ارشيف من : 2005-2008

العيد في الخيام عيدان: ألعاب ومراجيح على أنقاض المنازل

العيد في الخيام عيدان: ألعاب ومراجيح على أنقاض المنازل

التي بدت على أشدها على مدى شهرين، حتى بات زائر البلدة اليوم يحاول التنقيب عن آثار الدمار الذي بدأت معالمه بالاختفاء في ظل اقتراب إطلاق ورشة الإعمار.‏

أتى العيد على عجل، والخيام الجريحة لم ترتدِ ثوبها الجديد بعد، ظننتها تردد مع القائل: "بأي حالٍ عدت يا عيدُ".. لم أرتدِ لباسي الذي يتلاءم مع المناسبة السعيدة، فأنا زائر للخيام مواسياً هذه المرة. أجل.. على هذا الأساس توجهت الى بلدة الألف منزل مدمر ومتضرر.‏

خلت نفسي مخطئاً في عنوان البلدة التي حفظتها عن ظهر قلب، بلى إنها ساحة الخيام، لكن العيد يبدو أنه يبدأ من هنا! تمنيت أن يكون العيد في قريتي هكذا..‏

إنه عرس نعم!! على غرار العرس الذي شهدته البلدة في العام ألفين، لكن من يحييه هذه المرة هم أطفال وجيل البلدة القادم.. قال لي أحدهم: لمَ أنت متفاجىء؟ أو لسنا نحن من يحق لنا أن نعيّد وقد حققنا نصراً على "إسرائيل"؟ نعم هنا حلاوة العيد، لقد تغلب هؤلاء على مآسيهم ومعاناتهم وأثبتوا أنهم لم ينكسروا أمام مئات الغارات وآلاف القذاف، وهذا ما أراد أطفال البلدة قوله للآخرين من خلال جولة احتفالية بالعيد على معظم الأحياء المدمرة، وإقامة ألعاب ومراجيح على أطلال بعض المنازل التي دمرتها طائرات العدو. ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن الفرح كان كرمس الألعاب الذي أقيم في ساحة البلدة، وسُمي بكرمس "الوعد الصادق".‏

المشهد لم ينتهِ بعد، فهناك من يودّ قول شيء آخر، إنه أبو علي قبيسي وعائلته، الذي دُمر مسكنه المؤلف من ثلاث طبقات، إضافة الى محالّ كانت تُستخدم لغسيل السيارات. أبو علي لم يغير شيئاً من نمط حياته، فالمسكن في مكانه وكذلك العمل، أزيل ركام المنزل واستُبدل بخيمة اتخذها مأوى له وللعائلة.. أبى المغادرة برغم أنه حصل على تعويض يمكّنه من استئجار منزل، لكن تحديه لرغبة العدو في الابتعاد عن أرضه دعته الى البقاء فيها ولو بخيمة.. العيد هنا أيضا كان له مذاق آخر، حيث كان زوار العيد أكثر ممن لم يعرفوا أبا علي من قبل، لكن رغبة العديد منهم بملامسة طبيعة الحياة في الخيمة دعتهم لزيارته وتقديم التهنئة له ومواساته ولو نصف ساعة، فكانت حرارة الاستقبال بحجم معنى المكان والزمان، ولم تكن الحلوى وحدها ما أسرّ قلب الضيوف، بل جاء موقف أبي علي ليؤكد ما قاله الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن الصامدين، بأنهم "أشرف الناس" حين قال أبو علي: "لا إسرائيل ولا أميركا تستطيع أن تزحزحنا عن أرضنا، لو بقينا بالعراء، وهذه الخيمة ما هي إلا رسالة تؤكد تشبثنا بأرضنا مهما كانت المعاناة". خيمة الخيام نموذج عن عشراتٍ تتوزع في ثنايا قرى الجنوب الوفي، وقبل أن أعود أدراجي بعد أن ذقت طعم عيدٍ آخر، وقفت على باب إحدى الخيم المنصوبة قرب منزل مدمر، لفتني انشقاق في التربة الطرية وقد اخترقه عرقٌ أخضرٌ صغير متوّج بوردة صفراء تشمخ إلى أعلى.‏

علي شعيب‏

الانتقاد/ مناطق/ العدد1187 ـ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-06