوا واجلسوا في الجامع".
طال الانتظار أكثر من نصف ساعة، ربما تُغير القوات الدولية رأيها، فيما كانت طائرة التجسس الإسرائيلية تحلق دائرياً فوق الموقع الدولي وتقترب تهديدات مكبرات الصوت الإسرائيلية المصحوبة بصوت جنازير ومحركات الدبابات التي احتشدت خلف خط الحدود الأزرق.
انطلق موكب المدنيين نحو مدينة صور، كان أولاد سهى يلتصق بعضهم ببعض، وبعضهم كان يحشر نفسهم في والدته، ويضغط للدخول في حضنها أو الاحتماء تحت إبطها طلباً للأمان، وكان مصطفى لا يزال في زاويته حيث أسندته والدته.
ماتت سهى وزوجها محمد "أبو قاسم" وجميع أولادها ولم يُعثر على جثثهم كاملة، جُمعوا أشلاءً، وكان على أقارب سهى ان يتعرفوا الى الأشلاء!
الذين نجوا على قلّتهم لم يشاهدوا سهى ولا أولادها الخمسة، وأغلب الظن أن الصاروخ نزل عليهم في صندوق الـ"بيك آب" مباشرة. ويحكي هؤلاء حكاية واحدة: ارتفعت السيارات عن الأرض وسقطت مشتعلة، وتطايرت الأجساد وتناثرت أشلاء متفحمة.
ويكمل الرواية أحمد بديع وسمير مهنا من الدفاع المدني بالهيئة الصحية الإسلامية، وكانا أول من وصل إلى المكان: "كان المشهد عنيفاً جداً، لم نجد جثثاً، بل أشلاءً متفحمة كان بعضها لا تزال النار حية فيه، فيما رائحة اللحم البشري المحروق تخنق الأنفاس. بحثنا عن ناجين فوجدنا أربعة جراحهم بالغة وحالتهم خطرة، فانطلقنا في مهمة مستحيلة للوصول بالجرحى إلى المستشفى الحكومي في صور، لأن الطائرات والسفن الحربية والمدفعية كانت تستهدف طريقنا".
ولاحقاً وصلت قوة دولية فانتشلت 13 جثة محترقة كانت تطايرت أشلاءً، وعلقت فوق أغصان شجر الزيتون. ووجد الدكتور علي زين الدين صعوبة في التعرف الى الجثث، أو حتى التمييز بين الضحايا فتياناً أو فتيات لكونها محروقة. وكان على محمود غنام الذي فقد طفلين وزوجة أن يبحث بين الأشلاء ليتعرف الى أشلاء أطفاله.
يقول رئيس البلدية حسن غنام إن "إسرائيل ارتكبت المجزرة عن سابق تصور وتصميم، ولطالما استهدفت البلدة". ويتذكر غنام عندما اقتحمت القوات الإسرائيلية في العام 1956 البلدة وقتلت "نايف حسن المحمود" مختار عرب السنة على فراشه، لأنه "كان معروفاً بمقاومته لـ"إسرائيل". ويتابع:
"مروحين برغم كل ذلك إلى جانب المقاومة وقائدها سماحة السيد حسن نصر الله، وسلاحها".
يقول أهالي مروحين ان الجيش اللبناني وصل إلى بلدتهم بعدما انتظر شهراً في مزرعة أم التوت انسحاب الجيش الإسرائيلي من موقع بلاط، لكن الدولة لم تصل بعد، فالطريق إلى البلدة التي تحتاج منذ زمن الى توسعة باتت اليوم تحتاج إلى اعادة تأهيل كاملة بعدما حفرتها الجرافات والدبابات الإسرائيلية وقطعتها الغارات. ويناشد رئيس البلدية والأهالي الحكومة اللبنانية مساعدتهم في ترميم منازلهم، ويقولون إن "إسرائيل" انسحبت، لكن القنابل العنقودية ما زالت تحتل أرضهم.
وإلى اليوم، وبعد الانسحاب الإسرائيلي من موقع بلاط وانتشار الجيش في مروحين، تجلس والدة الشهيدة سهى غنام أمام بيتها المقابل للبركة تندب ابنتها وأولادها، وتنظر إلى بيت صهرها الشهيد أبي قاسم وتقول:
"أنا لهدّ عمدانك يا هالبيت وطفل صغير ما ضلّ بهالبيت".
قاسم متيرك
الانتقاد/ العدد 1185 ـ 20 تشرين الاول/اكتوبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018