ارشيف من : 2005-2008
تحقيقات:أنزل العدو جنوده في سهلها وأعادهم أشلاء
وترحل بأنها لن تنساها من عطايا الانماء، ولكن لا شيء يستحق الانتظار، فالحرمان بات في هذه البلدات صفة لازمة لا تفارقها..
تلك قرى غربي بعلبك الحانية على صنين، بين صخورها تجد العنفوان قد نما وسال في عروق أهلها وشبابها صلابة حولت زنودهم الى سيوف أعطتها قضية الوطن عزيمة لا تقهر، ومن خضرة سنديانها دمست أخلاقهم غفوا في حضن الجبل لا خوفاً ولا هرباً انما حنواً عليه فعقلوا اجسادهم بقوة الصخر وعقولهم بصفاء الطبيعة، وسموا فوق الانماء المسروق من قراهم عنوة ليحفظوا وطناً بات السارقون له أكثر من ان يحصوا… لا مواقع للمقاومة فتقصف ولا مرابض فتدمر، ولا قوافل سلاح فتطارد.. لكن الملاحقة بأعتى انواع الأسلحة كانت لقلوب أهل هذه القرى المنتشرة على حد الشفق الغربي التي باتت مسكناً ومواقع للمقاومة تحرسها ضلوعهم وعظامهم، حتى صارت مرابض لصواريخ وأسلحة في الحناجر والعقول والعروق..
من شمسطار الى طاريا فبوداي تتربع المقاومة على عرش القلوب وفي زنود الشباب، فلا يقوى العدو على الاقتراب حتى اذا سولت له نفسه ذلك كان الرصاص له بالمرصاد فيحول قوته الى وهم متبدد في السهل، هو كذلك كان في الوعد الصادق حين عاد العدو ببقايا جنوده الذين انزلهم قرب بوداي بحثاً عن انتصار يغسل عار هزيمته. في هذا التحقيق زارت "الانتقاد" قرى غربي بعلبك التي كان لها موقف الصمود والمقاومة في وجه العدوان الصهيوني الأخير ضد لبنان:
شمسطار عاصمة قرى غربي بعلبك كانت مع قراها مستعدة في بداية العدوان لاحتضان النازحين الذين بلغوا الآلاف، إلا أنها باتت مع كل القرى المحيطة هدفاً من بيوتها الى سياراتها فالشاحنات، مسؤول لجنة الإغاثة في غربي بعلبك علي غصن قال لـ"الانتقاد": "قمنا في البداية بالإعداد لاستقبال المهجرين دون ان نحسب ان العدوان سيكون بهذه الشمولية، وحضرنا المدارس لاستقبال الناس، ففوجئنا بأن أهل هذه المنطقة فتحوا بيوتهم واستقبلوا المهجرين مع عوائلهم لذا لم نحتج لأي مدرسة.
وكان المهجرون الذين أتوا إلى المنطقة هم من سكان المنطقة القاطنين في بيروت، ومهجرين من الضاحية والجنوب، وقد وصل عدد الذين استقبلوا في غربي بعلبك الى نحو عشرة آلاف مهجر.
واشار الى ان "اللجنة قامت على الفور بجمع المساعدات لتوزيعها على الناس، وقد شارك فيها كل القادرين من مؤسسات ومتمولين وأهالٍ بادروا إلى تقديم العون".
وشملت التقديمات للاهالي "تقديمات صحية مجانية بلغت ثمانية آلاف خدمة صحية".
وعن الاعتداءات قال ان "الغارات استهدفت بلدات شمسطار التي دمر فيها اثنتا عشرة وحدة سكنية، والقليلة أربع وحدات، وطاريا أربع وحدات، وسهل السعيدة وبوداي وحدتان سكنيتان، فيكون المجموع تدميراً كاملاً لأربع وعشرين وحدة سكنية، وتدميراً جزئياً، وتصدع حوالى ستين وحدة سكنية، ولحقت اضرار جزئية بثلاثمئة وحدة سكنية بينها حسينية، وقد أدت هذه الغارات إلى استشهاد ستة مواطنين واصابة اربعين آخرين بجراح، بينما ارتفع للمقاومة الاسلامية ثلاثة شهداء في المواجهات".
وأضاف: "ان اللافت في هذه الحرب ان كل الناس كانت تشعر بمسؤوليتها وتحاول ان تقوم بواجبها وتثبت مشاركتها ولو بالقليل ليكون لها شراكة في المقاومة والانتصار".
المواطن عبدو غصن قال: "لم نكن نحسب ان العدو سيطال بلدتنا بإجرامه وليس لأننا لا علاقة لنا، بل لأننا لسنا في بلدة مواجهة، لكن استهداف الصهاينة لبلدتنا قلص المسافات وأحضر المواجهة الينا، فكان لنا شرف المشاركة بالألم والتحمل". وأضاف: "ما حصل في بلدتنا هو جزء بسيط مما حصل في الجنوب أو الضاحية أو بعلبك، وكنا موطّنين النفس على أن كل الخسائر المادية مهما بلغت لا تعنينا ولا تؤثر فينا، المهم أن لا يحقق العدو أهدافه، وهذا ما حصل والحمد لله بفضل الاخلاص لدى القيادة الحكيمة للسيد نصر الله والالتزام العقائدي لمجاهدي المقاومة الواثقين بنصر الله".
الطفلة حوراء تقول انها برغم الخوف الذي عاشته ايام العدوان لكنها عاشت تجربة فريدة في مشاهدتها ما حصل من همجية ستبقى راسخة في ذهنها طيلة العمر، وقد تأكدت بأن هذا العدو لا اخلاق له ولا مبادئ، فأغلب أهدافه أطفال ومدنيون، وأيضاً فقد تعرفت الى صديقة جديدة من أقاصي الجنوب تبادلنا قصصاً عن الصهاينة والمجازر وبطولة المقاومة، وكنا ندعو للمجاهدين وقائدهم كل يوم بالنصر والسلامة، وعرفت ان الاحتلال والعدوان مهما طال فإنه سيزول ويبقى الوطن لأهله".
ويقول المواطن حسن سماقة انه "منذ بدأ العدوان قررنا عدم ترك القرية ولا البيت لأننا اعتبرنا أن تركنا لمنازلنا هو هدف من أهداف العدو، ولئن أخرج الأطفال والنساء إلى أماكن أكثر أمناً إلا أننا بقينا لنكون شركاء بالصمود والمساهمة بإيواء نازحين أو إنقاذ جرحى ومصابين أو استعداد لمواجهة أي اعتداء لو حاول العدو النزول إلى الأرض". وأضاف كانت تجربة جميلة على مرارتها وقساوتها لأنها أظهرت كم أن الناس متعلقون بالمقاومة، غير آبهين بأية خسائر أو تضحيات في سبيل الحفاظ على الكرامة والعزة للوصول إلى النتيجة الالهية الموعودة بنصر عزيز ومددٍ والحمد لله".
ولم تكن بلدة طاريا بمنأى عن العدوان الصهيوني الذي أغار على عدد من بيوتها، ودمر بعض الشاحنات المخصصة للتبريد فيها لا لشيء الا لأنه فقد السيطرة على نفسه، وضاع حين عرف ان كل الناس قلبها للمقاومة، وكل ما يقصفه من أهداف محتملة ليس سوى أهداف مدنية وبيوت سكنية.
وفي مكان ناءٍ من جرودها أنزل العدو جنوده ومظلييه لعلّه يظفر بمجاهدٍ من المقاومة الاسلامية أو يحصل على معلومات قد تقلل من أخطائه، فلم يتمكن سوى من راعٍ من آل حمية كان يحرس قطيعه في الجرود ويرعاه ليسطوا على بضعة رؤوس من الأغنام ويختطفوه معهم إلى داخل الكيان الصهيوني لعلهم يستفيدون منه بمعلومة، ما وقد أخذوها فعلاً حين نطق بعفوية وصدق تريدون ان أدلكم على عناصر حزب الله؟ سأدلكم، فكل البيوت وكل الناس رجالاً وأطفالاً ونساءً هم حزب الله..
مرة جديدة يفشل العدو في تحقيق أي تقدم معلوماتي او عسكري فيكثف قصفه التدميري على طريق حدث بعلبك ـ عيون السيمان ليقطعها ظناً ان في ذلك ارباكا للمقاومة او اخافة للاهالي، الا ان ذلك لم يكن ليغير شيئاً في المعادلة التي لم يتمكن من فك رموزها كيف؟ وأين؟ ومتى؟
علي شداد رأى أن "هذا العدوان قد جلى أبصار بعض المتخوفين والموهومين، وأثبت ان الصهاينة فزاعة لم تعد تخيف حتى العصافير، وكلما كان يزداد القصف كنا ندرك أن النصر بات قريباً.. وتأكدنا من ذلك بعد أن أكد سماحة الأمين العام السيد حسن نصر الله حفظه المولى أن النصر آت آت آت.. بإذن الله وهذا ما حصل بالفعل..".
بلدات مجدلون والعلاق والطريق الذي يربط بعلبك بالسلسلة الغربية وقراها اليمونة والدار الواسعة وبوداي وكفردان وبيت مشيك والسعيدة وغيرها كانت هدفاً متكرراً لإغارات الطائرات الصهيونية التي امطرته على دفعات يومية وعشرات الغارات لمنع حركة الناس والتضييق عليهم، الا ان ذلك ايضاً ارتد عليه صبراً وتشبثاً وتأكيداً من اهل المقاومة على مساندتها والثبات على نهجها المسدد بحكمة القيادة وعزم المجاهدين ودماء الشهداء.
أبو فياض خير الدين يلاقينا بحماسة ويرحب بنا على طريقته: "الله نصره، الله معه هذا القائد العظيم البطل والسيد الحسيني، معركته كانت معركة الحسين في كربلاء، وأنا من خلال تجربتي في الحياة وقد مرّ عليّ الكثير من الحركات والحروب كنت متأكداً من نصر الله له لأنه كان صادقاً، وعمل بالشرط والشروط حيث نصر الله حتماً، والله يقول: ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم..".
في آخر سكرات هزيمته المرة حاول العدو اصلاح صورته لعلها تعيد الحياة لجيشه، فأنزل جنوده في الجرود الواقعة في اعلى السلسلة الغربية، ونزلوا الى السهل قرب بلدة بوداي ليجدوه سداً منيعاً في وجههم، بعدما انتظرهم رجال المقاومة الاسلامية، فأعادوهم خائبين محملين بعار الهزيمة وذل الفشل، وقد تركوا خلفهم ما يشير الى ان هنا في بقاع المقاومة ختم العدو سجل هزائمه في حرب الصيف 2006.
تحقيق وتصوير: عصام البستاني
الانتقاد/العدد 1187 ـ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018