ارشيف من : 2005-2008

زهراء عيناتا: رأت الموت آتياً نحوها، فاستقبلته بالوصية

زهراء عيناتا: رأت الموت آتياً نحوها، فاستقبلته بالوصية

شيء رأته في حياتها القصيرة من قبل، أدركت في تلك اللحظة أن ملاك الموت سيخطف روحها برفق، وتمنت ان يفعل ذلك قبل ان ترمي الطائرة المغيرة صواريخها فوق منزل أبو أحمد في عيناتا، تركت زهراء ملاك الموت ينتظر حصول الغارة بعيون دامعة، وجلست في الزاوية تكتب وصيتها حتى آخر حرف، ثم نامت على ركبة والدتها المنشغلة بدعاء التوسل إلى الله، كما كانت تفعل وهي طفلة.‏

نامت بنفس مطمئنة على ترتيل آيات من القرآن الكريم تردده الشفاه ذابلة في غرفة لا تشبه الملاجئ سوى أنها تحت مستوى الأرض. كانت تعلم أنها ستنتقل بعد قليل إلى رحمته تعالى، كما قالت في وصيتها التي عثروا عليها في ثوبها الشرعي.‏

فرق الإنقاذ والأهالي الذين وصلوا إلى عيناتا في صباح اليوم الأول بعد دقائق على سريان وقف الأعمال العدوانية الإسرائيلية، عثروا تحت أنقاض أحد المنازل مقابل الحسينية على جثة زهراء فضل الله (17 عاماً)، ووالدتها أم كريم، وزوجة شقيقها أمير، وفي حضنها طفلها الوحيد والمدلل خضر (3 سنوات).‏

لم يكن أبو كريم فضل الله يدرك وهو يراقب بقلب محروق انتشال الأحبة، أن هذه الغرفة التي نقلهم إليها قبل أيام ستتحول إلى قبر لزوجته ولابنته زهراء وزوجة ابنه وطفلها. وحتى عندما انقطع الاتصال بينهم لم يكن يتوقع موتهم، كان يعتقد أنهم نزحوا إلى مكان آمن. فهو الذي رفض النصائح بمغادرة منزله المستهدف، لكنه، وعلى الرغم من الغارات ظل يتفقدهم يومياً حتى اليوم الرابع عشر على العدوان عندما منعه القصف "النازل متل الشتا" على الضيعة من الوصول إلى حي الحسينية، يومها هدمت "إسرائيل" "نص عيناتا" تمهيداً لاحتلالها بالدبابات ظناً منها أنها تمكنت من القضاء على المقاومة فيها.‏

لا يعرف أبو كريم كيف تجاوز أنقاض البيوت، مستغلاً يوم الهدنة، ووقف ينادي زوجته، وابنته زهراء "يا بيي يا زهراء، يا أم كريم، يا جدي يا خضر". كرر النداء حتى اختنق صوته من البكاء والغبار، وأنهكه التعب وهو يقلب الحجارة ويبحث عن منفذ للغرفة. بعض الذين كانوا يفرون قالوا له "نحنا شفناهم هربوا، يالله اهرب". ونزولاً عند رغبة الرجال، غادر أبو كريم عيناتا وعقله مشغول "والأفكار تأخذه وتجيبه"، فيما كان دوي القصف المدفعي المتقطع ينال من البيوت الباقية، وطائرات الاستطلاع تكاد تجن من التحليق بحثاً عن مقاومة لا تموت.‏

بعض النساء الذين جهزوا "زهراء" إلى مثواها الأخير، وجدوا محفظتها في "جيبة ثوبها"، وعثروا بداخلها على أوراق كثيرة منها وصيتها التي كتبتها في تلك الليلة بعدما رأت الموت مقبلاً نحوها.‏

لم تذكر زهراء تاريخ كتابة الوصية ولا يومياتها في الملجأ، لكنها كتبت بلغة الشهداء، وأبجدية الجنة وبلاغة الرؤيا، وفصاحة الإيمان "أن الموت آت آت"، وبات قريباً جداً منها. جلست "تنتظر لحظة الاستشهاد" بالتسليم الرباني، فموعدها مع الملكوت الأعلى بات قاب قوسين أو أدنى، ربما أدركت وهي تواجه سكرات الموت ان جسدها يمنع روحها من الصعود إلى ربها بسرعة العشق المتفجر في قلبها، لذلك تمنت "ان يتمزق جسدها إلى أشلاء".‏

كأن زهراء رأت ما وعد الله به الشهداء، "رأت شيئاً عظيماً لا يستطيع أي إنسان وصفه"، وقبل أن تختم وصيتها التي افتتحتها بـ"باسم الله قاسم الجبارين"، طلبت من كل من يعرفها المسامحة وخصوصاً والدتها ووالدها، ووقّعت الوصية باسم اختارته لنفسها وهو "كربلاء".‏

لا أحد يعرف، ما الذي جرى مع زهراء قبل انتقالها إلى مراتب العظماء؟ وكيف تمكنت في الليل، داخل غرفة مظلمة يتهددها الطيران الإسرائيلي بالتدمير من كتابة وصيتها؟ لا أحد يعرف، من استشهد قبل الآخر، زهراء أم شقيقها أمير الذي انضم إلى رجال المقاومة، وشارك في صيد الدبابات الإسرائيلية وهي تحاول الدخول إلى عيناتا وبنت جبيل؟‏

لا توجد إجابات شافية عند أبو كريم، ولا عند رجاء شقيقة زهراء التي لا تزال إلى اليوم تجمع أخبار عائلتها الفقيدة من أهل الضيعة، من الذين صمدوا حتى يوم الهدنة. فالخبر الأكيد هو أن "أمير" ترك زوجته وابنه الوحيد خضر مع والدته وأخته زهراء، وتوجه إلى مربع الصمود ولم يعد إلا شهيداً. ومن الصعب الجزم ما إذا كان "أمير" عرف باستشهاد زوجته وطفله، أو العكس.‏

بعض الذين نصحوا "أم كريم" بمغادرة الضيعة قبل الهدنة بيومين أو ثلاثة، والنزوح إلى بلدة رميش المجاورة مشياً على الأقدام، قالوا إنها رفضت أن ترفع راية بيضاء حتى وهي تسير إلى نجاتها، وكانت تسأل أهل النصيحة: "بأي عين بدكن ترجعوا حاملين الرايات الصفرا منتصرين"، في تلك اللحظة خيرت زهراء نفسها بين أمرين، وسمعوها تقول "نموت في عيناتا ولا نستسلم"، وعادوا إلى غرفتهم يحتمون من الغارات ويعالجون جريحاً لجأ إليهم.‏

خلال الحرب، وخصوصاً في الأيام الخمسة الأولى، انتقلت زهراء مع والدتها من بيت إلى بيت، بعدما كانت الطائرات تدمر كل منزل يلجأون إليه، كانت مع والدتها تعجن الطحين وتخبز في النهار، ويوزعن الخبز على الجيران في الليل، وتحرص زهراء على وصول خبزها للمجاهدين في مواقعهم، تعلمن كيف يضللن الطائرة، ويتجولن حتى أثناء القصف. وفي آخر اتصال هاتفي أجرته زهراء مع شقيقتها رجاء في بيروت قبل انقطاع الخطوط الهاتفية أكدت لها انها "مش خايفة، لأن الشباب ناطرينهم، بس بدي اطّمن على الكبير (تقصد سماحة السيد نصر الله)، نحن مش عما نسمع الأخبار"، فردت رجاء "هدوا بيته، وبناية شغله، بس هو بخير، وكمان دمروا بارجة اسرائيلية بالبحر مقابل بيروت".‏

قبل 12 تموز كانت زهراء تستعد للانتقال إلى بيت الزوجية. حددت منتصف أيلول موعداً للعرس، ووعدها خطيبها "فادي" الذي يتابع تخصصه في الفندقية بعرس "ما شافت عيناتا مثله". واختارت بنفسها أثاث البيت، غرفة النوم، الصالون، البراد، ووضبت جهازها وأغراضها، ولم تنس لعبتها المفضلة، وصديقة طفولتها، وحافظة أسرارها التي اشترتها لها والدتها قبل عشر سنوات من سوق بنت جبيل، ووعدت زهراء لعبتها في خلوة بينهما ان تعرفها على ابنتها "بس اكبر وإتزوج".‏

ولدت زهراء في عيناتا وعاشت فيها طفولتها، لم تغادرها إلا للمشاركة إلى جانب والدتها في تشييع جثمان شقيقها أحمد الذي استشهد عام 1999 وهو يستعد لاقتحام موقع حداثا، في ذلك اليوم لم تكن زهراء ابنة السادسة من عمرها تدرك معاني الشهادة، ولم تكن تعرف الكثير عن أحمد الذي أجبره الاحتلال الإسرائيلي والمتعاملون معه على ترك البلدة.‏

عندما عادت زهراء إلى عيناتا، بعد أيام على دفن شقيقها الشهيد أحمد، لجأت في ليلة حزينة إلى بيت الجيران بعدما اقتحمت قوات الاحتلال بيتها، واقتادت والدتها إلى معتقل الخيام ووالدها إلى مركز الـ17 في صف الهوا. بكت تلك الليلة، فهذه كانت هي المرة الأولى التي تنام فيها بعيدة عن حضن والدتها الحنونة، وشكلت هذه الحادثة منعطفاً في حياة زهراء، التي بدأت تميز جيداً بين الاحتلال والمقاومة.‏

بعد التحرير، في أيار من العام 2000، ولدت زهراء من جديد، التقت العائلة تحت العريشة أمام البيت في عيناتا، وكان الشهيد أحمد أول العائدين إلى البيت، وضعت له أم كريم صورة كبيرة في الصالون، ووزعت صوراً صغيرة في كل البيت "حتى يضل أمام عينها". انضمت زهراء إلى كشافة الإمام المهدي(ع)، وصارت صبية تشارك في المناسبات، مجالس العزاء "أخذ الخاطر بالحسينية"، دعاء كميل.‏

لم تنبش "رجاء" كل ذكريات الشهيدة زهراء، لكن بعض الصور تحكي عن بنت صغيرة وحلوة، ودلوعة أمها لأنها "آخر العنقود"، كبرت بين يوم وليلة، كانت تحب الأرض والناس ووالدها وأمها وأخوتها، ومن بين الصور، صورة لعقد قرانها، تقف فيها إلى جانب خطيبها فادي مع سماحة السيد نصر الله، "الذي كتب كتابها على فادي"، وفي صورة نادرة بعد التحرير ارتدت ثياباً عسكرية وحملت رشاشاً كدليل على حبها الكبير للمقاومة. بدت في كل مراحل حياتها متحمسة جداً، وعاتبة أيضاً على احتكار الشباب للشهادة، وهي ذكرت ذلك في وصيتها، وتمنت إفساح المجال أمام الفتيات للاستشهاد.‏

تعرفت الى فادي قبل سنتين من الحرب، كان يتردد إلى منزل أهلها في الضيعة عندما أعجبته، وهي تساعد والدتها في زراعة وشك الدخان. ووجدت أختها رجاء في محفظتها التي نبشتها بعد شهر على الدفن عبارة كتبتها زهراء إلى فادي على ورقة اقتطعتها من دفتر الحساب تعترف فيها بحبها الصادق "فادي بدي قول شغلي صغيرة، ولكن معناها كبير: أنا بحبك مهما صار، ورح يصير".‏

وجدت رجاء في محفظة زهراء أيضاً إلى جانب الوصية وصورة فادي، مفتاح بيتها التي كانت ستنتقل إليه في أيلول، وصورة "للسيد حسن، وابنه الشهيد السيد هادي"، وصوراً أخرى "للسيد عباس الموسوي"، ولشقيقها الشهيد أحمد، كما وجدت دعاء الجوشن الكبير وزيارة أهل الايمان والحصن الحصين، ودعاء الوحدة، وإخراج قيد عائلياً وبطاقة صحية، وكانت لا تزال تحتفظ بمنشور اسرائيلي يتوعد أهل عيناتا بالموت والدمار، ويطلب منهم اخلاء الضيعة فوراً. كما وجدت رجاء بين كل هذه الأوراق قصيدة كان قد كتبها لها قبل سنة، بخط اليد، عمها الشاعر علي فضل الله بعنوان: "زهراء يا كوكباً في السما".‏

قاسم متيرك‏

الانتقاد/ العدد 1187 ـ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-06