ارشيف من : 2005-2008
السلطة المستأثرة المسؤولة الأولى عن عدم الاستقرار العام في البلاد
الداخلي، وتجري حماية هذه اللازمة برزمة من التهويلات: اندفاع الوضع الأمني نحو هاوية الحرب الأهلية، اندفاع الوضع الاقتصادي والمالي نحو هاوية الانهيار التام.. وكذلك تجري حماية هذه اللازمة برزمة من الإعلانات: الإعلان عن انعقاد باريس، الإعلان عن لقاءات سياسية بين قيادات مركزية، الإعلان عن مواسم من هدايا العيد.. إلخ.
ما يجب فحصه هنا هو هذه اللازمة نفسها، والبحث عن الأسباب الحقيقية لتحويلها أحد المفاتيح المركزية في الخطاب السياسي السلطوي تحديداً.
لا تعدو كلمة الاستقرار أكثر من عملية توهيم للواقع، حيث هناك آلاف الشواهد على أننا نعيش في اللاستقرار المطلق، فأين هو الاستقرار السياسي والانقسام الداخلي على ما هو عليه من الحدة والتناقض؟ وأين هو الاستقرار الاجتماعي وما بين الطوائف والمذاهب والفئات ما بينها من المخاوف والهواجس والتوترات التي أخذت تلامس مؤخراً حدود الصدام؟ وأين هو الاستقرار الاقتصادي ـ الاجتماعي ونحن على ما نحن عليه من مديونية عالية، وتزايد مطّرد في نسبة البطالة، وتدهور مروع في نسبة الناتج الداخلي، وانحدار حادّ في التناقض الطبقي بين أقلية تستأثر بكل شيء وأكثرية ساحقة تعاني من كل شيء، في الوقت الذي تبدو فيه الطبقة الوسطى إلى مزيد من الانحسار، وإلى المزيد من النضال للبقاء حية؟! وأين هو الاستقرار الأمني بدءاً من التهديدات المستمرة للعدو الإسرائيلي، ومروراً بالتفجيرات المتنقلة؟ ويكفي هنا إلقاء نظرة واحدة لحجم القوات الدولية المنتشرة في مياهنا وأجوائنا وأراضينا، لتدرك إدراكاً حاسماً كم هو هش ليس فقط وضعنا الأمني، وإنما أيضاً وضعنا السياسي، وإلا لما احتجنا إلى كل هذا التدخل الخارجي لفرض نوع من الضوابط الخارجية على أوضاعنا المتفجرة. وبعد هذا كله، أيبقى لكلمة استقرار من معنى؟ بالطبع لا.. اذاً ما هي الوظيفة الفعلية لهذه اللازمة اذا ما تجاوزنا الحرص على تزييف الوعي بالواقع كمقدمة ضرورية لفصل الوعي العام عن الواقع، وبما يمهد الطريق للتحكم به وبالواقع معاً؟
في الحقيقة ان الوظيفة المركزية لهذه اللازمة هي حراسة ما هو موجود، وهي المحافظة على "الاستاتيكو" الحالي بدعوى الحفاظ على الاستقرار، وبالتالي قطع الطريق على كل محاولات المعارضة الساعية لإحداث تغيير سياسي بدءاً من إحداث تغيير في الحكومة بما يتيح إعادة تشكيل حكومة وحدة وطنية ترسو على نصاب سياسي ـ وطني متوازن، يلغي حالة الاستئثار والتفرد بالسلطة، ويضع حداً لتمادي قوى السلطة الحالية، ويدافع أولاً لحماية مكابحها الخاصة في وضع البلد نحو المزيد من الوصاية الدولية، بل قل الانتداب الدولي.
ثمة ممر إجباري لبلوغ حالة الاستقرار الداخلي، وهو إعادة النظر جذرياً في التوليفة الحكومية الحالية، اذ من دون إعادة النظر هذه لا يمكن ربط الوضع الاجتماعي بتوزعاته وتوازناته وتوجهاته السياسية المتنوعة بالسلطة، فالسلطة المستقرة هي التي تعكس حقيقة توازنات القوة في المجتمع، وإلا تحولت سلطة فئة لا سلطة عامة، وكل سلطة فئة هي سلطة نابذة وطاردة لغيرها ليس من السلطات، وإنما من القوى الاجتماعية، وهي بالتالي تتحول الى وسيط لفئة اجتماعية بعينها تتحكم من خلالها بباقي الفئات، وتعمل على فرض رؤيتها الخاصة لمصالحها على باقي الأفرقاء. ان سلطة من هذا النوع هي منتجة للانقسام حكماً، ومنتجة للصراع والتناقض حكماً، وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون سلطة توافق او وفاق، وهذا ما يتناقض بدوره مع جوهر الديمقراطية.
ان جوهر الديمقراطية هو عكس الاجتماعي في السياسي، بمعنى آخر ان وظيفة الديمقراطية الأصلية هي ان تشكل مرآة فعلية لحقيقة توزع توازنات القوة والاتجاهات داخل المجتمع. ولأن الديمقراطية بطبيعتها نسبية، فهي لا تلغي الأقلية، وإما تمنحها وزنها الفعلي.
وبكلمة أخرى لا معنى للديمقراطية الرسمية او الفوقية، فإما ان تنبع الديمقراطية من تحت، أي من المجتمع، وإلا تحولت الى وسيلة للتحكم. وهنا تحديداً تكمن فلسفة تداول السلطة، فالتداول هو الفرصة المتاحة للمجتمع لإعادة النظر في قواه السياسية، ولمحاسبة هذه القوى على ما فعلت بغية إعادة تصويب الحضور الاجتماعي في السلطة.
خلاصة القول هنا، اننا اليوم أمام واقع هذه صورته: سلطة رسمية هي من الناحية القانونية تملك الأكثرية داخل المجلس النيابي وداخل الحكومة، وبكلمة واحدة هي تملك شرعية قانونية ودستورية تغطي أكثريتها.
وفي المقابل هناك أكثرية شعبية هي على النقيض تماماً مع الأكثرية الرسمية والقانونية، اذاً هذه الأكثرية الشعبية تمنح قواها قوة المشروعية. يعني المواجهة الآن في لبنان بين الشرعية المشروعية، فكيف يمكن حل هذه الإشكالية؟ لا حل تلفيقيا ممكنا هنا، أي لا يمكن تركيب تسوية تنتج التنازل عن بعض الشرعية لمصلحة بعض المشروعية. ان أي حل من هذا النوع لن يكون أكثر من تسكين موقت وتأجيل للأزمة. الحل الوحيد المنطقي وبموجب روح الديمقراطية وآلياتها الحقة، هو الرجوع الى الناس، فعندما تتصادم الشرعية مع المشروعية لا يصبح للشرعية معنى، إلا المعنى الاستبدادي للقانون، وتصبح مجرد منتج لسلطة جشعة همها التسلط لا ادارة مصالح الناس العامة.
وفي حال كهذه لا بد من العودة الى الناس عبر الانتخابات، ليعاد من خلالها إنتاج شرعية السلطة من قلب المشروعية الشعبية نفسها، ولإعادة اللحمة بالتالي بين الشرعية والمشروعية.. هذا ممر إلزامي، لكن لأن السلطة الفاقدة للمشروعية لا يمكن إيكال مهمة لها من هذا النوع باعتبارها طرفاً غير حيادي، فلا بد من اجراء اولي هو اعادة النظر في مكونها، بما يتيح تحويلها الى طرف مؤهل لإنتاج سلطة شرعية ومشروعة في آن.
وفي هذا السياق يبدو مفهوماً تماماً ليس فقط طبيعة الخلافات التي تحكم قوى السلطة الرسمية بقوى السلطة المشروعة والشعبية، وإنما ايضاً لماذا هذا الإلحاح على مطلب حكومة الوحدة الوطنية، فسن قانون عادل للانتخابات، فإجراء انتخابات نيابية، فانتخابات رئاسية؟.. هذا التسلسل ليس سياسياً فحسب، وإنما هو تسلسل يراد له العبور نحو الاستقرار الفعلي وتحصين السلطة بالمشروعية الوطنية والشعبية، ما يفتح الطريق أمام توكيد معاني الحرية والسيادة والاستقلال، وذلك على النقيض تماماً من مواقع السلطة الاستئثارية الفاقدة للمشروعية التي لكي تعيد التوازن الى نفسها في مواجهة المجتمع، تلجأ دائماً الى الخارج وترهن إرادتها له.
كما أن ما تقدم هو مفتاح الاستقرار السياسي الذي هو بدوره مفتاح الاستقرار الأمني، اللذين من دونهما لا معنى لأي معالجة اقتصادية ومالية واجتماعية.
ان ما تقدم ملح الى أقصى الدرجات في ظل المناخ الإقليمي والدولي المتفجر والمفخخ بأكثر من عبوة، والمفتوح على أكثر من حرب.
من هنا أيضاً، لم تعد محاولات التدليس والنفاق السياسي وشراء الوقت تفيد، فإما ان يذهب الجميع الى مواجهة الحقيقة مجتمعين، وإلا فليتحمل كل طرف مسؤوليته بالكامل.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1185 ـ 20 تشرين الاول/ اكتوبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018