ارشيف من : 2005-2008

الحجاب ومعركة الهوية في تونس

الحجاب ومعركة الهوية في تونس

الثانوية، وكذلك النساء في المؤسسات الحكومية والخاصة.‏

وقد بلغ هذا الجدل أحيانا درجة غير مقبولة من الحدة والعنف، وتزامن مع كل ذلك قيام السلطات التونسية بحملة أمنية على مرتديات الحجاب في الشوارع والمدارس والجامعات، ومواطن العمل العمومية والخاصة، وحجز ومصادرة كل ما يمكن أن يستعمل كغطاء للرأس من المحلات والدكاكين.‏

فبعد خمسين سنة من إصدار الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة مجلة الأحوال الشخصية للمرأة، التي حددت سن الزواج بـ17 سنة، وأقرت بالاجهاض، ونصت على أن الطلاق لا يتم إلا أمام المحاكم، وعدلت من قوانين الميراث المستمدة من الشريعة الاسلامية، وحددت الزواج بامرأة واحدة لا أكثر، والمهر بدينار، ما يساوي دولاراً أميركياً، ها هو المجتمع التونسي يجد نفسه أمام تحدٍّ جدي، ألا وهو أزمة الهوية، التي تمس في الوقت الحاضر مجموع العالم العربي والإسلامي.‏

الآن، قضية الحرب على الحجاب في تونس تدخل في سياق الحرب على الحريات الشخصية للمواطنين، وعلى الحرية الدينية في المجتمع التونسي، والدفاع عن الهوية العربية الإسلامية للبلاد.‏

والحرب على الحجاب في تونس هي جزء لا يتجزأ من الحرب ضد الاسلام، إذ تؤكد الأدلة الدامغة على شمولية الحرب ضد الاسلام والحريات معا، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر: عزل عدد من الائمة بسبب إقبال الناس عليهم في شهر رمضان (عبد الرحمان العرباوي مثلا من جهة بن عروس) ـ تداعيات تدنيس المصحف الشريف قبل شهور قليلة حيث بقي الجناة أحراراً متنفذين ـ طرد حارس مرمى النادي الرياضي الصفاقسي من المباراة بسبب صيامه لشهر رمضان ورفضه الاذعان للضغوط بالافطار عمداً ـ الخ...‏

وكانت السلطة التونسية أصدرت عام 1981 في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، المنشور 108 الذي يعتبر الحجاب "زيّاً طائفيّاً"، وليس فريضة دينية، ومن ثَم يحظر ارتداؤه في الجامعات ومعاهد التعليم الثانوية، وهو ما يعارضه بشدة قطاع كبير من الشارع التونسي.‏

واحتدم الجدل في تونس في الآونة الأخيرة بشكل لا يسبقه مثيل حول ظاهرة عودة الحجاب بقوة إلى الشارع التونسي بعد تأكيدات حكومية رفض هذا اللباس "لأنه ينال من المكاسب التي تحققت للمرأة التونسية". فقد قال الرئيس زين العابدين بن علي لدى استقباله وزير الشؤون الدينية "إن تونس المتمسكة على الدوام بإسلامها الحنيف (؟).. حريصة على تكريس قيمة الاحتشام وفضيلة الحياء، وهي تعتبر تقاليدها في الملبس في المدن والارياف كفيلة بتحقيق ذلك".‏

وفي سياق ذلك، أعطى الأمين العام لـ"التجمع الدستوري الديموقراطي" الحاكم الهادي مهني بُعداً سياسياً للصراع على الحجاب، حين اعتبر أن التونسيين المتعلقين بالدين الاسلامي الحنيف والحريصين على التجذر في أصالتهم والدفاع عن هويتهم الوطنية يستغربون اليوم من بروز بعض الظواهر المجتمعية الغريبة عن دينهم وأصالتهم وهويتهم. وبعد أن أشار الى ظاهرة التستر بالدين لخلفيات سياسية، متهماً "المتسترين بالدين" باستخدام هذه الورقة "لأهداف سياسية تكن العداء لتونس ولا تريد لها الخير".‏

وفي الجانب المقابل أدانت حركة "النهضة" التونسية ـ التي تعتبر أكبر حزب معارض في البلاد ـ بشدة السلطة التونسية لحملتها على ارتداء الحجاب منذ بداية شهر رمضان المنصرم، داعية العلماء والأحزاب السياسية في البلاد إلى التضامن مع المحجبات لضمان حقهن المشروع في اختيار لباسهن. فقد قال الشيخ راشد الغنوشي، رئيس الحركة الإسلامية المحظورة رسميا: "إذا كانت حملات السلطة وسعيها لتطبيق القانون 108 - المانع لارتداء الحجاب بالمؤسسات العمومية والتعليمية- لم تنقطع منذ 25 عاما، فإن حملتها الحالية التي استقبلت بها شهر رمضان الكريم لهذا العام كانت أكثر اتساعا وحدة".‏

وشددت حركة النهضة على أن الحملة ضد ارتداء الحجاب "تبرز مدى التباين بين مسارين على طرفي نقيض، مسار الشعب والمجتمع التونسي في عودة قوية عارمة نحو هويته، ومسار سياسات السلطة وعدد من نخبها المنبوذة عن قيم مجتمعها، وعما تتبجح به من شعارات وقيم عن حقوق المرأة". واستنكرت الحركة ما تردده "أبواق السلطة من أن هذا الحجاب هو رمز سياسي لخصم سياسي؛ ولذلك وجب منعه ووصفه بالزي الطائفي زيادة في التلبيس".‏

وعبر الحزب الديمقراطي التقدمي، وهو حزب علماني معترف به، عن عميق انشغاله إزاء الحملة الأمنية التي أطلقتها السلطة مؤخرا، والتي تستهدف على وجه الخصوص المواطنات المحجبات اللائي يتعرضن إلى الإهانة والمضايقة. ويعتبر الحزب أن هذه الملاحقات غير القانونية تنال من الحرية الشخصية للمواطن ومن حقوقه الأساسية في مزاولة التعليم والعمل والتمتع بالخدمات العامة التي تسديها الإدارة، ويمثل في نفس الوقت شكلا من أشكال الاضطهاد الديني.‏

إن العلمانية التونسية تشذ عن باقي العلمانيات الغربية الأخرى التي لم تصدر قوانين تحظر الحجاب، أو تفرض قيوداً على اعتناق الديانات. والعلمانية التونسية بهذا المعنى هي علمانية استئصالية تمارس أصولية معكوسة في اعتدائها على الحجاب الإسلامي بوصفه خيارا شخصيا، ورمزا ثقافيا ودينيا، هو من صلب الحريات العامة والشخصية.‏

توفيق المديني‏

الانتقاد/دوليات/ العدد 1187 ـ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-06