ارشيف من : 2005-2008

المأزق الاميركي في العراق... أخطاء تتبعها أخطاء!

المأزق الاميركي في العراق... أخطاء تتبعها أخطاء!

بينها، اصبحت القوات الاميركية نتيجة لضخامتها، تتلقى خسائر فظيعة لكنها اصغر من ان تتمكن من تحقيق استقرار البلد".‏

هكذا يقول الكاتب الاميركي بول كروغمان في مقال بصحيفة الشرق الاوسط اللندنية (1/11/2006) تحت عنوان "فشل ونجاح في العراق وأفغانستان".‏

ومثل كروغمان هناك كتاب وسياسيون كثيرون في الولايات المتحدة الاميركية ودول غربية وشرق اوسطية وفي العراق ايضا، يقولون نفس الشيء، وإن كان بتعابير وصيغ مختلفة.‏

وقد تكون قضية الجندي الاميركي من اصول عراقية الذي اختطف في حي الكرادة في الجانب الشرقي (الرصافة) من العاصمة بغداد عشية عيد الفطر المبارك كافية للتدليل على ارتباك وتخبط اميركي واضح في التعاطي مع الوقائع على الارض.‏

وقصة الجندي الاميركي المختطف باختصار هي ان ذلك الجندي كان قد غادر المنطقة الخضراء بملابس مدنية متوجها الى منزل اقربائه في حي الكرادة، وهناك اختفى ولم يعثر له على اثر، فما كان من القوات الاميركية الا ان تستنفر جزءا كبيرا من امكانياتها للبحث عن الجندي، واتخذت اجراءات امنية مشددة تمثلت بإغلاق شبه كامل لمداخل الحي ومخارجه من كل الجهات ومحاصرة مدينة الصدر (شمال شرقي العاصمة)، وتنفيذ عمليات عسكرية بالاسلحة الارضية والجوية في بعض قطاعاتها الى جانب تطويق واغلاق مناطق اخرى.‏

بيد ان كل تلك الاجراءات لم تثمر عن نتيجة ايجابية تذكر سوى تزايد مستويات الاحتقان والغضب الشعبي والجماهيري ضد الحكومة والقوات الاميركية، الامر الذي دفع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الى ان يتحدث بصراحة ويتهم القوات الاميركية بعرقلة عمل القوات العراقية، ملقيا الكرة في ملعب الادارة الاميركية التي ادركت ان الامور تنزلق الى اتجاهات خطيرة في غير مصلحتها، ما دفع بالرئيس الاميركي جورج بوش الى دعوة المالكي للقاء قمة تلفزيوني عبر الاقمار الصناعية دام زهاء الساعة، افضى الى الاتفاق على جملة مسائل لمعالجة الموقف المتأزم.‏

وتنقل مصادر مطلعة مقربة من مراكز القرار السياسي في بغداد قولها ان قضية الجندي الاميركي والطريقة التي تم فيها التعاطي معها من قبل القوات الاميركية في العراق قوبلت باستياء وغضب في مراكز القرار بواشنطن، ولا سيما انها يمكن ان تضعف موقف الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المزمع اجراؤها بعد ايام قلائل.‏

فضلا عن ذلك رأت أوساط في قرار رئيس الوزراء العراقي برفع الحصار عن مدينة الصدر وازالة كل الحواجز حتى وان تم ذلك بتنسيق مع الجانب الاميركي فإنه يعني ان المالكي قرر اتخاذ خطوات واجراءات حازمة وسريعة من شأنها تعزيز شعبيته ورصيده السياسي الذي بدا في الاونة الاخيرة انه ينحسر، واظهار انه قادر على الامساك بزمام المبادرة واحراج الاميركيين.‏

وأغلب الظن انه تعمد التصريح بأنه "ليس رجل اميركا في العراق" كرسالة واضحة في دلالاتها موجهة الى اكثر من طرف وليس للاميركيين فقط.‏

هذه التجاذبات التي اثير بعضها ـ او معظمها ـ من واشنطن ساهمت في تعميق المأزق الاميركي في العراق، الذي بدا ان ارتفاع ارقام القتلى من الجنود الاميركيين خلال الشهر الماضي كان ابرز مؤشراته الخطيرة والمقلقة في الدوائر السياسية بواشنطن، وخصوصا اوساط الحزب الجمهوري الحاكم، وكذلك لدى اوساط الرأي العام الاميركي بشتى اتجاهاته.‏

فالاحصائية الأخيرة التي تداولت وسائل اعلام اميركية عديدة بعض ارقامها حول اعداد القتلى في صفوف قوات الاحتلال الاميركي لم تمر مرور الكرام، ولا سيما انها جاءت متزامنة مع دعوات من هنا وهناك بالتسريع بانسحاب القوات الاميركية من العراق لئلا يتكرر سيناريو حرب فيتنام بعد اكثر من ثلاثين عاما.‏

وقد لوحظ ان عمليات المقاومة في بعض المناطق قد حصدت ارواح اعداد غير قليلة من قوات الاحتلال، وهذا هو ما دفع تلك القوات الى الرد بعنف، وبالتالي توسيع مساحات الرفض والتذمر حيال اساليبها وسياساتها الخاطئة والمتهورة، ناهيك عن عملياتها العسكرية التي تطال المناطق المدنية وتطيح بأرواح الكثير من المدنيين الابرياء بحجة ملاحقة عناصر ضالعة بـ"الإرهاب".‏

ويذهب محللون سياسيون عراقيون وغير عراقيين الى القول "ان قليلين هم اولئك الذين يشكون في ان الادارة الاميركية تعيش مأزقا عسكريا وسياسيا في العراق. على المستوى الاميركي المحلي، انخفضت شعبية بوش الى ادنى مستوى لها منذ توليه مقاليد الرئاسة. والنقاش الذي يسود الان في الاوساط السياسية والإستراتيجية والاكاديمية الاميركية لم يعد يدور حول منافع الحرب مع او ضد او في العراق، وانما حول طريقة، او افضل الطرق، للخروج، او الهروب، من المأزق العراقي".‏

ويضيفون "صحيح ان الكونغرس رفض مقترحات بجدولة انسحاب القوات العسكرية من العراق، لكن هذا لم يحل المشكلة، ونحن على ابواب الانتخابات النصفية التشريعية الاميركية. وسبب هذا هو التدهور المستمر في الاوضاع العامة في العراق امنيا وسياسيا".‏

وبالنسبة لجورج بوش وعموم الجمهوريين فإن الانسحاب والبقاء خياران احلاهما مر، مع ترجيح خيار البقاء، وهذا ما يشدد عليه بوش باستمرار، معتبرا ان الانسحاب يعني الهزيمة امام قوى "الإرهاب".‏

بيد انه على ضوء الوقائع القائمة يبدو ان الاميركيين وهم يذعنون لخيار البقاء اياً كانت الحجج والذرائع والظروف والأسباب، محكومون بتحديات واستحقاقات خطيرة ومرهقة، ليس لان مشروعهم "الديمقراطي" في العراق مهدد بالانهيار، بل ايضا لان وجودهم وفق "أجندات" غامضة وضبابية غير مضمونة ولا محسوبة النتائج.. وهذا هو الأخطر بالنسبة لهم.‏

الانتقاد/عربيات/ العدد 1187 ـ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-06