ارشيف من : 2005-2008

التبني الفرنسي لقضية الأرمن: أحلام استعمارية قديمة

التبني الفرنسي لقضية الأرمن: أحلام استعمارية قديمة

مزمن لتركيا التي سبق لها أن احتلت طيلة قرون أجزاءً واسعة من أوروبا وصولاً إلى تهديد الحدود الفرنسية، أم حب فرنسي للأرمن؟‏

لا شك في أن الحرب العالمية الأولى، شأن كل حرب بهذه الضخامة، قد أحاط بها ما لا يُحصى من التعقيدات والملابسات. ولا شك أيضاً في أن الأرمن قد اضطُهدوا كغيرهم وربما أكثر من غيرهم، في ظل المنطق الذي يحكم سلوكيات جميع الامبراطوريات القائمة على الاحتلال والقهر.‏

وربما تكون تركيا قد تخوفت حينها من امبراطوريات الغرب التي كانت تسعى للنفاذ إلى جسم الرجل المريض بذريعة حماية الأقليات التي كان اللبنانيون في طليعة المكتوين بنارها منذ بداية الحكم العثماني.‏

ولكن تركيا اليوم المدفوعة بالحرص على موقعها كعضو أساسي في الحلف الأطلسي وكمرشح يطمح للانخراط في الاتحاد الأوروبي، ليست تركيا الامبراطورية العثمانية، بل تركيا العلمانية المستضيئة منذ أتاتورك بأنوار الجمهورية الفرنسية. وهي تبدي من هذا المنطلق موقفاً يتسم على الأقل بالميل إلى الموادعة والتفاهم.. فقد اقترحت تركيا تشكيل لجنة من المؤرخين الأرمن والأتراك ومن بلدان أخرى لإظهار الحقيقة حول المجازر المرتكبة بحق الأرمن. كما تبدي استعدادها لقبول نتائج تلك الدراسة والتصرف وفق ما تمليه هذه النتائج.‏

والرئيس الأرميني روبرت كوتشاريان نفسه يتخذ موقفاً من القضية أقل تطرفاً بكثير من موقف الرئيس شيراك، فهو لا يرى خطراً في انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي برغم الإبادة أو المجازر، لا سيما من الموقف التركي المنحاز لآذربيجان في خلافها مع أرمينيا حول "قره باخ". كما أنه يرى أن لأرمينيا مصلحة أكيدة في فتح الحدود التي أغلقتها تركيا عام 1993 تضامناً مع آذربيجان. وكل ذلك من شأنه أن يدفع باتجاه انفراج في العلاقات بين الأرمن وتركيا على أساس التحقيق الموضوعي في مشكلة الإبادة.‏

وبدلاً من أن تلتزم فرنسا موقفاً إيجابياً يدفع باتجاه تشجيع المصالحة على أساس عادل، نراها تستنسخ منطق الهولوكوست وتسقطه على المشكلة التركية الأرمنية، مع ما يحمله هذا المنطق من أخطار قد تلحق بقضية الأرمن جراء ما يحيط بالمحرقة اليهودية وبقضية العداء للسامية من تساؤلات وشكوك وإبهامات وتعسفات، خصوصاً من خلال المماهاة المطلقة وغير الصحيحة بين "إسرائيل" وسياساتها العدوانيةمن جهة والقضية اليهودية من جهة أخرى.‏

وبالعودة إلى السؤال حول دوافع فرنسا، تفوح حول الإجابة المعقولة روائح التدخلات الغربية في المنطقة خلال القرن التاسع عشر بهدف تقسيمها إلى مناطق نفوذ. فمشروع أفضى برغم كل التقسيمات والتغييرات في الخرائط وزرع الأجسام الغريبة إلى هذا الواقع الذي جعل الأميركيين يسعون بعد أكثر من قرن على ولادة المشروع التفتيتي البريطاني الفرنسي الفاشل تاريخياً، إلى تفتيت جديد تحت اسم الشرق الأوسط الجديد، مشروع لا يقل تهوراً وفشلاً عن سابقه، مع التنويه بأن فرنسا التي طردت من العراق ثم حرمها الأميركيون والإسرائيليون من حصة في الكعكة الشرق أوسطية، تريد بأي ثمن أن تجد معابر ممكنة إلى المنطقة.‏

لكن اختيارها للخلاف التركي الأرمني شأنه شأن خياراتها الأخرى، لا يشفّ عن كثير من الحصافة، لأسباب في طليعتها الموقف الأميركي المؤيد لتركيا وآذربيجان في خلافاتهما مع الأرمن، والرغبة الأميركية المكشوفة في توريط فرنسا في مشكلات خاسرة سلفاً، خصوصاً إذا ما توصل الأتراك والأرمن إلى حل عن طريق التراضي.‏

ع.ح.‏

2006-10-19