ارشيف من : 2005-2008

ماذا بعد الفشل الأميركي في المنطقة؟

ماذا بعد الفشل الأميركي في المنطقة؟

ولادة الحلم الإمبراطوري الأميركي. وليس غريباً أن يكون العالم الإسلامي، خصوصاً بعد سنوات من تشريط الأذهان في العالم على فكرة صراع الحضارات، هو المستهدف الرئيسي لحروب التوسع التي ظن المحافظون الجدد، فيما يبدو، أنها ستكون أشبه بالنزهة في ظل التفوق العسكري الأميركي الكاسح. لذا، وما إن تم توفير الذريعة مع هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، حتى أطلقت إدارة الرئيس بوش حربها العالمية على ما يسمى بالإرهاب، عبر الغزو العسكري في أفغانستان والعراق، والضغوطات المختلفة على بلدان كإيران وسوريا ولبنان والسودان، وعلى تنظيمات كحركات المقاومة في لبنان وفلسطين. ومن دون الالتفات إلى مزاعم نشر الديموقراطية والحرية التي يتستر بها المشروع الأميركي، وإلى أوهام استقبال الجيوش الأميركية بالأرز وباقات الزهور، سرعان ما انكشفت النزهة المتوهمة عن مغطس حقيقي في الوحل.‏

ففي أفغانستان، البلد الأكثر فقراً وضعفاً في العالم، والخارج من حرب قاسية ضد المحتل السوفياتي، والذي تعرض للغزو من قبل تحالف تشارك فيه أغنى وأقوى بلدان العالم، انقلبت المعادلة بعد أقل من خمس سنوات على الغزو، وبدأت قوات الأطلسي تفقد مواقعها تباعاً تحت ضربات المجاهدين الأفغان. وفي العراق، يقر المراقبون بأن الأميركيين باتوا في وضع لا يستطيعون معه البقاء ولا يستطيعون الرحيل مع الاحتفاظ بماء الوجه. فقد فقدوا باعترافهم، 2816 قتيلاً من العسكريين و640 متعاقداً من المدنيين، إضافة إلى 20 ألف جريح. وفي الوقت الذي تصاعدت فيه عمليات المقاومة المسلحة بشكل ملموس خلال الشهر المنصرم، لم يتورع الأميركيون عن ربط هذا التصاعد بشهر الصوم تماشياً مع تخرصات بوش عن الإسلام الفاشي، ومع منطق الإساءات الدارجة للإسلام كدين يقدس القتل، كما ولو أن أكثر من نصف مليون عراقي قتلوا في ظل الاحتلال مظهر من مظاهر الرحمة الأميركية.‏

لكن ارتفاع الخسائر البشرية، واعتراف بوش نفسه بوجود تشابهات بين الحرب في العراق والحرب في فييتنام ليس، على أهميته لجهة تأثيره السلبي على مستوى الرأي العام الأميركي، أبرز مظاهر الفشل. مظهر آخر يتجلى في انسحاب أربع عشرة دولة حليفة من حرب العراق حتى الآن، وتهيؤ الدولة الخامسة عشرة، الدانمارك، للانسحاب الوشيك، تمهيداً للانسحاب الأشد إيلاماً والذي سيأتي قريباً من جهة البريطانيين في ظل المأزق الذي يعاني منه حكم طوني بلير. وكل هذه الانسحابات في وقت أصبحت فيه فكرة الانسحاب تحتل حيزاً متزايد الاتساع في وعي الشارع الأميركي. فقد أظهر آخر استطلاع للرأي أن 50% من الأميركيين يؤيدون الانسحاب في آخر العام 2007 كحد أقصى، بينهم 15% يريدون انسحاباً فورياً. وفي السياق نفسه، قررت عدة ولايات اميركية إجراء استفتاءات شعبية حول الانسحاب الفوري بالتزامن مع الانتخابات النصفية الأميركية في السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري. كما خرجت الأسبوع الماضي عشرات التظاهرات الحاشدة في المدن الأميركية والكندية مطالبة بالانسحاب الفوري من أفغانستان والعراق.‏

وإذا لم تكن لتلك التحركات تأثيرات ملموسة على قرار الحرب الأميركي، فإن تأثيراتها قد تكون أكثر من كارثية في انتخابات تجديد الكونغرس التي يبدو أن الغلبة فيه ستكون للديموقراطيين كرد على إخفاق سياسات الجمهوريين في العراق، بشكل أساسي. والمثير للانتباه أن السخط قد بلغ مداه حتى داخل صفوف المرشحين الجمهوريين الذين حرمتهم سياسات بوش من حظوظهم التقليدية في التربع على مقاعد الكونغرس. وقد تصور بعض المراقبين أن شهوة الفوز في الانتخابات قد تدفع بإدارة الرئيس بوش إلى ارتكاب حماقة عسكرية في الشرق الأوسط قبل موعد الانتخابات، لكن يبدو أن النظرية الأميركية القائلة بقدرة الولايات المتحدة على شن حربين واسعتين في وقت واحد، قد أخلت المجال لنظرية جديدة عن عدم قدرة الولايات المتحدة على ارتكاب حماقتين حربيتين في وقتين متقاربين، أي بعد شهرين من الحماقة التي تمثلت بالعدوان الأميركي الإسرائيلي الفاشل على لبنان.‏

من هنا، وفي ظل فشل الرئيس بوش في إلقاء تبعات التدهور الأمني في العراق على حكومة المالكي التي ردت بتحميل المسؤولية للأميركيين وحدهم، لم يعد أمام الرئيس بوش من وسائل يواجه بها الاستحقاق الانتخابي غير دعوة الأميركيين إلى الصبر والأمل، في إطار من الخداع الذي يوحي من خلاله بأن إدارته قد بدأت بإدخال تعديلات على استراتيجيتها في العراق بهدف تحقيق النصر الموعود. وقد هزئ سناتور ماساشوستس الديموقراطي، إدوارد كندي، بكلام بوش، معتبراً أن شبح الهزيمة الانتخابية هو الذي أجبره على الكلام عن التغيير بدلاً من أن ينطلق ذلك من ضرورات التغيير نفسه.‏

والواقع أن أبرز مظاهر الفشل الأميركي هو ذلك التغيير الذي يسعى إليه بوش في بحثه المحموم عن مخرج معقول، يتمثل بتشكيل لجنة من الحزبين الجمهوري والديموقراطي للنظر، بعد الانتخابات النصفية، وبرئاسة وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، في تغيير الاستراتيجية الأميركية في العراق. ولقد بات من المعروف أن ذلك التغيير لن يكون ممكناً إلا من خلال تسويات تشارك فيها القوى الفاعلة إقليمياً وفي طليعتها إيران وسوريا. هذا يعني أن مساعدة الولايات المتحدة على الخروج من المغطس العراقي ستقابلها أثمان أكيدة لمصلحة القوى المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية في لبنان وفلسطين، وهذا ما تحاول تلافيه زيارات شخصيات اسرائيلية ولبنانية إلى واشنطن تحت ضغط الشعور بأن الخروج الأميركي من المنطقة سيخلف وراءه أرتالاً من الحلفاء المتروكين لمصائرهم على طريقة عملاء أميركا من الفيتناميين الذين تركوا تحت رحمة الفيتكونغ، أو على طريقة عملاء "إسرائيل" من اللبنانيين الذين تركوا تحت رحمة حزب الله عام 2000.‏

من هنا، وبما أن الكلمة قد صارت لجيمس بيكر وللجنة المكونة من الحزبين المتنافسين، فإن الفشل الأميركي في العراق وأفغانستان، والفشل الأميركي ـ الإسرائيلي في العدوان على لبنان، قد يكونان فرصة لتوحيد اميركا على خيار الانعزال الذي طالما لجأت إليه هرباً من عجزها عن البناء بعد نجاحها في نشر الفوضى.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/دوليات/ العدد 1187 ـ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-06